في حوارنا الأول معه، تناول محمد نعيم، الكاتب والباحث والسياسي المصري البارز، التيارات السياسية المصرية في تفاعلها مع الثورة وما تلاها من أحداث، وصولاً إلى لحظة التفويض في 26 يوليو/تموز 2016. نحاول في الجزء الثاني من حوارنا أن نستكشف القوى الاجتماعية القائمة في المجتمع المصري وإمكاناتها وآفاق تحركها.


أ. محمد، إذا ولَّينا نظرنا تجاه المجتمع، هناك تجريف وتشوه اجتماعي واضح تناوله أكثر من مثقف مصري، يجعل من الحصول على قوى اجتماعية معينة يمكن الاعتماد عليها كقوى اجتماعية حاملة للتغيير أمرًا شاقًا، كيف تنظر إلى ذلك؟

عندي أولاً ملاحظة على استهلال سؤالك. يمكنني أن أفهم لفظ «التجريف» في إطار وصم سيادة الاستبداد وحكم الرداءة وعداء المعرفة في علاقتهم بالمثقفين ومنتجي المعرفة النظرية والتقنية كل في مجاله، لكنني لم أفهم أبدًا مقولة التشوه الاجتماعي تلك لأنها مقولة تفترض بداهة أن هناك «نموذج ومثال» للاكتمال الاجتماعي تقاس عليه الأبنية؛ وأختلف معها، أولاً لأن أي تقدم مأمول هو انطلاق من نقطة تخلف ما، وثانيًا لأنها مقولة تفترض أنه كان هناك مسار للتطور المثالي وارتد عنه المجتمع.

ومقولات «التشوه» الاجتماعي تلك نشأت في مصر كمنتج لوعي ناصري اعتبر أن الحقبة الساداتية هي انحطاط تاريخي وأن المجتمع ينحط بالتالي بعدها. حسنًا، مرّ الآن نصف قرن تقريبًا على تلك اللحظة هى تقريبًا عمر أغلبنا، فهل هذا منطق أصلاً لإدراك وجودنا المشترك وهو أن عمر أغلبنا هو سنوات من الضياع وفقط؟!

ظني أنه لا توجد تشكيلات اجتماعية نموذجية إلا لأغراض قياسية وليس باعتبارها معيارًا للتحقق التاريخي، وعليه كانت البرجوازية والطبقة العاملة البريطانيتين في لحظات بعينها في القرن التاسع عشر هما النموذج القياسي في وعي كارل ماركس، بينما وفي الواقع لم تكن أبدًا باقي برجوازيات العالم كالبرجوازية البريطانية، وكذا باقي طبقات العالم العاملة في مقارنتها بالبروليتاريا البريطانية، ونفس الشيء ينطبق على ذات الطبقتين في نفس بريطانيا بعد 100 عام.

وأحيانًا يقع البعض في خطأ نفي وجود تشكيل اجتماعي أو أهليته لأنه لا يلبي نموذجًا قياسيًا بعينه، وعليه يقول البعض أحيانا إنه لا توجد طبقة عاملة أو لا يوجد منتجين للقيمة في مصر كما لو كان الإنتاج ينتج نفسه بنفسه، أو أن سماء الدلتا تمطر نفطًا، أو أن المائة مليون إنسان يعتاشون على البركات السماوية أو النفحات الخارجية. بالتأكيد مصر عامرة ما شاء الله بالطفيليين والبيروقراط ومراكز التكلفة، ولكنها أيضًا مستمرة بعرق وكفاح ملايين المصريين من منتجي القيمة داخل مصر أو في دول الجوار، وبالطبع أكثر من يلوك تلك المقولة هم ممن يسمون أنفسهم «ليبراليين» فى مصر.

أما عن السيولة الاجتماعية وتداعياتها، فهناك دائمًا حديث عن سيولة اجتماعية. وهذا الحديث يحمل في جانب منه أزمة في إدراك وإمساك بعمليات الحراك الاجتماعي وتبدلاتها، وأحيانًا رفض لها على طريقة رفض اليساريين الأخلاقي لهجرة المصريين لبلاد النفط فى السبعينيات، أو الإنكار الذهني للتحولات الاجتماعية المترتبة على سياسات الانفتاح التي بدأها أنور السادات.

