ربما لا يجد المحللون عناءً في تحليل خطابات القادة والزعماء في الولايات المتحدة أو أوروبا أو حتى تحليل الخطاب السياسي لتنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فهذه الخطابات جميعا، سواءً على مستوى السياسة الخارجية أو الأوضاع الداخلية، تتضمن رسالة واضحة المعالم. من مرسل إلى مستقبل تحمل مضمونا عبر وسيط، وترجو هدفا تحاول الوصول إليه عبر أدلة بعينها تصوغها، وغالبا ما تتبع هذه الخطابات مسارات محددة لا تخرج عنها، ويتم تحديد قضايا بعينها يولونها اهتمامهم وتتخذ مسارا واضحا في خطاباتهم صعودا أو هبوطا، يمكن قياسها تبعا للظرف السياسي الحاصل. كما أن أطراف هذه الخطابات تكون محددة بدقة؛ فهم إما يتحدثون بخصوص قضايا جماهيرية أو يوجهون خطاباتهم للساسة والنخب من معارضة وأحزاب وبرلمان، إلخ.

إلا أن محاولة تطبيق هذه المنهاجيات، على دولة تولى رئاستها ثلاثة رؤساء في أربع سنوات، ستبدو محاولة محفوفة بالمخاطر قد لا تضيف جديدا إلا ربما محاولة تكرار ما قيل في كلمات القادة، لكنها ستواجه بعديد من العقبات لنخرج منها بقواعد عامة عن شكل هذا الخطاب وتوجهات قائله ومؤشراته صعودا وهبوطا.

فنحن أمام مجموعة من الخطابات التي يمكن اعتبارها خطابات للأزمة أو بالأحرى خطابات رد الفعل، تصاغ لتبرير موقف ما أو طلب معونة أو دعم وتأييد، دون أن يكون هناك تماسك واضح بينها. أو قضايا رئيسية يطرحها هذا الخطاب بشكل دائم إلا أن هذا في حد ذاته أحد السمات التي ينفرد بها هذا الخطاب المتعرج الذي لا يتبنى إستراتيجية واضحة، ولا يملك هدفا ثابتا يتطور في اتجاهه أو في عكسه. وسنحاول في السطور القليلة القادمة بيان أبرز محطات الخطاب السياسي للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال عام وأبرز سمات وتوجهات هذا الخطاب خلال عام من حكمه.

ماهو الخطاب؟

ربما لا يجد المحللون عناءً في تحليل خطابات القادة والزعماء في الولايات المتحدة أو أوروبا أو حتى تحليل الخطاب السياسي لتنظيم القاعدة أو تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، فهذه الخطابات جميعا، سواءً على مستوى السياسة الخارجية أو الأوضاع الداخلية، تتضمن رسالة واضحة المعالم. من مرسل إلى مستقبل تحمل مضمونا عبر وسيط، وترجو هدفا تحاول الوصول إليه عبر أدلة بعينها تصوغها، وغالبا ما تتبع هذه الخطابات مسارات محددة لا تخرج عنها، ويتم تحديد قضايا بعينها يولونها اهتمامهم وتتخذ مسارا واضحا في خطاباتهم صعودا أو هبوطا، يمكن قياسها تبعا للظرف السياسي الحاصل. كما أن أطراف هذه الخطابات تكون محددة بدقة؛ فهم إما يتحدثون بخصوص قضايا جماهيرية أو يوجهون خطاباتهم للساسة والنخب من معارضة وأحزاب وبرلمان، إلخ.

إلا أن محاولة تطبيق هذه المنهاجيات، على دولة تولى رئاستها ثلاثة رؤساء في أربع سنوات، ستبدو محاولة محفوفة بالمخاطر قد لا تضيف جديدا إلا ربما محاولة تكرار ما قيل في كلمات القادة، لكنها ستواجه بعديد من العقبات لنخرج منها بقواعد عامة عن شكل هذا الخطاب وتوجهات قائله ومؤشراته صعودا وهبوطا.

فنحن أمام مجموعة من الخطابات التي يمكن اعتبارها خطابات للأزمة أو بالأحرى خطابات رد الفعل، تصاغ لتبرير موقف ما أو طلب معونة أو دعم وتأييد، دون أن يكون هناك تماسك واضح بينها. أو قضايا رئيسية يطرحها هذا الخطاب بشكل دائم إلا أن هذا في حد ذاته أحد السمات التي ينفرد بها هذا الخطاب المتعرج الذي لا يتبنى إستراتيجية واضحة، ولا يملك هدفا ثابتا يتطور في اتجاهه أو في عكسه. وسنحاول في السطور القليلة القادمة بيان أبرز محطات الخطاب السياسي للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال عام وأبرز سمات وتوجهات هذا الخطاب خلال عام من حكمه.

