تحفظت لجنة «حصر وإدارة أموال جماعة الإخوان المسلمين»، الجمعة قبل الماضية، على 150 شركة ومحلًا تجاريًا، بدعوى تبعيتها لرجال أعمال منتمين إلى جماعة الإخوان، ثبت تورطهم في تمويل عمليات إرهابية ضد قوات الشرطة والجيش في مصر.

قرار التحفظ المذكور ليس الأول من نوعه، بل هو امتداد لسلسلة طويلة من القرارات المشابهة، والتي تتخذها اللجنة بشكل شبه دوري منذ تأسيسها في أيلول/ سبتمبر 2013، ففي شهر آب/ أغسطس الماضي فقط،تحفظت اللجنة على 19 شركة، و تحفظت أيضًا على أموال 16 شخصًا بدعوى انتمائهم إلى الإخوان.


إحصائيات غائبة

لا توجد إحصائية واضحة لعدد الأفراد والكيانات التي تم التحفظ على أموالها، فآخر تصريح للجنة حصر وإدارة أموال الإخوان بخصوص هذا الشأن، كان في كانون الثاني/ يناير 2016، إذ قال رئيس اللجنة حينها، المستشار «عزت خميس»، إن عدد الأفراد المتحفظ على أموالهم بلغ 1370 فردًا، وعدد الجمعيات المتحفظ عليها 1225 جمعية.

كما تم التحفظ على 460 سيارة، و105 مدارس، و62 شركة، و19 شركة صرافة، و43 مستشفى إضافة إلى الجمعية الطبية ولها 27 فرعًا، وجميعة رابعة العدوية ولها فرعان.

يعتقد أن الأموال والممتلكات التي تم التحفظ عليها منذ تاريخ هذه التصريحات قد تضاعفت، إذ صدرت قرارات تحفظ عديدة خلال عامي 2016 و2017. وبحسب ما نشرته وسائل إعلامية في حزيران/يونيو الماضي، فإن قائمة الشخصيات المتحفظ على أموالها، بدعوى انتمائهم إلى الإخوان، وصلت إلى 1956 شخصا، وارتفع عدد الشركات المتحفظ عليها إلى 558 شركة متنوعة النشاط، كما وصل عدد شركات الصرافة التي تولت اللجنة مسؤولية إدارتها إلى 70 شركة، أما المستشفيات المتحفظ عليها فوصل عددها إلى 92 مستشفى.

لا توجد إحصاءات واضحة عن حجم الأموال وقيمة الممتلكات التي تم التحفظ عليها، لكن مصادر قضائية قالت لصحيفة «الوطن»، في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، إن «القيمة التجارية للكيانات الإخوانية المتحفظ عليها من قبَل لجنة التحفظ وإدارة أموال جماعة الإخوان، تتجاوز الـ50 مليار جنيه». وحسبما نشرت صحف مقربة من الحكومة، فإن رؤوس أموال الـ 150 شركة التي تم التحفظ عليها مؤخرًا، تتجاوز 2.5 مليار جنيه مصري.


من أبو تريكة إلى كشري الإمبراطور

كانت هذه إجابة الرئيس السابق للجنة حصر وإدارة أموال الإخوان، المستشار «عزت خميس»، عندما سُئِل عن سبب إدراج رجل الأعمال «صفوان ثابت» على قائمة الشخصيات المتحفظ على أموالها.

وانطلاقًا من هذه القاعدة، تحفظت اللجنة على أموال وممتلكات مئات الأشخاص، دون تقديم تفسير للأمر سوى أن التحريات الأمنية قالت إن هؤلاء الأشخاص ضالعون في تمويل أنشطة إرهابية، دون إفصاح عن ماهية هذه الأنشطة.

في إطار الحرب التي يشنها النظام على جماعة الإخوان المسلمين، يمكن تفهم سبب قيام اللجنة بالتحفظ على أموال قيادات الجماعة، خاصة الأثرياء منهم، لكن المثير للتساؤل هو أن عمليات التحفظ لم تتوقف عند قيادات الجماعة فقط، بل امتدت لتشمل أعضاء عاديين بالجماعة، ومتعاطفين معها، ووصل الأمر إلى حد إدراج مناهضين لها -قولًا وفعلًا- على قوائم التحفظ، وهو ما دفع البعض إلى الاعتقاد بأن اللجنة تُستغل في تصفية الحسابات بين بعض الأطراف في النظام ورجال الأعمال.