لكنه في جانب آخر منه موضوعي بالفعل، وهو الجانب الناتج عن ضعف التنظيم الاجتماعي عمومًا، وتضعضع أبنيته. فطالما كان التنظيم المجتمعي ضعيفًا أو منعدمًا، فالفئات الاجتماعية لا تعي نفسها بالشكل الملائم أو بالإمكانية الواردة. فالفئات الاجتماعية موجودة بمقدار وجود أبنيتها المنظمة لها التي من خلالها تتحقق من وعيها بذاتها، وما ينتجه هذا الوعي من تجليات مختلفة لتلك الأبنية على مستوى المعرفة والإنتاج الثقافي والممارسات الحياتية المتشابهة والحس التضامني اليومي، وكل ما سبق يؤسس الخطابات المعبرة عن الفئات الاجتماعية وعن سلطتها المعنوية التي تؤكد سهم حضورها وتأثيره. ومسألة التنظيم التي أعنيها لا تنسحب فقط على القوى الاجتماعية، بل تمتد لأي بنية دينية أو دولتية اختطت لنفسها مكانًا في التاريخ المعاصر.

لقد كان لغياب التنظيمات الاجتماعية المدنية الكبرى في المجتمع المدني المصري أثر مدمر على إمكانية دفع معاني التقدم إلى الأمام. في مصر قبل الثورة، كانت التنظيمات الكبرى الباقية، وتحمل قدرًا ما من التماسك الخطابي، هي: القوات المسلحة، والإخوان المسلمين، والكنيسة الأرثوذوكسية. فانظر ماذا حلّ بنا؛ ذلك بالرغم من توفر كتلة تاريخية صاعدة وجسورة صنعت ثورة يناير العظيمة.

يقول البعض إن المسألة تتعلق بمستوى التطور الرأسمالي ومساراته، وأدعي أن بلدًا كتونس مثلاً هي كيان سياسي اقتصاده هامشي وبنيته عالم ثالثية، وكان له نصيب من الاعتماد المعتبر على قطاع السياحة؛ إلا أن تونس لديها تنظيم نقابي عملاق ورائد اسمه «الاتحاد العام للشغل» قادر على حشد وتعبئة ربع السكان إذا أراد. وبفضل هذا التنظيم -أولاً – نجت تونس (إلى الآن) من هاويات وحماقات الثورات المضادة للربيع العربي. ومع كامل تقديري واحترامي لحكمة الشيخ راشد الغنوشي في قيادته لحركة النهضة ولعقلانية القوى التقليدية للدولة وللطبقات الحاكمة، فلولا الاتحاد العام للشغل ونقابات المحاماة والصحافة، لربما سقطت تونس في نفس الجحيم الذي نعاني من عذاباته الآن في مصر. هي ليست أقدارًا ولا مصائر محتومة.


هل تعوّل مثلاً على الشباب المتطلع إلى نظم سياسية أكثر تقدمًا لتأسيس دولة ومجتمع أكثر حداثة؟ هل تؤمن بأن العمال والفئات المهمشة كالمرأة قادرون بالفعل على أن يكونوا رقمًا صعبًا في معادلة التغيير؟

ربما أجد نفسي أقول كلامًا تقليديًا وربما يبدو للبعض بدائيًا؛ لكن المشهد في مصر يبدو بدائيًا بالفعل، وأدعي أن الثورة في مصر خلافًا لرأي كثيرين قامت وتطورت بشكل كلاسيكي جدًا وطرحت أسئلة مباشرة جدًا جدًا.

والكلام التقليدي هو أن أي حل في المستقبل سواء بعد عام أو اثنين أو عشرة لن يأتي إلا بالصراع أو بالمساومة التي تفضي لصيغة تعايش بين القوى المنتجة للقيمة في المجتمع؛ لأن تلك القوى هي صاحبة المصلحة المادية في استمرار الحياة وتطورها للأفضل، كل حسب رؤيته. قد يبدو الكلام ساذجًا؛ لكن ظني أن مصر فيها أيضًا من قوى الطفيلية والتبقرط، ما يعوق أي حركة أو تطور في أي اتجاه أيًا كان. قد يبدو كلامي قديمًا أيضًا، لكن في بعض الأحيان تعود الحقائق القديمة لتصير صالحة لإثارة الدهشة طالما أن الوضع يتدهور، ويتدهور معه الجدل والأفكار الناتجة عنه.

المنتجون للقيمة هم العمال اليدويون والذهنيون حال تنظيمهم، وهن النساء اللاتي ينتجن ويدبرن في أعمال غير مدفوعة الأجر، وهم المبدعون الذين يخلقون معاني للترفيه والجمال، وهم من يصونون الطبيعة ويطوِّعون عنادها لخدمة الناس وسعادتهم كافة، وهم أيضًا، وحتى لحظة تطور مأمولة، رأس المال طالما لا يشترط سحق الناس من أجل مراكمة نفسه لنفسه.