ماهو الخطاب؟

وعلينا قبل البدء في تحليل أي خطاب تعريف الخطاب، فالخطاب هو مجموعة من الأحداث الكلامية المكتملة بذاتها، مكتوبة كانت أم منطوقة، ترسل من قبل شخص ما لمتلقٍ آخر عبر قنوات ومرجعيات وسياقات مشتركة. وليس شرطا أن الخطاب هو خطاب فرد ما لجماعة بل يمكننا الحديث عن شكل وأسلوب خطاب جماعة ما أو فئة ما؛ كأن نقول الخطاب العربي المعاصر وليس شرطا أن هذا الخطاب سياسي بالضرورة فقد يكون خطابا فكريا أو معرفيا أو دينيا. ويشكل كل خطاب نسقا من المفاهيم التي يعتمد عليها في إيصال رسالته، تترابط معا. والمفترض أن تمثل شبكة المفاهيم لهذا الخطاب نسقا واحدا وتعبر عن المشترك بين المرسل والمستقبل.

ويفهم الخطاب على مستويين، أما الأول: فالمتعلق بوجهة نظر المخاطب، أما الثاني: فذلك المتعلق بكيفية استقبال القارئ لهذا الخطاب، وبين الكاتب والقارىء تمر العلاقة بالعديد من الإشكاليات وصولا إلى ما بعد الحداثة، وحديث رولان بارت عن موت المؤلف أو بمعنى آخر أن المؤلف لا يتدخل في النص وأن كل المهمة ملقاه على عاتق القارىء.

ومهمة أي خطاب تكمن في قدرته على الإخبار والإقناع، والخطاب لا يتضمن فقط ما قيل أو ما كتب بل قد يتضمن أيضًا ما ضن به أو سكت عنه، وهو أمر هام في تحليل أي خطاب أيا كانت كينونته، والمسكوت عنه هو المرتبط بما يلحق الخطابات من تأثيرات سياقية قد تجعله يحيد عن الوضوح المطلوب أو يعبر عن مضمونه بشكل آخر غير الشكل الصريح المباشر المتعارف عليه، كعامل من عوامل تأثير السياق على ما تم النص عليه.

لغة الخطاب

تمتاز لغة الخطاب للقادة والزعماء بسمات مباشرة لا تحتاج لتحليل عميق، ومن أبرز هذه السمات المباشرة التي يمكن الحديث عنها: اللغة المستخدمة، وكيف يرى المتحدث دوره وشخصيته. فيمكننا هنا على سبيل المثال المقارنة بين الخطاب السياسي لكل من الرؤساء: مبارك ومرسي والسيسي، فمبارك كان يعتمد على الخطاب المكتوب مسبقا ولم يكن يخرج عن النص إلا نادرا، وتتسم اللغة المنطوقة لخطاباته باللغة الرسمية أو الفصحى مع الاعتماد على العبارات التلازمية في خطابه كـ “الإخوة المواطنون” وغيرها. وكان خطاب مبارك يعبر عن كونه موظفا حكوميا رفيعا ليس أكثر ولا أقل، فلم تكن في خطابته تلك الحِدة التي يمكن تسميتها حِدة الزعامة والتي كنا نلاحظها في خطاب جمال عبد الناصر على سبيل المثال أو نبرة الأبوية والمسئولية المتعلقة بالقيادة لدى السادات ولكنها عند مبارك لم تكن تتجاوز عتبة المكتوب باعتباره موظفا تولى شأنًا عامًا.

خطاب مبارك
خطاب مبارك

أما لغة الخطاب لمرسي فغلب عليها الخروج عن النص وعدم الالتزام به، والتذبذب بين ما يقوله خطابه المكتوب وبين ما يضيفه هو بلغته؛ فيتحدث حينا بالعامية ويتطرق حينا لمسائل شخصية أو أمور صغيرة قبل أن يعود ليلقى ما هو مكتوب. كما تبرز صفة الانفعالية في خطابه السياسي، فهو يتحدث لمجموعة من المتقاربين فكريا ولم يكن يراعي في خطابه الفروقات المجتمعية أو الفكرية. كما غلب على خطابه النزعة الدينية بجانب النبره الحماسية التي كانت تعبر عن الانفعال والتردد والعفوية أكثر منها عن الزعامة أو القيادة، فلغة خطاب مرسي كانت تقترب لتوضيح تلك الشخصية المرتبكة – العفوية المتساهلة، أكثر منها شخصية الموظف العام أو القائد السياسي. أما لغة الخطاب السياسي للسيسي فاتصفت بالعامية ومحاولة التبسط والتبسيط والتحدث بصيغة الجمع في أغلب الأحيان مثل “أنا مابخبيش عنكم حاجة”، “البلد بتشتغل بيكم، هو أنا لما اتكلمت معاكم قولت أنا هاعمل؟ ولا قولت إحنا المصريين هنعمل”.

