ذات يوم لم يكن يوجد سوى الإنسان والطبيعة، ثم أتى رجال يحملون الصلبان، اعتقدنا أننا مركز الكون ومن حولنا تدور الشمس والنجوم، أمضينا آخر 500 عام منذ كوبرنيكوس في هذا الزحف البطيء لنصل إلى ما نحن عليه الآن، ذروة إنجازنا البشري، حيث أخضعنا الطبيعة لإرادتنا، شطرنا الذرة وحطمنا نسيج الواقع، لكن كلما صار المجتمع أكثر مثالية، صرنا أكثر جنونا. تخلينا عن طبيعتنا العنيفة، لكنها لم تختف قط، بل رقدت إلى جوارنا تنتظر وأثناء انتظارها صرنا عبيد الأنظمة التي شيدناها، والآن كل شيء بدأ ينهار.
شخصية «فيجو» من مسلسل «Too Old To Die Young»

لم يكن فرويد متفائلًا أبدًا بمستقبل الإنسان المتحضر، فالحضارة الانسانية قائمة بالأساس على الكبت وعلى مبدأ اللذة المقموعة. كل حضارة ملزمة بتشييد نفسها على الإكراه ونكران الغرائز البدائية المتأصلة في الطبيعة الإنسانية. كلما تطور المجتمع، صار الانسان أكثر قلقًا واغترابًا عن طبيعته المحكومة في رأي فرويد بغرائز الجنس والعدوان. وتحت السطح الرقيق والبراق للحضارة الإنسانية ظلت هذه الغرائز المقموعة تمور في انتظار لحظة انفجارها، فحين تبدأ هذه القشرة الحضارية بالتآكل تنطلق الغرائز البدائية بكل العنف الكامن فيها نحو السطح.

هذا المنظور الفرويدي يشكل إلى حد بعيد حدود الرؤية المتشائمة التي يقدمها المخرج الدنماركي نيكولاس ويندنج ريفن في أحدث أعماله «Too Old To Die Young». يغفل ريفن زمن الحكاية، لكن لحنا أبوكاليبسيا يرافق عالمه الممعن في الظلام والعنف. فبينما تلفظ الحضارة الأمريكية أنفاسها الأخيرة، وجدت فورة الرغبات المظلمة طريقها إلى السطح، نحن أمام وليمة مفتوحة على كل الشرور، جحيم حي، عنف، قتل، اغتصاب، شذوذات نفسية وانحرافات جنسية.

هناك خطان سرديان متداخلان منذ بداية المسلسل الذي يدور بين لوس أنجلوس والمكسيك. لدينا «مارتن جونز/ مايلز تيلر» شرطي فاسد، متورط مع رجال عصابات عنيفين، يقوم بتنفيذ عمليات قتل لصالحها، عالق بين عالمين لا ينتمي إلى كليهما. يحاول جونز أن يوجه رغبة القتل الملحة لديه نحو شيء ذي معنى، ذلك حين يلتقي «فيجو/جون هوكس» المحقق السابق الذي يخبره بأنه حين يتداعى العالم ينبغي أن يكون هناك شخص ما لحماية الأبرياء. فيشرعان معًا في قتل المغتصبين ومستغلي الأطفال جنسيًا تحت رعاية امرأة غامضة تدعى «دايانا/ جينا مالون».

الخط الآخر يتتبع شخصية «خيسوس/ اوجستو اجوليرا»، ابن زعيمة عصابات مكسيكية لتجارة المخدرات الذي يسعى للانتقام من قتلة والدته ثم استعادة مملكتها الإجرامية الضائعة رفقة زوجته «ياريتزا/ كريستينا رودلو » التي تمارس طقوسًا غامضة وتسمي نفسها كاهنة الموت العليا وتسعى للانتقام من رجال العصابات الذين يستغلون النساء.

هذا هو العالم الذي خلقه ريفن في أحدث أعماله رفقة كاتب القصص المصورة «إد بروباكير» والذي يشكل امتدادًا لعالمه السينمائي الكابوسي، حيث العوالم السفلية للجريمة، وحيث الأفعال العنيفة تقود إلى أفعال أكثر عنفًا، وحيث أبطال صامتون وذوو تاريخ غامض يجوبون هذه العوالم كملائكة منتقمة لحماية الأبرياء والانتقام من الأشرار. أبطال ريفن لا ينتمون لهذا العالم وإن تلوثوا بشره، إنهم خارجه، أو بالأحرى خارجين عليه.