بدأ ما تفعله اللجنة يجذب الانتباه، عندما أدرجت اسم لاعب كرة القدم السابق، «محمد أبو تريكة»، على قوائم المُتحفظ على أموالهم، وهو ما أثار غضب وسخط محبي اللاعب، خاصة وأن اللجنة لم تقدم أي دليل يدعم روايتها عن تورط «أبو تريكة» في تمويل أنشطة إرهابية.

انضم إلى القائمة أيضًا، رجل الأعمال المعروف بعدائه للإخوان وتأييده للنظام الحالي، «صفوان ثابت»، وتلاه «مصطفى صقر»، صاحب شركة «بيزنس نيوز» المالكة لجريدة «ديلي نيوز» التي كتب فيها الرئيس عبد الفتاح السيسي مقالًا لتشجيع المستثمرين الأجانب على العمل في مصر. كما تم التحفظ على أموال «عمر الشنيطي»، صاحب «مجموعة مالتبيلز للاستثمار» التي تعمل في مجال إدارة الأصول والاستشارات المالية وأغلب عملائها من رجال أعمال دول الخليج.

تنوعت أنشطة الشركات التي تم التحفظ عليها، من شركات الأدوية والأغذية والاستيراد الكبرى، حتى «صيدلية قشطة» و«محل حلويات القدس» و«مطعم كشرى الإمبراطور».


تأثير سلبي على الاقتصاد

اللجنة لا تُسأل عن أسباب التحفظ على أموال أي شخص لأنها سرية

إذا كنت مستثمرا أجنبيا، وأردت الاستثمار في دولة ما، فما أول خطوة ستتخذها؟ من المنطقي أن تكون الخطوة الأولى هي جمع معلومات عن الدولة التي سأضع فيها أموالي؛ المجالات المتاحة للاستثمار، حجم الأرباح والضرائب، مدى سهولة إجراءات البيروقراطية، مدى الاستقرار السياسي، وبالطبع مدى التزام الدولة بالقانون في تعاملاتها.

فإذا علمت أن الدولة التي تريد الاستثمار فيها تتحفظ على أموال مئات الأفراد والشركات دون سبب واضح، بناءً على معلومات «سرية» ترفض الإفصاح عنها، فهل ستقدم على الاستثمار فيها؟ بالطبع لا.

من هذا المنطلق، تقول الباحثة الاقتصادية «أسماء الخولي»، في مقال لها عن أثر مصادرة الأموال على التدفقات الاستثمارية في مصر، إن قرارات التحفظ على أموال الشركات تؤثر بشكل سلبي على الاستثمار، خاصة الاستثمار الأجنبي المباشر، ذلك لأن رأس المال بطبيعة الحال يُعرف بأنه «جبان»، أي أنه يخشى أي عوائق أمنية أو سياسية أو قانونية في الدولة التي يتوجه لبدء استثماره بها، لذلك مثل تلك القرارات من شأنها أن تُولد لدى المستثمرين تخوفا من المجيء للاستثمار في مصر والتفكير جيدًا قبل اتخاذ هذا القرار.

وتضيف الخولي أن تلك القرارات تعتبر رسالة سلبية للدول الخارجية بأن مصر تؤمم الأموال وتطرد المستثمرين، وفي حقيقة الأمر تلك الإجراءات التعسفية ضد الشركات وقرارات التحفظ على الأموال ليست وليدة اللحظة، بل بدأت نهاية 2013 واستمرت على مراحل خلال الأعوام السابقة، ومنذ بداية اتخاذ هذه القرارات؛ بدأ الاستثمار الأجنبي المباشر يحجم عن ضخ أموال جديدة للسوق المصرية، وهذا واضح جدًا عكس ما تدلي به وزيرة الاستثمار من تصريحات بأن الاستثمارات الأجنبية في ارتفاع مُستمر.

وتفند الباحثة كلام وزيرة الاستثمار قائلة: «بالنظر إلى الأرقام التي تعلنها وزيرة الاستثمار نجد أن 75% من تلك الاستثمارات في قطاع البترول والغاز الذي لا يتأثر بظروف البلد السياسية والاقتصادية، والـ 25% المتبقية عبارة عن استثمارات لا تفيد المواطنين مثل استحواذ الأجانب على شركات موجودة بالفعل أو شراء العقارات والأراضي أو زيادة رؤوس أموال شركات معينة، وكلها استثمارات لا تخلق فرص عمل للمواطنين يستفيدون منها، فأي استثمار أجنبي تتحدث الوزيرة عن زيادته الفترة المُقبلة؟ بل من الملاحظ، خلال الفترة الماضية، تراجع وتيرة استثمارات الدول العربية المتدفقة إلى مصر، حيث انخفضت مساهمة الإمارات إلى 5% في الربع الأول من 2017، مقابل 17% في الفترة المقابلة من العام 2016».