خطاب مرسي في التحرير
خطاب مرسي في التحرير

وتظهر لغة الخطاب لدى السيسي شخصية “متحمل المسئولية” الذي يكرر في كثير من الأوقات أنه لم يسعَ للسلطة ولكنه تحمل الأمانة من أجل حماية الدولة والشعب وإنقاذ الوطن، ولذا ففي أغلب خطاباته يتعامل مع المتلقي باعتباره مشاركًا؛ يطلب منه فعل كذا وكذا وأن المسئولية ليست فردية ولكنها مشتركة.

ملامح خطاب السيسي

خطاب الأزمة

إن أحد أبرز السمات التي يمكن الحديث عنها حول هذا الخطاب خلال عامه الأول؛ كونه اعتمد على خطاب الأزمة، وكان هذا الاعتماد قبل حتى توليه الحكم بشكل رسمي عقب الانتخابات، فمنذ اللحظة الفارقة التي جمعته بقادة دينيين ومثقفين وممثلين لبعض لأحزاب، الذين شكلوا الداعم الرئيسي لهذا الخطاب، حين أعلن السيسي، الذي كان حينها وزيرا للدفاع، خلال هذه اللحظة أولى سمات خطابه والتي استمرت معه طوال عام من حكمه وهو الخطاب القائم على تصدير الأزمة وتبرير المواقف؛ فغالبا ما يتضمن الخطاب كلمات من قبيل “نمر بأزمة” “نواجه معركة”، “صعوبات”، “معركة شرسة” إلخ.

السيسي في بيان 3 يوليو
السيسي في بيان 3 يوليو

فالأزمة هي الغائب الحاضر في هذا الخطاب، فغالبا ما يطرح هذا الخطاب أزمة ما، وتختلف هذه الأزمة ما بين مواجهة الإرهاب أو التحديات الاقتصادية أو السياسية والمعوقات الإدارية والبيروقراطية مرورًا بالحديث عن حوادث فردية هنا وهناك كأزمات قطاع ما أو وقفة احتجاجية أو إضراب لمجموعة من الطيارين أو غير ذلك.

ولم تخل لغة هذا الخطاب خلال العام المنصرم من حديث الأزمة ومشتملاته من ضرورة المواجهة أو التصدي والتكاتف والتعاون وإنكار الذات من أجل تجاوزها، وهو ما يتطلب جهدا مضاعفا من المواطنين من أجل تجاوز هذه المرحلة الصعبة في تاريخ الوطن ومواجهة كافة التحديات ومن بين هذه التحديات أمور تتعلق بالتصدي للجيـل الرابع من الـحروب والتي تستهدف إسقاط الدولة، ومواجهة مخططات الإرهاب التي تسعى إلى وقف مسيرة التنمية، والحفاظ على وحدة المصريين وإنجاز الاستحقاق الثالث في خارطة المستقبل.

طلب الدعم والتأييد

ويرتبط بالسمت الأول لهذا الخطاب سمت آخر، وهو المتعلق بالدعوة للتأييد النابع من الأزمة، وهو السمت الثاني البارز في خطابات العام الأول. حيث طلب الدعم والتأييد المستمر، أو بمعنى آخر طلب تجديد الشرعية من كل حين لآخر، وهذه السمة أيضا جاءت منذ البداية حين تم طلب تفويض من المصريين لمواجهة الإرهاب، واستمر طلب الدعم هذا في كافة الأشكال والمراحل التي مر بها هذا الخطاب خلال فترة عامه الأول، وتعددت أشكاله ما بين طلب الدعم لمواجهة التحديات الاقتصادية مرورًا بأزمات الكهرباء والهجمات الإرهابية في العريش والشيخ زويد، ولا يقتصر طلب الدعم على الدعم الداخلي فقط ولكنه أيضًا يتطرق لشكر الأصدقاء في الخارج خاصة الدول العربية على دعمها المستمر لمصر.