الاكتفاء باعتبار المظلومية هي دافع التغيير ليس كافيًا، ورفع شعار إعلاء صوت المستضعفين ليس أساسًا للتقدم، ولكن أساس التقدم هم منتجو فائض القيمة المستبعَدين من السلطة، ثم كل من كانت له مصلحة في التقدم وكان طرفًا في عملية الإنتاج الحقيقي وهذا اعتبار مهم في رؤيتي؛ لأن المساواتية والتقدم المادي غايتان لا تنفصلان عندي، ولأن أي فكرة أو انحياز باسم المسحوقين أو المظاليم أو المستضعفين تستبطن في داخل دواخلها حسًا انقلابيًا ومستقبلاً استبداديًا ما، على طريقة الشعب الذي «لم يجد من يحنو عليه»؛ لأن في نصرتك لهم منحة أكثر مما هو حق طبيعي، وفيها حس مقايضة إنقاذهم من الظلم بتفويضهم لك؛ أي دائرة استبداد جديدة.

هناك اعتبار آخر عملي وتكتيكي؛ وهو أن الحديث باسم «حق» المظلوم في وضع يسيطر عليه اليمين العالمي قد يأتي في كثير من الأحيان بردود فعل عكسية ومجرمة يتم من خلالها انتزاع حق المظلوم في الحياة والاستمرار، بدعوى ضعف إنتاجيته، وذلك على طريقة مجانين الليبرالية في مصر الذين يسبون الشعب المصري ليل نهار لأنه شعب «كسول».


لعل التغيرات الاقتصادية التي تشهدها مصر اليوم هي الأهم بعد الانفتاح الساداتي والتحول في أواخر عهد مبارك، هل لديك أفكار خاصة عن تبعات السياسات الحالية المثيرة للجدل التي ينتهجها النظام المصري في الملف الاقتصادي، وفي غيره من الملفات حقيقة، على المجتمع في مصر، سواء كانت تبعات تدفع نحو التغيير، أو تجعل منه مسألة أكثر تعقيدًا وصعوبة؟

ينبغي أولاً فهم ما هي الفرص التي توفرت للجيش، والتأمل في معنى التفويض، ليس فقط في كونه تفويضًا في مواجهة الإخوان أو في مواجهة الثورة، بل أيضًا في مواجهة الحلفاء وبقية أطراف الدولة من شرطة وقضاة وطبقة مهيمنة، وأخيرًا طبقة وسطى، ومن حيث كونه كاسحًا ساحقًا غير مسبوق. والأمر لا يتعلق بلحظة 26 يوليو 2013، بل يعود لـ 28 يناير 2011 نفسها وما تلاها.

في أعقاب يناير 2011، وفي ظل فرح الثوار بظفر ثورتهم الأولى، كان الجيش يحصل على تفويض من أجهزة الدولة الأخرى، ومنها الشرطة. وأصبح مبدأ «كعب الجيش العالي» على ما سواه داخل الدولة ليس محل منازعة أو تململ. هذا الأمر كان جديدًا لمن يمتلك ذاكرة قوية لعالم ما قبل 2011، وأصبح الجيش باعتراف الجميع هو آخر عمود في خيمة الدولة. ومن هذا الاعتراف، بدأ يهيمن معنويًا على إخوته الدولتيين، وأصبح القاضي مثلاً في صميم وجدانه يرى في الجيش الأب الحامي، وأصبح الشرطي يرى في الجيش الأخ الأكبر.

فإذا أضفنا إلى ذلك تسابق المكونات السياسية على نيل رضى الجيش والتدافع بالمناكب على الحصول على مكانة الشريك المميز التي حصل عليها الإخوان لفترة، وإذا تذكرنا كيف انتهى هذا الفصل بتفويض البرجوازية للجيش في السر والعلن والدموع والأحضان، يمكننا أن ندرك مستوى انفراد الجيش بمرمى التاريخ المعاصر في مصر.

الأمر الثاني هو فهم أن إشكال الجيش الحالي هو إشكال في تصوراته النظرية لـ «المشروع الوطني» والتباساتها وعدم قدرتها على ترجمة نفسها في شكل صيغة قابلة للحياة. فليست المشكلة أن هناك معوقات وقوى تصارعه كأطراف أو خصوم؛ لأن الجيش لم يشهد لحظة انتصار على «المدنيين» كاللحظة الحالية.الجيش عدوه الأساسي هو عقيدته.

فالجيش يريد سوقًا مفتوحة بلا دعم أو مسؤوليات اجتماعية، أو كما عبّر عبد الفتاح السيسي وقتَ قال: «كل سلعة يجب أن تُباع بسعرها الحقيقي»؛ ولكن هذا السوق مطلوب أن يكون سوقًا احتكارية من جانب الجيش. والجيش يريد اجتذاب رأس المال الأجنبي بشرط الحفاظ على الاستقلال الوطني الذي يعني عمليًا أن يكون الجيش هو الشريك الاقتصادي لرأس المال الأجنبي عوضًا عن برجوازيات مدنية مشكوك في «ولائها» لمصر من حيث إن مصر هي الجيش والجيش هو مصر، وما يستتبع ذلك من إعادة تشكيل شبكة رجال أعمال جديدة بحيث يكون ولاؤها الكامل للمؤسسة العسكرية.

