محتوى مترجم
المصدر
مجلة الكوانتم
التاريخ
2016/03/24
الكاتب
إميلي سينجر

عند نزع الطبقات المختلفة المكونة للمنزل – الحوائط الملتصقة، السقف، الأرضيات الخشبية الصلبة – نجد أمامنا هيكلًا، إنه الشكل الهيكلي الذي يمثل جوهر أي بناء. هل يمكننا فعل الأمر نفسه مع الحياة؟، هل يمكن للعلماء إزالة طبقات التعقيد للكشف عن جوهر الحياة، الأساس الذي يقوم عليه علم الأحياء؟.

هذا هو ما حاول كريج فينتر وزملاؤه فعله في دراسة جديدة نُشرت هذا الأسبوع في مجلة «ساينس». قام فريق فينتر بعناية بتفكيك جينوم «المفطورة الفطرانية Mycoplasma mycoides»، وهي جرثومة تعيش في الماشية، ليكشفوا عن وجود مجموعة بدائية من التعليمات الجينية القادرة على صنع الحياة، وتمثلت النتيجة في كائن صغير أطلق عليه syn3.0 (ساين3,0)، والذي يحتوي على 473 جينًا. (بالمقارنة، نجد أن لدى «الإشريكية القولونية» ما يتراوح بين 4000 و5000 جين، ولدى البشر 20,000 جين تقريبًا).

لكن هناك فجوة ضمن جينات هذا الكائن، فالعلماء بالكاد يعرفون وظائف ثلث هذه الجينات. وبدلًا من الكشف عن المكونات الأساسية للحياة، كشفت الجرثومة عن مقدار ما تبقى لنعرفه بشأن الأساسيات المحددة لعلم الأحياء.

«ما يثير انتباهي إلى الدرجة الأكبر هو ما تخبرنا إياه الجرثومة عما نجهله»، حسبما علّق جاك زوستاك، عالم الكيمياء الحيوية بجامعة هارفارد، والذي لم يكن مشاركًا في الدراسة، وتابع: «يبدو العدد الكبير من الجينات ذات الوظائف المجهولة أمرًا جوهريًا».

«لقد فوجئنا وصُدمنا تمامًا»، وفق فينتر، عالم الأحياء الذي يترأس معهد جى كريج فينتر في لا جولا بكاليفورنيا، وروكفيل، بماريلاند، ويشتهر بشكل أكبر لدوره في رسم خارطة الجينوم البشري. توقع الباحثون العثور على عددٍ ما من الجينات المجهولة في المزيج، ربما تبلغ نسبتها 5 إلى 10 بالمئة من الجينوم، «لكن هذا العدد مذهل حقًا»، حسبما أضاف.

أثارت حزمة الحمض النووي الخاصة بالمفطورة التناسلية سؤالًا: ما أصغر عدد من الجينات يمكن لخلية أن تملكه؟.

زُرعت بذور بحث فينتر عام 1995، عندما فك فريقه شفرة جينوم «المفطورة التناسلية Mycoplasma genitalium»، وهو ميكروب يعيش في المسالك البولية البشرية. حين بدأ باحثو فينتر العمل على هذا المشروع، اختاروا «المفطورة التناسلية» – ثاني جينوم بكتيري كامل تتم سلسلته – صراحةً لضآلة حجم جينومه. حيث يتمتع بـ517 جينًا و580,000 من أحرف الحمض النووي، لذلك لديه واحد من أصغر الجينومات المعروفة في أي كائن ذاتي التكاثر. (بعض الميكروبات التكافلية يمكنها الصمود بعدد جينات يتجاوز 100 جين بقليل، لكنها تعتمد على موارد مضيفها للبقاء على قيد الحياة).

أثارت حزمة الحمض النووي الخاصة بالمفطورة التناسلية سؤالًا: ما أصغر عدد من الجينات يمكن لخلية أن تملكه؟، «أردنا أن نعرف المكونات الجينية الأساسية للحياة. لقد بدت هذه الفكرة رائعة قبل 20 عامًا – لم ندرك أن الأمر سيستغرق 20 عامًا لننجزه»، وفق فينتر.

كلايد هوتشيسون عالم الأحياء بمعهد جى كريج فينتر الذي قاد الدراسة الجديدة، والذي أجرى أبحاثًا على بكتيريا المفطورة كنماذج لخلية الحد الأدنى منذ عام 1990.

تصميم الحد الأدنى

شرع فينتر وفريقه في الأساس في تصميم جينوم مُجرد بناءً على ما عرفه العلماء بشأن علم الأحياء، وقد بدأوا بالجينات المشاركة في معظم العمليات الحيوية للخلية، كنسخ وترجمة الحمض النووي، ثم البناء على ذلك.

لكن قبل أن يتمكنوا من إنشاء هذه النسخة المبسطة من الحياة، اضطر الباحثون للبحث عن طريقة لتصميم وبناء الجينومات من البداية. فبدلًا من تعديل الحمض النووي لكائن حي، مثلما يفعل معظم الباحثين، أرادوا ممارسة قدر أكبر من السيطرة؛ أي، تخطيط جينومهم على حاسوب ثم توليف الحمض النووي في أنابيب اختبار.

