في السادس من أبريل/نيسان 2019، حيث ذكرى مرور ربع قرن على إحدى عمليات الإبادة الجماعية الأكثر وحشية في التاريخ الحديث، تنزل الطائرة في مطار كيجالي الدولي ليستقبلك العلم الرواندي الذي تغير؛ لمحو آثار الإبادة الجماعية… تتأمل ألوانه: الأزرق يمثل السعادة والسلام، والأصفر يرمز للتطوير الاقتصادي، والأخضر يرمز للازدهار، والشمس ترمز للثقافة.

علم رواندا (تم اعتماده في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2001).

وها هو «بول كاجامي» يقف مستظلًا بالعلم ليضع إكليلاً من الزهور عند نصب «جيسزوي» الذي دُشّن لضحايا الإبادة الجماعية، وبعدها ينتقل الزعيم الرواندي إلى مركز المؤتمرات بكيجالي، رمز الحداثة بالبلاد، ويقف بقوة وثبات ليشيد بقوة شعبه الذي خرج من الهاوية ليصبح «عائلة متحدة أكثر من أي وقت مضى»، ويؤكد الرئيس –الذي يقبع في الحكم منذ عام 2000- أن بلاده «عادت عائلة، وهذه القصة لن تتكرر».


100 يوم من الدماء

في السادس من أبريل/نيسان 1994، وحيث اقترب حلول الربيع، شهدت البلاد ليلة مظلمة، وربما لم يكن يدرك الروانديون أن الربيع لن يأتي هذا العام، وأن خريفًا سيبتلع بلادهم.

يستقبل برج المراقبة بالمطار بيانات الطائرة الرئاسية، والتي تحمل على متنها زعيم الهوتو (الرئيس الرواندي) عائدًا من مفاوضات مع الجبهة المتمردة من التوتسي، وفجأة يستهدف الطائرة صاروخ مجهول الهوية ليُسقطها، ثم يزداد الاشتعال في اليوم التالي بمقتل رئيسة الوزراء، لتكون الأحداث ذريعة للهوتو لشن حملة إبادة لأقلية التوتسي، وتتم تعبئة الجنود والميليشيات والمدنيين؛ لارتكاب مجازر وعمليات اغتصاب وسلب ونهب، ليأتي ربيع رواندا بين أشلاء وبحور دماء ورماد جثث.

يا له من ربيع! فلا زهر ولا نسيم، بل آلاف الأشخاص يلقون حتفهم يوميًا، لتفقد البلاد أكثر من 10% من سكانها، في عملية إبادة جماعية استمرت لمائة يوم، حصد فيها ملك الموت أرواح حوالي مليون شخص.


حكاية الصعود

روت الدماء الأرض، فلم تنتج إلا اقتصادًا متهالكًا وشعبًا يائسًا، ومن أجل زرع النهضة وضعت الحكومة خطة لتطوير الزراعة، وأنشأت شبكات للمعلومات الزراعية ونقل وتصدير المحاصيل، ووفرت الأسمدة والمعدات الزراعية بأسعار رخيصة، فضلًا عن قروض ميسرة للمزارعين، لتظهر نتيجة ذلك خلال 5 أعوام فقط تضاعف فيها الإنتاج الزراعي.

ولأن الاقتصاد يتعافى بالاستثمار، فقد عملت الحكومة على خلق بيئة جاذبة للاستثمارات الخارجية، وذلك بقانون جديد للاستثمار، وإجراءات ميسرة للمستثمرين،لتصبح رواندا تاسعة الدول العشر الأكثر استقطابًا للمستثمرين في أفريقيا، وفقًا لتقرير بنك أفريقيا الجنوبية عام 2015.

وسياحيًا، صارت كيجالي أكثر العواصم الأفريقية استقبالًا للسياح؛ بسبب إلغاء التأشيرة لجميع الأجانب، فضلًا عن تسهيلات وسلاسة الإجراءات بالمطار، وتخفيض مقابل تأشيرة الدخول إلى حوالي 30 دولارًا، والسماح بالحصول على التأشيرة في المطار، لتُدِرّ السياحة إيرادات تخطّت 400 مليون دولار عام 2016، بمساهمة بنحو 43% من الدخل الإجمالي للبلاد.

كل تلك الإجراءات والإصلاحات وغيرها جعلت رواندا الأسرع نموًا في أفريقيا، وإحدى أهم وجهات المستثمرين والسياح بالعالم، لتصير «نموذجًا لتنمية القطاع الخاص في أفريقيا»، كما وصفتها صحيفة فورتشن عام 2007، في مقال بعنوان: «لماذا يحب المديرون التنفيذيون رواندا؟» حيث امتدحت جهود رئيسها الذي استقطب استثمارات، وعقد اتفاقيات مع أسماء عالمية كبرى، مثل Google وStarbucks.

وفي عام 2008 كانت النساء تقود الاقتصاد، ويشغلن ثلث مقاعد الحكومة، فضلًا عن رئاسة البرلمان والمحكمة العليا والمفوضية العامة للشرطة، ودخلت رواندا التاريخ حين أصبح البرلمان الرواندي هو الأول في العالم الذي تحصل فيه النساء على الأغلبية، بنسبة 56%، بحسب تقرير للواشنطن بوست.

