منذ إجازة ميزانية عام 2018م في ديسمبر/ كانون الأول الماضي وهناك اضطراب حاد في سعر صرف الجنيه السوداني أمام الدولار. تضمنت الميزانية رفعًا لقيمة الدولار الجمركي من ستة جنيهات إلى 18 جنيهًا، ورفعًا للدعم عن القمح برفع سعر الرغيف، بجعل الواحد يساوي جنيهًا كاملًا، وإلغاء سياسة الحافز التي كان يقدمها البنك المركزي للمغتربين، لتحويل مدخراتهم من العملة الصعبة إلى داخل البلاد، واستبدال ذلك بخفض قيمة الجنيه أمام الدولار من 6 جنيهات إلى 18 جنيهًا، ثم الزيادة الأخيرة بخفض سعر الجنيه إلى 30 جنيهًا أمام الدولار الواحد.

الجنيه السوداني في مقابل الدولار

التضخم يلتهم الدولة

هذه الإجراءات تسببت في ارتفاع معدل التضخم بشكل مرعب. فرغم أن التقارير الرسمية تتحدث عن نسبة تضخم تبلغ بضعًا و20%، كشف بروفيسور «ستيف هنك» أستاذ الاقتصاد التطبيقي في جامعة «جون هوبنكز» أن التضخم في السودان بلغ 128%، وأن السودان أصبح في المرتبة الثانية على مستوى العالم في التضخم خلف فنزويلا الأولى، بعد أن أزاح جمهورية جنوب السودان.

وعلق الناشط «عبد الهادي بورتسودان» المهتم بالشؤون الاقتصادية على هذه التغريدة، قائلًا:

إن كلام البروفيسور «الخواجة» صحيح والحكومة تكذب والأجهزة الأمنية كما تتدخل في توجيه الصحف فإنها تتدخل كذلك في توجيه البيانات الاقتصادية.

و قد كان ملفتًا حديث أحد المواطنين في التلفزيون الرسمي مع والي الخرطوم قبل أيام، عرّف نفسه بأنه منتمٍ للحركة إسلامية منتقدًا الغلاء وفساد الحكومة، وهو أمر ليس معهودًا أبدًا في تلفزيون الدولة الرسمي الذي لا يعرف عنه سوى أنه جهاز إعلامي أحادي التوجه!.


الحكومة تتحدث عن مؤامرة خارجية

في حفل في مقر قوات الدفاع الشعبي، وهي قوات غير نظامية كان لها الدور الأكبر في القتال في جنوب السودان خرج الرئيس السوداني «عمر البشير» متوعدًا من وصفهم بالفاسدين والمتآمرين بفرض هيبة الدولة، ومحذرًا من مؤامرة جديدة على البلاد تقوم بها أطراف خارجية صارت تستخدم ورقة الاقتصاد لضرب البلاد بعد أن فشلت ورقة الحرب والمحكمة الجنائية.

من جانبه أعلن النائب العام السوداني في تصريح خاص لوكالة «سونا» الرسمية عن ضبط متهمين قادمين من مصر يحملون معهم عملات سودانية مزيفة من فئة الخمسين جنيهًا، ويبلغ ما يحملونه 315 ألف جنيه سوداني مزيف قدموا بها عبر معبر «أرقين» الذي يربط بين مصر والسودان، وأن النيابة العامة أحالت المتهمين إلى نيابة أمن الدولة للتحري والتحقق تمهيدًا لمحاكمتهم على أساس المواد 51 و 57 و 117 لعام 1991م من القانون الجنائي والمواد 198 و 199 من قانون الجمارك.

من جانبها حمّلت مختلف أحزاب المعارضة الحكومة الحالية مسؤولية الوضع الكارثي للاقتصاد وتوعدت الحكومة باستغلال حالة التململ الشعبي الكبير لدى السودانيين من الغلاء عبر سلسلة من المظاهرات قامت بتسميتها «مسيرات الخلاص».