والعسكرة لا تعني فقط أن يعين عسكري بزيه الميري أو خلف بدلة مدنية. العسكرة هي أن يتعسكر هؤلاء المدنيون داخل جهاز الدولة وخارجها، وأن يفكروا كجنود وصف ضباط. لأن نظريًا، لا يستطيع الجيش أن يحل محل كل ما عداه.


نشعر كثيرًا بأن الساحة السياسية لدينا مفلسة من الكفاءات السياسية، ويلعب أدوار السياسي فيها الصحافي أو المثقف أو رجل الأعمال، لذا يغيب منطق السياسي سواء في طابعه البرجماتي الإيجابي بالوعي بتوازنات القوى وضرورة التنازل عن بعض شروطه في ضوئها، أو بطابعه الأخلاقي الإيجابي كذلك في تحمل مسئولية قراراته مثلاً والحرص على واقع أفضل للجميع. هل تتفق مع ذلك؟ وكيف يمكن أن نخلق كوادر سياسية قادرة بالفعل على إدارة التغيير؟ هل هي مسألة ثقافة سياسية فحسب؟

أتفق إلى حد كبير إذا كان المعيار الذي تأخذه هو متطلبات بلد كبير بحجم مصر ومشاكلها، وإذا كانت المعطيات الثابتة هي دولة تتآكل ولكنها أقوى بكثير من المجتمع المدني وفي حشرجات موتها تحاول الإجهاز على ما تبقى منه تمامًا، «عشان لا تنفع لينا ولا لغيرنا بعد كده» على حد وصف عبد الفتاح السيسي.

الصحافي والمثقف ورجل الأعمال كانوا إلى وقت قريب يلعبون دور السياسي؛ لأن السياسة ما زالت في طور محاولة بث الرسائل من أجل الوصول لأوسع جمهور من قبل قلة عددية من الناس، ومن نفسية أساسها اليقين بفكرة أن الشعب هو موضوع بعيد. هي مرحلة بدائية جدًا وشديدة التعاسة ولكنها منطقية لو كانت مجرد نقطة بداية في بلد المجتمع المدني فيه محطم وضعيف، ونظامه السياسي استبدادي ومحتكر للمعلومات ومدمر للمجال العام، وهذا كان الحال لفترات طويلة حتى 2005. وبعد 2005، تحرك الأمر للأمام قليلاً، وفي تحركه هذا فجّر ثورة شعبية، لكن انظر حولك الآن، فحتى الصحافي والسياسي ورجل الأعمال أصبحوا غير قادرين على لعب هذا الدور، ويَتم تعقبهم وعقابهم في حال محاولتهم لعبه.

ولكن إذا انتقلنا للتصورات المثالية والتي للأسف أعترف بالتقصير في ضيق إجابتي بشأنها، فيمكننا القول إن، في البيئات السياسية الفعالة، هناك أكثر من مستوى وتموضع لما يسمى «السياسي»؛ فهناك السياسي الذي يمثل جماهيره لدى الدولة ويفاوضها ويضغط عليها وينتزع منها مكاسب باسم الشعب، وعلى العكس، هناك السياسي الذي يمثل الدولة وأجهزتها ومنطقهم لدى الجماهير ويخاطبها ويتفاعل معها كالبيروقراط السابقين من عسكريين ومدنيين، وهناك السياسي الذي يعمل كوسيط بين كتلته الجماهيرية وبين القوى المهيمنة اجتماعيًا وصاحبة السلطة والكلمة النهائية، وهناك السياسي المنتج للأفكار والتصورات التي، من خلال الكيان السياسي المنظم، يستطيع تقديمها وفرضها على باقي أنواع السياسيين الذين ذكرتهم. في مصر، مَن يُطلَق عليهم «سياسيين» لا يعرفون من يمثلون تحديدًا أو بشكل شبه متبلور، وبالتالي فهم يحيلون التمثيل للأيديولوجيا، وعليه يصبحون بالتعريف مثقفين وفقط.

الإجابة عن سؤال كيف يستتبع معه الإجابة عن سؤال المشروع السياسي للسياسيين الذي يجب أن يحتوي على تصورات وطنية للاجتماع المشترك ولإدارة التعايش والمصالح المتنافرة أحيانًا. وهذه التصورات يجب أن تكون قابلة للتحقق أو تمتلك أدوات تحققها حتى ولو كانت قاسية، ويجب أن تشتبك مع الأسئلة التي تحمل قدرًا من الإلحاح على إيجاد إجابة لها.