السيسي في خطاب التفويض
السيسي في خطاب التفويض

ولا تقتصر الحالة على طلب الدعم والتأييد على الناحية الإيجابية والتي تتطلب من الطرف الآخر تقديم شيء ما، ولكن امتدت إلى الدعم والتأييد بشكله السلبي أي مطالبة هؤلاء الداعمين والمؤيدين بعدم الفعل كنوع من أنواع الدعم والتأييد. وعدم الفعل هذا قد يشمل بداية عدم التظاهر مرورًا بضرورة مساندة الحكومة في قراراتها نهاية بعدم الاستماع إلى المغرضين الذين ينتقدون الحكومة. وكل هذه الأمثلة تعمل على تهدئة وتقليل ثورة التوقعات التي بدأ بها خطاب العام الأول من حل مشكلات الكهرباء وبدء استقرار الأوضاع السياسية وجلب الاستثمارات الاجنبية وصولا إلى الحديث إلى المواطنين بصيغة أنه لا تنتظروا إصلاحا قريبا لأن الطريق مازال عسيرا. “احنا بنحاول فيها وبدأنا لكن مش حتشوفوا أي تقدم ملحوظ في سنه أو اتنين أو حتى تلاتة”.

وبهذا التوجه الخطابي فإن خطاب العام الأول قد دشن مبدأً هامًا وهو المشاركة وإلزامية دور المواطن في التصدي للمشكلات؛ فالحكومة وحدها أو الدولة والقادة السياسيون لن يقوموا بكل شيء فيجب أن يكون للمواطنين دور فاعل، وضرورة أن يتعاون الشعب مع الحكومة في علاج المشكلات، وهذا الدور يبدأ من التبرع بالأموال لصناديق الدولة مرورًا بالصبر على سياسات الحكومة حتى تأتي أُكُلَها وصولا إلى إصلاح السلوكيات العامة والحفاظ على مؤسسات الدولة وحمايتها من أعمال الإرهاب والتخريب.

الوعود

ولم تخل لغة الخطاب في عامه الأول من الوعود التي تم الحديث عنها تباعا بين الحين والآخر، فاعتمد الخطاب على الأزمة حينا وطلب التأييد حينا آخر بينما بعث برسائل طمأنينة في أحيان بعينها قاطعا عددًا من الوعود والتي بدأت بالجزم ثم تحولت إلى محاولات في النهاية بالتأكيد على الصعوبات التي تواجه الوعود التي قطعت وفشلت الحكومة في تنفيذها.

وبدأت هذه الوعود مع بداية خطاب العام الاول بالتأكيد على القضاء على الإرهاب في سيناء وقطع دابر المتطرفين الذين يستهدفون رجال الجيش والشرطة وتحقيق الاستقرار، حيث تم التركيز على مفهومي الاستقرار والأمن كمهمة أساسية للحكومة بعكس بقية المفاهيم التي تم التعبير عنها بصيغة المشاركة بين الشعب والحكومة، وامتدت الوعود سالكة طريق تنمية سيناء، وجلب الاستثمارات الأجنبية عبر المشاركة مع الدول والمؤسسات الخارجية بما سيساعد في تحسين الأوضاع الاقتصادية، مرورا بافتتاح مشروع قناة السويس الجديدة، وتوفير فرص العمل والأراضي عبر مشاريع الإسكان نهاية بالحديث عن أدوية علاج بعض الأمراض والتزام الدولة بتوفيرها وتطبيق منظومة السلع التموينية، حيث تراوحت هذه الوعود ما بين إعطاء أمل للمواطنين في تحسن الأوضاع وبين مواجهة مشكلات حقيقة كالحديث عن منظومة الخبز أو عقار لعلاج فيروس سي في محاولة لكسب المصداقية.

خطاب السيسي في المؤتمر الاقتصادي
خطاب السيسي في المؤتمر الاقتصادي

بينما لم ترتبط الوعود بأي منظومة للمتابعة والمراقبة لتنفيذها خاصة موضوعات الإفراج عن دفعات من الشباب المحبوسين أو إطلاق أول مشروع قومي لتشغيل الشباب وتأهيلهم للعمل، في حين أن الإعلان عن تأخر تنفيذها كان دائما يرتبط بتقصير أداء الوزراء أو تعقد الجهاز الإداري للدولة.

ولم تقتصر الوعود على مجرد عرض لبعض مجالات التقدم أو تحسن الأوضاع إلا أنها اشتملت أيضا على عرض عدد من الإنجازات مثل الحديث عن عودة مصر إلى إفريقيا وتقوية الروابط بين مصر ودول حوض النيل، بالإضافة إلى تحسين علاقات التعاون مع أوروبا وأمريكا والصين، وتنويع مصادر السلاح وإتمام صفقات وشراء معدات عسكرية من فرنسا بتسهيلات وشروط تفضيلية، أو الحديث عن البدء في إجراءات مشروع الطاقة النووية السلمية وغيرها.