وعام 2009 أشارت سي إن إن إلى أن رواندا هي «أكبر قصة نجاح في أفريقيا»؛ فقد تعافت من الإبادة وحققت استقرارًا ونموًا اقتصاديًا أدى إلى تضاعف متوسط الدخل ثلاث مرات في عشر سنوات، فضلًا عن مستويات تعليمية آخذة في الارتفاع، ونظام رعاية صحية تعتبره «مؤسسة جيتس» نموذجًا يُحتذى، وقد نجحت رواندا في ذلك لأسباب «الكثير منها يتعلق برئيسها كاجامي»، بحسب سي إن إن.


«سنغافورة الأفريقية»

نتيجة لجهود كاجامي أصبحت رواندا عضوًا في «الكومنولث» عام 2009. وقد أبرزت الإيكونوميست عام 2012 الجهود الإصلاحية للرئيس الرواندي؛ لجعل دولته «صديقة للأعمال»، واصفةً إياه بأنه قبطان طموح شغوف بالحركة والنشاط، لا يتوقف عن العمل، يقرأ الدراسات الاقتصادية حتى في سريره؛ لأنه يريد تحويل رواندا إلى «سنغافورة أفريقيا».

وحول «الحلم السنغافوري»أشارت فورين بوليسي عام 2015 إلى أن كاجامي يرى نفسه وريث لي كوان يو «الأسطورة السنغافورية»، وذلك حين علّق على وفاته قائلًا: «هو مصدر إلهام؛ فهو رجل عظيم وضع مبادئ عظيمة وحقق أشياء عظيمة مع بلد صغير، وقام بتغيير حياة سنغافورة وشعبها، وهذا هو ما نفعله في رواندا».

ورصدت الصحيفة سير كاجامي على خُطى «لي»؛ فهو يشير إلى بلاده باعتبارها «سنغافورة أفريقيا»، ويزرع الخبرة السنغافورية في التخطيط الحضري في كل مرافق رواندا، كما دفع بلده إلى عضوية الكومنولث مثل سنغافورة، وتبع خطوات «لي» في الاهتمام بتطوير التجارة والخدمات والتكنولوجيا، وتحقيق نمو مطرد، بلغ متوسطه حوالي 8%.

وذكرت الصحيفة أوجه التشابه بين البلدين، فكلاهما دولة صغيرة نسبيًا، بدأت من موارد اقتصادية متدنية، واعتمدت على موارد طبيعية محدودة؛ فاعتمدت سنغافورة على التجارة بسبب موقعها، واعتمدت رواندا على السياحة بسبب طبيعتها، كذلك تشابهت المشكلات التي واجهت البلدين؛ فقد تعيّن على دول آسيا وأفريقيا التغلب على الانقسامات الدينية والسياسية، والصراعات العرقية، والفساد وسوء الإدارة.

ثم سردت الاختلاف الشاسع بين البلدين؛ فسنغافورة جزيرة تقع في أحد أكثر الممرات البحرية ازدحامًا في العالم، بينما رواندا دولة جبلية غير ساحلية، كما لم تعِش سنغافورة مأساة إبادة جماعية مثل رواندا، ولم تدخل في صراع مع جاراتها، في حين اتهمت رواندا جارتها الكونجو بإيواء متواطئين في الإبادة.

وحول نتائج «الحلم السنغافوري» فإن تصفحًا بسيطًا لموقع visitrwanda يجعلك تعرف لماذا يعد كاجامي زعيمًا تنمويًا، ولماذا تعد بلاده «سنغافورة أفريقيا».

سياحيًا

رواندا «دولة التلال الألف» ذات الطبيعة الغنية،تضم 3 من أشهر المنتزهات الوطنية في العالم، وأهم منتزهات أفريقيا، وهي موطن الغوريلا الجبلية النادرة، وتقع في منطقة البحيرات العظمى بشرق أفريقيا، وتتميز بتنوع بيولوجي استثنائي من حياة برية وسط البراكين والغابات المطيرة الجبلية والسهول الشاسعة، والعديد من الأنواع المتوطنة الفريدة، مثل الشمبانزي والقرود الذهبية والطيور الزاهية الألوان.

تقنيًا

تسعى رواندا للريادة في المجالات التقنية من خلال الاستثمار في البنية التحتية والتعليم التقني، وتعد رواندا حاضنة تقنية مثالية، جذبت العملاقة الألمانية «فولكس واجن»، فضلًا عن تقديم أول خدمة طائرات بدون طيار لنقل الدم إلى العيادات الطبية عبر الجبال بالتعاون مع شركة Zipline، إلى جانب إطلاق قمر صناعي لربط مدارسها ومناطقها الحضارية بالإنترنت المجاني في مارس/آذار 2019.

