“التعليم كالماء والهواء، حق لكل إنسان”، مقولةٌ شهيرة لطه حسين حين كان وزيرًا للمعارف في مصر، تلك المقولة التي اعتاد عددٌ كبيرٌ من الناس أن يردّدها كلما أرادوا التحدث عن أهمية التعليم وضرورته، لكن يبدو أننا سنكون في حاجة لمراجعة هذه المقولة قريبًا؛ فالماء المذكور في العبارة لم يعد شيئًا مضمونا لهذه الدرجة، وربما نجد أنفسنا غير قادرين على توفير الماء لعددٍ كبيرٍ من الناس قريبا، حيث تتزايد ندرة المياه يومًا بعد يوم، مما يهدد بتحول الماء – الذي كان دومًا مصدرًا للحياة – إلى سببٍ لفناء البشرية، إما بالاقتتال حول مصادره المتاحة، أو ببساطة بعدم وجود ما يكفي من المياه لاحتياجات البشر على كوكب الأرض.


ندرة المياه

ندرة المياه هي عدم وجود ما يكفي من الموارد المائية لتلبية مطالب استخدام المياه داخل منطقة معينة، قد تندر المياه نتيجةً لآليةٍ من اثنتين:

  • الندرة المادية (المطلقة) للمياه: حيث تكون موارد المياه الطبيعية غير كافية لتلبية الطلب على المياه في المنطقة.
  • الندرة الاقتصادية للمياه: بسبب سوء إدارة موارد المياه المتاحة.

وتعتبر الندرة الاقتصادية للمياه هي السبب الأكثر شيوعًا لندرة المياه في الدول والمناطق المختلفة؛ حيث أن معظم الدول والمناطق بها من مصادر المياه الطبيعية ما يكفي لتلبية الاحتياجات المنزلية، والصناعية، والزراعية، والبيئية؛ ولكنها تفتقر إلى الوسائل التقنية والبنية التحتية، التي تساعدها على توفير تلك المياه للمواطنين بطريقة يسهل الوصول إليها (accessible).

تبعًا لمنظمةالصحةالعالمية، فإن 1.8 مليار إنسان على الأقل يستخدمون مصدرًا ملوثًا لمياه الشرب، كذلك تستمر التفاوتات الجغرافية والاجتماعية والاقتصادية الحادة في الازدياد؛ ليس فقط بين الريف والحضر لكن داخل المدن نفسها في كثيرٍ من الأوقات، حيث تكون فرصة المواطنين، الذين يقطنون المناطق الأقلّ دخلًا، في الحصول على مصدرٍ آمنٍ لمياه الشرب أقلَّ من أقرانهم في المناطق الأعلى دخلًا، وفي المجمل يعاني حوالي 2.8 مليارًا من البشر من ندرة المياه لمدة شهرٍ واحدٍ على الأقل من كل سنة.

أصبحت العديد من شبكات المياه الطبيعية التي تحافظ على سلامة النظام البيئي، وتوفر الإمداد المائي الكافي للعدد المتزايد للسكان، منهكةً بسبب الاستهلاك المتزايد للمياه، الأنهار والبحيرات والمياه الجوفية تتعرض للجفاف أو تصبح ملوثةً بدرجة لا تسمح باستخدامها، وقد اختفت أكثر من نصف الأراضي الرطبة في العالم. تستهلك الزراعة أكبر كمية من المياه من بين جميع الأنشطة التي يقوم بها الإنسان، كذلك يتم إهدار الكثير من المياه في عملية الزراعة بسبب عدم كفاءة أنظمة الري في الكثير من الأماكن. كذلك تؤدي التغيّرات المناخية لتغير أنماط الطقس والمياه في مختلف أنحاء العالم؛ مما يتسبب بالنقص والجفاف في بعض المناطق، والفيضانات في مناطق أخرى. بمعدل الاستلاج الحالي، فإن الوضع لن يتغير إلا للأسوأ، وبحلول عام 2025، سيواجه ثلثا سكان العالم نقصًا في المياه، كما ستعاني الأنظمة البيئية في جميع أنحاء العالم بسبب ذلك النقص.


أسباب ندرة المياه

نجح البشر عبر الزمان في تسخير الكثير من مصادر المياه الطبيعية، عن طريق بناء السدود، وحفر الآبار، وإنشاء أنظمة الري العملاقة، وغيرها من الأدوات التي سمحت للحضارة البشرية بالنمو والازدهار؛ لكن تلك المصادر الطبيعية تتعرض للإجهاد والاستهلاك بشكلٍ مستمر، وهناك بعض الأنهار والبحيرات والآبار الجوفية التي تتعرض للجفاف؛ وذلك كناتجٍ مباشرٍ لعددٍ من العوامل، منها:

  • التغير المناخي:

مع استمرار البشر في ضخ المزيد من ثاني أكسيد الكربون وغيره من الغازات المسببة لتأثير البيت الزجاجي في الغلاف الجوي، ستظل أنماط الطقس وتوزيع المياه في تغيرٍ مستمرّ في جميع أنحاء العالم، فسوف يزداد الجفاف في بعض المناطق، والفيضانات في مناطق أخرى، كما سيتعرض الجليد للانصهار في بعض المناطق، كل هذه التغيرات تؤدي لتناقص كمية المياه المتاحة للزراعة، وتوليد الطاقة، وإنارة المدن، والاستهلاك المنزلي، وكذلك للحفاظ على النظم البيئية في مختلف أنحاء العالم.