تجديد الخطاب الديني

“ليس معقولا أن يكون الفكر الذي نقدسه على مئات السنين يدفع الأمة بكاملها للقلق والخطر والقتل والتدمير في الدنيا كلها”

أحد أهم القضايا التي ركز عليها خطاب العام الأول هو ما يتعلق بالمواجهة الفكرية للتطرف وتجديد الخطاب الديني ومواجهة التطرف والعنف الديني، وتم الاعتماد على آليات رسمية في هذا الصدد فغالبا الخطاب الذي يتناول مثل هذه القضايا يتم طرحه خلال مناسبة دينية كخطاب بأحد الاحتفالات الدينية مع الحرص على وجود قامات دينية رسمية تتبنى هذا الأمر عبر طريق “مؤسسات الدولة” ونابعا منها لمواجهة هذه الأفكار لمواجهة أزمة التطرف و”انحراف الخطاب الديني” أو بالأحرى ظهور تنظيمات دينية أو تتخذ من الدين قاعدة لها وتتضاد مع فكر الدولة.

فيبدو واضحا من الخطاب أن انحراف الخطاب الديني مرتبط في فكر هذا الخطاب بجمود التفسيرات الدينية كما أنه مرتبط بانحرافها عن فكر الدولة ذاته وخروج هذا الخطاب من يد مؤسسات تابعة للدولة إلى آخرين فلم تصبح الدولة (الأزهر – الإفتاء) هي المسيطر الوحيد على الخطاب الديني ولكن انضم إليهم كثيرون ممن يسيؤون استخدام الخطاب الديني في التوجيه، وآلية تجديد الخطاب الديني هذه تبدو أحد الوسائل للسيطرة على العنف والتطرف بحيث لا يتطرق الخطاب الديني إلى أمور تتعلق بآليات السلطة بقدر ما يتعلق بجوهر الدين من حسن المعاملات والأخلاق الكريمة.

الخارج في خطاب العام الأول

السيسي في خطاب الثورة الدينية
السيسي في خطاب الثورة الدينية

وعلى المستوى الخارجي فإن خطاب العام الأول تراوح بين اتجاهين رئيسيين أولهما التأكيد على أواصر العلاقات السياسية والاقتصادية والإستراتيجية بين مصر وداعميها وأصدقائها العرب واستغلال أي ظرف سلبي أو إيجابي للتأكيد على هذه العلاقات القوية والمتينة والتي لا تزحزحها الشائعات أو الأغراض السيئة،”إن مصر لن تتخلى عن أشقائها من الدول العربية، ليس فقط في الخليج الذي يعد أمنه خطًا أحمر وجزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي المصري، ولكن أيضًا في كافة الدول العربية”، حيث دائمًا ما يشير خطاب العام الأول على دور مصر في دعم العرب ودول الخليج في حربها ضد اليمن مشيرا في ذات الوقت إلى اختلاف السياق التاريخي والمعطيات التي تحيط بانخراط مصر في استعادة أمن واستقرار اليمن ومقارنتها بتجربة مصر في ستينيات القرن الماضي، والحديث عن ضرورة حماية الأمن القومي المصري خاصة فيما يتعلق بالأوضاع في ليبيا.

أما الاتجاه الثاني فذلك المتعلق بمحاولة كسب الشرعية خارجيا والتأكيد على شرعيته والدفاع عن طريقة الحكم، وظهر هذا الاتجاه التبريري في أكثر من خطاب خارجي خاصة تلك التي ألقيت في الأمم المتحدة أو الاتحاد الإفريقي.

خاتمة

إن تحليل الخطاب السياسي قد يوضح ما تحدث عنه هذا الخطاب أو ما ركز عليه وهو أمر جيد، فيمكننا الحديث عن قضايا الأمن والشباب والثورة والاقتصاد والتطرف والإرهاب كأبرز القضايا التي ركز عليها الخطاب السياسي للرئيس المصري خلال عامه الأول لكن الأهم في تحليل الخطاب هو الحديث عن ما تم السكوت عنه في هذه الخطابات والتي تتراوح بين نقاط الديمقراطية والمحاسبة أو الخلافات الداخلية والصعوبات الخارجية والتعليم والثقافة، وكلها مرادفات ومعانٍ غابت كثيرا عن هذا الخطاب وهو ما قد يوضح شكل توجهاته أو ركائز اعتماده الأساسية.