تعليميًا

تختلط في العاصمة كيجالي الجامعات العالمية ومراكز البحوث بشركات التكنولوجيا، ضمن مدينة للابتكار تربط بين صناعة التكنولوجيا المتقدمة والبحث والتعليم، وهي المدينة التي أعلنت رواندا عام 2015 أنها ستنفق 20% من ميزانيتها الإجمالية عليه، ليصير مثالًا يحتذى في كل أفريقيا؛ نظرًا للتعاون الرواندي الياباني المشترك في قطاعات تكنولوجيا المعلومات والإلكترونيات والاتصالات والطاقة المتجددة.

وتمكن التعليم الرواندي من تجهيز عمالة مدربة للمناطق الاقتصادية الخاصة، وذلك بعد تأسيس مناطق مخصصة للتنمية الصناعية ومجهّزة ببنية تحتية عالية الجودة، ولوائح مالية وغير مالية تنافسية، وإجراءات إدارية مبسطة. مما جعل رواندا ثاني أسرع اقتصاد نموًا في أفريقيا، فضلًا عن اتفاقيات للتجارة الحرة مع أكثر من 50 دولة.


النمو الاقتصادي

يؤكد البنك الدولي أن رواندا تمكنت خلال عشر سنوات حتى عام 2017 من خفض معدلات الفقر من 44% عام 2011 إلى 38.1% عام 2017، وبلغ متوسط النمو 7.5%، ونما نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 4.7% سنويًا.

وتطمح رواندا لتصبح دولة ذات دخل متوسط عام 2035، ثم دخل مرتفع بحلول عام 2050، من خلال رؤية تقوم على العديد من الإستراتيجيات القطاعية المفصلة التي كانت المحرك الرئيسي للنمو في العقد الأخير.

وبعد أن احتلت المرتبة 41 عام 2018، ارتقت رواندا إلى المرتبة 29 عالميًا في تقرير البنك الدولي لممارسة أنشطة الأعمال لعام 2019، والذي أشار إلى الإصلاحات التي أدت إلى خفض البيروقراطية، وتشجيع الاستثمار، وتسهيل الإجراءات الجمركية، وزيادة القروض العقارية والتمويلية، وزيادة الالتزام الضريبي والإيرادات الضريبية.

وتؤكد تقارير صحفية أن السر وراء التحول الفلكي لرواندا يكمن في قيادة جيدة تبنت نظامًا تنمويًا متميزًا، فضلًا عن اتخاذ قرارات جريئة لا تملك العديد من الدول الأفريقية الشجاعة لاتخاذها، ومنها حظر استيراد وإنتاج المواد البلاستيكية، لتصبح كيجالي إحدى أنظف المدن في أفريقيا، كذلك حظر استيراد الملابس المستعملة من البلدان المتقدمة مثل الولايات المتحدة، وهو قرار لا تتمكن الدول من اتخاذه بسبب الفوائد المتحققة بموجب اتفاقيات التجارة مع الولايات المتحدة.

كما أن الحكومة أبرمت عقد رعاية مع نادي أرسنال بقيمة 30 مليون جنيه إسترليني عام 2018؛ لتحمل قمصان «الجانرز» عبارة «زوروا رواندا»؛ وذلك لزيادة عائدات السياحة التي تعد الوقود المحرك لقاطرة التنمية.


من رحم الموت يولد السلام

في قلب العاصمة كيجالي يمكنك زيارة متحف الإبادة الجماعية، بجوار نصب جيسزوي التذكاري لضحايا الإبادة، هناك تصطحبك «ألين أوواسي» التي تعمل كمرشدة بالمتحف، وقد تندهش حينما تعلم أنها فقدت 60 شخصًا من عائلتها خلال الإبادة، حين كان عمرها لا يتعدى العامين.

تحكي لك ألين ما حدث وهي تؤكد أن تخليد ذكرى ضحايا المذابح يُوجِب إيجاد طريقة للتعايش «ليس لأننا مجبرون على ذلك، ولكن لأننا أردنا السلام، وليس لأن من قُتلوا يستحقون الغفران، ولكن لأنني أستحق أن أعيش في سلام».

وما بين الهوتو والتوتسي وجماعات التوا وغيرها، وما بين المسيحيين والمسلمين تعيش البلاد تنوعًا ثقافيًا، ويسعى أهلها ليكون التعايش هو بديل الصراع، ويكون التنوع نعمة بعد أن كان نقمة، ذلك التنوع الذي جعل البرلمان يُقرّ ضم اللغة السواحلية للغات الرسمية، لتضم رواندا 4 لغات رسمية، هي: كينيارواندا (اللغة الرئيسية)، واللغتين الإنجليزية، والفرنسية والتي لا يُفضّل الروانديون التحدث بها بسبب تواطؤ فرنسا في الإبادة الجماعية، ورغم أن المتحدثين بالسواحلية أقل من 5%، إلا أن القرار جاء لتسهيل التعامل مع جاراتها كينيا وأوغندا وتنزانيا.

إلى هنا تنتهي رحلتنا في «سنغافورة الأفريقية» التي ربما تكون في المستقبل مثالًا تنمويًا يُحتذى، ليصف التنمويون في المستقبل إحدى الدول بأنها «رواندا الأوروبية»، ربما أقرب مما نتصور.