لا أريد لأعمالي أن تخلّدني، أريد فقط ألّا أموت!.

وودي آلان.

لم يكن جلجامش الوحيد الذي بحث عن سرّ الخلود، كثيرٌ من الأساطير دارت حول ينبوع الشباب وإكسير الحياة. حتى اليوم، كثيرٌ من المشاهير وأصحاب الأموال والشركات الكبيرة يستثمرون في أبحاثٍ واختباراتٍ لبحث حقيقة هذه الأمور، من Calico التابعة للشركة الأم لغوغل Alphabet، إلى جائزة Breakthrough التي يمولها كلّ من بريسيلا تشان وزوجها مارك زوكربرغ، التي تمنح جوائز للعلماء الذين يقومون باكتشاف وسائل تمديد العمر وتأخير الشيخوخة.

جلجامش

والآن، وبعد التطور العلميّ الحاصل في جميع مجالات العلوم، وتحسّن المستويات المعيشيّة في جميع أنحاء العالم، أصبح السؤال الآن حقيقةً وليس خيالًا، حيث ارتفع معدل العمر المتوّقع في آسيا خصوصًا من 45 عامًا في 1950 إلى 75 عامًا، حسب المعهد الوطني لدراسة الشيخوخة.

سنتحدث اليوم عن دراستين ظهرت نتائجهما في 2013 و2015، ونبدأ بدراسة 2013 التي أُجريت على الفئران، ومن ثمّ نتوجه للدراسة الأخرى التي أجريت على الفطر.


الفئران والحريرات

فئران

بكبح نشاطٍ نوعٍ واحد من الجينات، وبالتالي تقليل تعبيرها والبروتين الناتج عنها، تزداد حياة الفأر بنسبة 20%، أي ما يقابل 15 سنةً عند البشر. أظهرت دراسةٌ قام بها الباحثون في معاهد الصحة الوطنيّة الأمريكية، أنّ كلًّا من الذاكرة، والإدراك المعرفي وعدّة خصائص عقلية أخرى مهمة، كانت أفضل عند الفئران التي أُجريت عليها التجربة مقارنةً بمجموعة الفئران التي بقي الهرمون المؤثر فيها نشطًا.

بتحديد نشاط هذا الجين إلى الربع مقارنةً بالنشاط الطبيعي لبروتين mTOR، استطاع العلماء جعل الفئران تعيش لمدةٍ أطول بشكلٍ ملحوظ، حسب تورين فينكل Toren Finkel، من مختبرات البيولوجيا الجزيئية في معهد القلب والرئة والدم في معاهد الصحة الوطنية الأمريكية (NIH).

رغم أنّ ما يحصل للفئران يختلف عمّا قد يحصل مع البشر، إلا أنّ د.فينكل وشركاءه يؤكدون إمكانية استهداف الجينات باستخدام الأدوية التي تقوم بكبح عملها، والتي قد تؤدي بدورها إلى إطالة الأعمار في الأشخاص المستهدفين. هذا الدواء المستخدم في الدراسة، كابح مناعة يُسمى رابامايسين، وغيره من الأدوية الأخرى موجودةٌ فعلًا في الأسواق، لكنها تستخدم لمعاجلة أمراضٍ محددة. حذّر الباحثون من أنّ استخدام هذه الأدوية قد يؤدي لآثار جانبية خطرة.

يقول بريان كينيدي Brian Kennedy، رئيس معهد باك لأبحاث الشيخوخة في نوفاتو: « على العلماء التوجه للعلن وإعلان أنّ بإمكاننا إبطاء عملية الشيخوخة، وبالتالي فإننا قد نستطيع التخلص من كثيرٍ من الأمراض المرتبطة بالشيخوخة، كالأمراض القلبية الوعائية ومرض باركنسون».


الآثار السلبيّة لكبح نشاط mTOR

فئران

الكثير من الصعوبات تقف في وجوهنا لمعرفة تأثير mTOR على البشر، هل تمتلك نفس تأثيرها على الفئران؟، وهل يساهم كبحها في زيادة العمر المتوقع بدون الآثار الجانبية السيئة؟.

عانت الفئران التي شاركت في التجربة من عظام أكثر طراوةً، وطوّرت العديد من الحميّات؛ بسب جهازها المناعي المُحبط، لكنّ كانت أقلّ عرضةً للإصابة بالسرطان.


إذن، ما هي mTOR وما آلية عملها؟

يدل الاختصار mTOR على “آلية استهداف الرابامايسين” الدواء المستخدم في معالجة السرطانات وأمراض القلب، والذي يُستخدم ليكبح مناعة الجسم عند القيام بعمليات نقل الأعضاء.

حدد الباحثون دورًا مهمًا لجين mTOR في عملية الأيض واستهلاك الطاقة من قبل الخلايا، ويعتقدون أن دورها مرتبطٌ بمفهوم تحديد الحريرات. عرفنا منذ قرنٍ تقريبًا، أنّ الحيوانات التي تستهلك كميةً أقلّ من الطعام تعيش فترةً أطول.