  • التلوث:

هناك العديد من المصادر لتلوث المياه؛ المبيدات والأسمدة التي يستخدمها المزارعون ثم تتسرب لمصادر المياه الطبيعية، مياه الصرف الصحيّ غير المُعالََجة والنفايات الصناعية. حتى المياه الجوفية ليست بعيدةً عن التلوث؛ حيث تستطيع العديد من تلك الملوثات الوصول للمياه الجوفية وتلويثها مما يجعلها غير قابلة للاستعمال.

  • الزراعة:

تستهلك الزراعة 70% من المياه العذبة المتاحة في العالم، لكن يتم إهدار حوالي 60% منها بسبب أنظمة الري التي تتسرب منها المياه، وأساليب الري غير الفعالة، وكذلك زراعة المحاصيل غزيرة الاستهلاك للمياه. هذا الاستهلاك غير الرشيد للمياه يتسبب في تجفيف الأنهار والبحيرات والمياه الجوفية، وقد قامت الكثير من الدول التي تنتج كميات كبيرة من الغذاء بما فيها الهند والصين وأستراليا إلى الحدود القصوى لمواردها المائية أو أوشكت على ذلك. يضاف إلى ذلك الإهدار في المياه ما تقوم به الأنشطة الزراعية من تلويث لمصادر المياه المتاحة من خلال الأسمدة والمبيدات.

  • النمو السكاني:

ازداد عدد السكان خلال السنوات الخمسين الماضية بمعدلٍ يزيد عن الضعف، وقد تسبب هذا النمو السريع، مع التطورات الاقتصادية المصاحبة، والتحولات الصناعية؛ إلى تغيرٍ في الأنظمة البيئية في مختلف أنحاء العالم، وأدت إلى تراجعٍ كبيرٍ في التنوع البيولوجيّ. في الوقت الحالي، يعيش 41% من البشر على ضفاف الأنهار التي تعاني من الإجهاد المائي بالفعل، ويزداد القلق بخصوص توافر المياه مع استمرار استخدام المياه العذبة بمعدلات غير قابلة للاستدامة، بالإضافة لما تفرضه الزيادة السكانية من ضغط على الموارد المائية لتوفير الغذاء وإنتاج الطاقة لهذه الأعداد المتزايدة من البشر.


تأثيرات ندرة المياه

  1. المليارات من البشر يعانون من نقص المياه:

المياه العذبة النظيفة هي عنصر أساسي لحياة الإنسان الصحية، لكن 1.2 مليارًا من البشر لا يستطيعون الحصول على مياه صالحة للشرب، كما يعاني 2.8 مليار إنسان من نقص المياه لشهر واحد على الأقل كل عام، وبحلول عام 2025، من المتوقع أن يواجه ثلثا سكان العالم نقصًا في المياه. حين تجف المياه، لا يستطيع الناس الحصول على ما يكفي للشرب وري المحاصيل، ومن المحتمل حدوث تدهور اقتصاديّ، بالإضافة إلى أن نقص المياه سيؤدي لتدهور مرافق الصرف الصحيّ؛ مما قد يساعد على انتشار الأمراض المنقولة عن طريق المياه.

  1. اختفاء الأراضي الرطبة

منذ عام 1900، تم تدمير ما يقرب من نصف الأراضي الرطبة في العالم. تعتبر الأراضي الرطبة واحدة من أكثر البيئات ملاءمة لحياة الكثير من الكائنات الحية، حيث يتواجد بها الثدييات والطيور والأسماك واللافقاريات، كما تدعم تلك الأراضي زراعة الأرز، وهو العنصر الرئيسي في النظام الغذائي لنصف سكان العالم تقريبا.

  1. النظم البيئية المتضررة

كيف انكمش بحر آرال على مر الزمن

حينما يصبح الماء نادرًا، فإن المناطق الطبيعية دائما ما تتعرض للضرر. في السابق كان بحر آرال في آسيا الوسطى، رابع أكبر بحيرة للمياه العذبة في العالم؛ لكنه فقد مساحةً بحجم بحيرة ميتشيجان خلال ثلاثة عقودٍ فقط، وأصبحت مياهه الآن مالحة كالمحيط؛ بسبب التلوث المفرط. ومع تراجع مياه بحر آرال، فقد خلفت وراءها أرضًا ملوثة، وقد تسبب هذا التحول البيئي في نقصٍ في المواد الغذائية، وأدى إلى ارتفاع معدل وفيات الرضع، وانخفاض متوسط العمر المتوقع للسكان في المنطقة المحيطة.


المصادر: 1، 2، 3، 4، 5