جماليات سينمائية خالصة

طالما كان التليفزيون وسيط الكاتب، فحين كان يتم الإشادة بعمل تليفزيوني، فالمديح كله كان ينصب على قوة الحبكة، وجودة البناء الدرامي للشخصيات، وذكاء الحوار وبلاغته دون أي حديث عن بصمة إخراجية. لكن مع الطفرة الحادثة، مؤخرا، في الصورة التليفزيونية حيث بدأت الفروق بين الوسيطين التليفزيوني والسينمائي تتلاشى تمامًا ومع وجود مخرجين مثل ديفيد فينشر، وباولو سورنتيو، ونيكولاس ريفن في مقعد المخرج، بات الحديث عن الأسلوبية والبصمة الاخراجية أمرًا بديهيًا.

أخرج ريفن كل حلقة من حلقات مسلسله العشر الذي يفيض بجماليات سينمائية خالصة. تتراجع الحبكة والسرد، في مقابل أسلوبية ريفن الطاغية والجو العام الذي يخلقه عبر صوره الصادمة المغمورة بأضواء النيون، ولقطاته الطويلة زمنيًا، وحركة كاميراه المتمهلة، وفترات الصمت الممتدة والحوارات القليلة المتأنية بفجوات الصمت التي تتخللها.

هذا الإيقاع البطيء يتلاعب بتوقعات الجمهور الذي ينتظر من حبكة كهذه إيقاعًا لاهثًا، وفي كل مره يكسر توقعة يخلق بداخله إحساسـًا متزايدًا بالقلق والتوتر. هذا الإيقاع بأثره المنوم (hypnotic) يجعل من صور ريفن الصادمة والممعنة في عنفها مثل كوابيس يعاينها المشاهد بعيون مفتوحه لأطول فترة ممكنة محققًا أقوى أثر ممكن.

أسلوبية ريفن منغمسة في التأثير علي مشاعر المشاهد وكيفية استقباله وإدراكه للعالم المعروض أمامه أكثر من انشغالها بما يحدث في هذا العالم. ريفن الذي يرى الفن كفعل عنف، يقارب العنف الانساني الذي يصوره بعنف أسلوبي ساعيًا من خلاله لإنتاج تجربة صادمة تحدث في المشاهد مشاعر أقرب ما يكون لما يحدثه العنف الواقعي.


كابوس ما بعد ترامب

المسلسل ليس منقطع الصلة بسياقات الزمن الذي صنع فيه، فهو على نحو ما يحمل رؤية كابوسية لأمريكا ما بعد ترامب. صرح ريفن في أحد حواراته بأن فوز ترامب بتوجهاته اليمينية الذي أثار ذعر وقلق مثقفي أمريكا هو ما ألهم المسلسل مزاجه الأبوكاليبسي.

نجد ذلك عبر البث الإذاعي الذي نستمع إليه في سيارة فيجو أو بيته والذي يتحدث عن انهيار الإمبراطورية الأمريكية والعودة مجددًا إلى عصور الظلام، أو الحديث عن محاكم التفتيش المتوحشة في حوائط تحمل كلمات: «الديمقراطية عاهرتي»، مثلما نجده في اجتماع محققي وحدة جرائم القتل وصياحهم في ابتهاج: «فاشية .. فاشية». بل إن رئيس قسم جرائم القتل يشبه علي نحو ما ترامب نفسه. يخلق ريفن عبر هذه الإحالات نوعًا من البارودي من ترامب وزمنه.

هناك أيضًا صدى واضح لحركة «Me Too»، للحد الذي دفع بعض النقاد لرؤية المسلسل كانتقام لهذه الحركة المناهضة للتحرش وكافة أشكال العنف الجنسي تجاه النساء. وهو ما نجده في شخصية ياريتزا التي نراها عند بداية العرض كشخصية هامشية في عالم ذكوري مفرط القسوة والعنف، ثم تستولي عليه بعد ذلك كأحد أكثر شخصياته سطوة وغموضًا، إذ يصورها ريفن عبر هالة أسطورية كملاك منتقم للنساء المضطهدات.

مره بعد أخرى يثبت ريفن هوسه بالصور والمشاعر العنيفة والتي ينسج منها عبر بصمته السينمائية المميزة هذه المرة، واحدة من أكثر التجارب عنفًا وقسوة في تاريخ التليفزيون.