عند وجود عدد كبير من الحريرات في داخل الخلايا، يتفعّل نشاط mTOR لتنتج بروتينًا معطيًا الأمر للخلية بالنمو والانقسام، وبالتالي عند وجود عدد أقل من الحريرات تقل عملية النمو والانقسام لتبقى الخلية في وضعٍ مناسبٍ وأكثر ممانعة للضغط من الخلايا الوليدة، مما يساعد في النهاية لزيادة فترة الحياة.

من المبكر فعلًا التفكير باستخدام رابامايسين بهذه الطريقة ولهذا الهدف، لزيادة العمر المتوقع، لكنّ النتائج تدلّ بشكلٍ صريح على أهمية الآلية التي يعمل بها.

في الدراسة، وجد د.فينكل أنّ معدل الحياة في الفئران ناقصة mTOR قد زاد ليصبح 28 شهرًا عند ذكور الفئران و31.5 عند إناثها، مقارنةً بالعمر الطبيعي 22.9 عند الذكور و26.5 عند الإناث.

إذن تلك كانت دراسة 2013 على جين mTOR، ننتقل الآن إلى الدراسة الثانية والتي قام بها د.كينيدي الذي كان من مؤيدي الدراسة السابقة، رغم عدم مشاركته بها.


من 20% إلى 60% لكن عند الفطر

بعد عشر سنوات من الأبحاث في معهد باك لأبحاث الشيخوخة في جامعة واشنطن، تمّ تحديد 238 جينًا يؤدي إيقافها إلى زيادة حياة خلايا الفطر، بمقدار 60%. كثيرٌ من هذه الجينات موجودةٌ في الثديّيات، متضمنةً بذلك جنسنا، الجنس البشري، فهل حذف هذه الجينات أو إيقاف تعبيرها عن ذاتها يؤدي لزيادة فترة حياتنا؟.

يقول د.بريان كينيدي، قائد فريق البحث، “تعامل هذه الدراسة الشيخوخة في سياق الجينوم الكامل، مما يعطينا فكرةً أكبر عن الشيخوخة والتقدم في العمر”.

ويكمل كينيدي: «حوالي نصف الجينات التي وُجدت في الفطر موجودةٌ فعلًا في الثدييات، وكانت نتائجنا الأفضل عندما قمنا بحذف الجينات فأطلنا حياة الفطر بنسبة 60% مقارنةً بالفطر العادي. نظريًا، أيّ من هذه العوامل يمكن استهدافها علاجيًا لإطالة الحياة الصحيّة، ما علينا فعله الآن أن نعرف أيّها أسهل للاستهداف العلاجيّ».


كيف فعلها الباحثون هذه المرة إذن؟

DNA

لمعرفة أيّ الجينات المسئولة عن الشيخوخة، درس العلماء 4,698 سلالة من الفطر، بعد حذف جينٍ واحد في كل سلالة مختلفة ثم مقارنة كم عاشت كلّ من هذه الخلايا قبل موتها وتوقفها عن الانقسام.

اكتشف العلماء أنّ حذف الجين المدعو LOS1 أدّى إلى زيادة فترة الحياة بشكل مميز، بنسبة تصل إلى 60% مقارنة بالسلالات الأخرى. ترتبط LOS1 بمفعّل جينيّ كبير، والذي عُرف من قبل بارتباطه بتحديد الحريرات عبر الصوم وبفترة الحياة الطويلة، ومن المعروف أنّ تحديد كمية الحريرات المختزنة يؤدي لفترة حياة أطول وأكثر صحيّة.

إذن حسب الدراستين السابقتين، الصوم الجزئي من أكثر العوامل تأثيرًا على مدة حياة الكائن الحيّ، بل إنّ هناك عدّة نظريات وفرضيات تدرس هذا الموضوع بشكلٍ أعمق.


الصوم وتقليل المدخول من الحريرات

في بداية العام الماضي، قام أكاديميون من جامعة كاليفورنيا بالاكتشاف التالي: وجدوا أنّ ممارسة حمية لمدة خمسة أيام، بشكل يشابه الصيام، تؤدي فعلًا لتقليل سرعة الشيخوخة وتضيف سنوات لحياة المرء، وتُحسّن الجهاز المناعي وتقلل من خطورة أمراض القلب والسرطانات.

تكمن الخطة في حصر عدد الحريرات المدخلة إلى ثلثي أو نصف الكمية الطبيعية. وفي 2014 اكتشف الفريق نفسه أنّ الصيام يعيد تشكيل الجهاز المناعي بأكمله، مانحًا الجسم دفاعًا طويل الأمد وصحةً مستديمة. عندما قام البشر بتطبيق هذا النظام، لاحظ العلماء انخفاض المؤشرات الحيوية المرتبطة بالشيخوخة، السكريّ، السرطان وأمراض القلب، وانخفاض نسبة الدهون في الجسم.

تعمل الحمية على تخفيض الهرمونات التي تزيد النمو، وتم ربط فعاليات هذه الهرمونات باحتمال تطور السرطان.

إذن قد تكون الحكمة القائلة «المعدة بيت الداء» صحيحةً بشكلٍ كبير، شكلٍ يؤثر عليك وعلى جيناتك. قلّل المدخول، لتحصل على العمر الطويل.

المراجع
  1. Genetic Manipulation Extends Life of Mice 20%
  2. Deleting genes could boost lifespan by 60 per cent, say scientists