بدأتها من مظاهرة الحزب الشيوعي في السادس عشر من يناير/ كانون الثاني الماضي، ثم التجمع في ميدان الأهلية بعدها بيومين، ثم مظاهرة بحري في 31 يناير/ كانون الثاني الماضي، ومؤخرًا الدعوة إلى التظاهر في منطقة الجريف شرقي الخرطوم.

لم يُسقط في هذه المظاهرات أي قتلى رغم أن النظام استخدم القوة المفرطة في فضها، ونتج عن ذلك سلسلة من الاعتقالات لأبرز قادة المعارضة على رأسهم أمين عام حزب الأمة «سارة نقد الله»، وسكرتير الحزب الشيوعي «محمد مختار الخطيب»، ورئيس حزب المؤتمر السوداني الدكتور «عمر الدقير».


السفارة الأمريكية في الخرطوم تدخل على خط أزمة الدولار

في خطوة مفاجئة أعلنت السفارة الأمريكية في السودان أنها تعتبر الدولار الواحد يساوي أربعين جنيهًا منذ يوم الأربعاء السابع من فبراير/ شباط الجاري في معاملاتها الرسمية بشأن «الفيزا»، وقد لقي هذا الإعلان استهجانًا كبيرًا في التعليقات.

كان أبرز تلك التعليقات ما كتبه المسؤول السابق في رئاسة الجمهورية السيد «أبي عز الدين» بأن ما فعلته السفارة الأمريكية هو سلوك غير مقبول. هل تتعامل السفارة الأمريكية بالسوق الأسود، مع العلم أن سعر الصرف انخفض في السوق الموازي إلى 36 جنيهًا للدولار؟

المواطنون يشعرون بالقلق الشديد من استمرار الأزمة وتحت تأثير الذعر الشديد الذي كانت تبثه وسائل التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية عن منع المودعين من سحب أموالهم من الحسابات الشخصية في البنوك، اتجهت أعداد كبيرة من المواطنين إلى البنوك في محاولة لسحب مدخراتها المالية. ورغم أن بنك السودان المركزي نفى هذه الأنباء، إلا أن الكثيرين صدقوها.

ويتداول نشطاء أنباء عن أن بنك السودان قلص السيولة النقدية من البنوك من أجل رفع قيمة الجنيه أمام الدولار عبر آلية العرض والطلب بتقليص حجم المعروض لرفع الثمن، وقد أثبتت هذه السياسة إن صحت نجاعتها، حيث استقر الدولار جزئيًا في الثلاثينيات بعد أن حلق من 25 إلى 45 في أقل من أسبوعين آنفًا.

لكن هل سيستطيع البنك المركزي الاستمرار في هذه السياسة التي تشل الميزانية تمامًا وتجعل الدولة عاجزة عن جني ضرائبها من المواطنين؟

لقد تسببت هذه السياسة خلال أسبوع في إحداث حالة من الارتباك وسط غالبية المواطنين الذين باتوا عاجزين عن سحب مدخراتهم إلا بمقدار بسيط يمنعهم من أداء عمليات شراء كبيرة مثل شراء سيارة أو منزل، وبات الجميع في حالة تقشف إجباري. ولم ينتهِ الأسبوع حتى أعلن البنك عن سياسة اقتصادية جديدة تتضمن منع الاستيراد بأي عملات حرة إلا عبر البنك المركزي ولسلع معينة هي ما توصف بالسلع الإستراتيجية؛ مثل القمح، والمحروقات والأدوية.

مع التلويح بسحب العملة من فئة خمسين جنيهًا أو الاتجاه لإلغاء الجنيه والعودة إلى الدينار، وهي عملة نظام الرئيس البشير التي تم تغييرها بضغط من «جون قرنق» أثناء مفاوضات السلام باعتبار الدينار يرمز للإسلام، وليس عملة محايدة بين المواطنين، بينما الجنيه يعتبر عملة علمانية.