في عام 2008، أنشأ فينتر وزميله هاملتون سميث أول جينوم بكتيري اصطناعي عبر بناء نسخة معدلة من الحمض النووي للمفطورة التناسلية. ثم في عام 2010، صنعا أول كائن اصطناعي ذاتي التكاثر، عبر تصنيع نسخة من جينوم المفطورة الفطرانية ثم زرعها في أنواع أخرى من المفطورات. سيطر الجينوم الاصطناعي على الخلية، حيث استبدل النظام الأصلي النشط بنسخة أخرى من صنع الإنسان. كان الجينوم الاصطناعي للمفطورة الفطرانية أكثر تطابقًا مع النسخة الطبيعية، باستثناء بعض العلامات المائية الوراثية. أضاف الباحثون أسماءهم وبضع اقتباسات شهيرة، بما في ذلك نسخة مُحرّفة قليلًا من مقولة ريتشارد فاينمان: «ما لا أستطيع صنعه، لا أفهمه».

مع توافر الأدوات الصحيحة أخيرًا، صمم الباحثون مجموعة من المخططات الوراثية لخليتهم الاصطناعية ثم حاولوا بناءها. ومع ذلك، «لم ينجح أي تصميم»، حسبما قال فينتر، حيث اعتبر إخفاقاتهم المتكررة توبيخًا لهم بسبب غطرستهم. هل يتمتع العلم الحديث بالمعرفة الكافية بالمبادئ الحيوية الأساسية لبناء خلية؟، «كانت الإجابة لا مدوية»، وفق فينتر.

لذلك اتخذ الفريق مسار عملٍ مختلف واعتمدوا على عمالةٍ أكبر، حيث استبدلوا أسلوب التصميم بالتجربة والخطأ، فمزّقوا جينات المفطورة الفطرانية ليحددوا أيها أساسي لبقاء البكتيريا على قيد الحياة، وتخلصوا من الجينات الدخيلة من أجل صنع كائن «ساين3,0»، الذي لديه جينوم أصغر من أي كائن متكاثر بشكل مستقل تم اكتشافه على وجه الأرض حتى الآن.

ماذا تبقى بعد إزالة الزوائد الجينية؟، أغلبية الجينات المتبقية مشاركة في واحدة من ثلاث عمليات؛ إنتاج الحمض النووي الريبي والبروتينات، الحفاظ على دقة أداء المعلومات الوراثية، أو صنع غشاء الخلية. كما أمكن إلى حد كبير التضحية بجينات تعديل الحمض الوراثي.

لكن تظل وظائف الجينات المتبقية، وعددها 149 جينًا، مجهولة. يمكن للعلماء تصنيف 70 منها على نطاق واسع بناء على هيكل الجين، لكن الباحثين لا يعرفون الكثير بشأن الدور الدقيق الذي تلعبه الجينات في الخلية. وتبقى وظائف الجينات الـ79 المتبقية لغزًا. وأوضح فينتر: «لا نعلم ما تقدمه هذه الجينات أو سبب كونها ضرورية للحياة – ربما تفعل أمرًا أكثر دقة، أمرًا على ما يبدو غير مُقدّرٍ بعد في علم الأحياء. إنها مجموعة متواضعة جدًا من التجارب».

يحرص فريق فينتر على التوصل إلى وظائف هذه الجينات الغامضة، لكن التحدي مضاعف بسبب حقيقة أن هذه الجينات لا تشبه أي جينات أخرى معروفة. تتمثل إحدى وسائل البحث عن وظائفها في تصميم نسخ من الخلية يمكن فيها تشغيل وتعطيل هذه الجينات. وعندما تُعطل، «ماذا يفسد أولًا؟» وفق زوستاك، «يمكن محاولة ربطها بفئة عامة من الجينات، مثل جينات التمثيل الغذائي أو تكرار الحمض النووي».


التناقص إلى الصفر

يحرص فينتر على تجنب وصف «ساين3,0» بأنها خلية الحد الأدنى العامة. فإن كان قد أجرى نفس مجموعة التجارب على ميكروب مختلف، حسبما أوضح، لكان الأمر انتهى بمجموعة مختلفة من الجينات.

في الحقيقة، ليس هناك مجموعة واحدة من الجينات تحتاجها جميع الكائنات الحية للبقاء على قيد الحياة. ففي البداية، عندما شرع العلماء في البحث عن أمر من هذا القبيل قبل 20 عامًا، أملوا أنه ببساطة عند مقارنة تسلسلات الجينوم لدى مجموعة متنوعة من الأنواع، يمكن الكشف عن الجوهر الأساسي المتشارك من قبل جميع الأنواع. لكن بينما ازداد عدد التسلسلات الجينومية، اختفى هذا الجوهر الأساسي. في عام 2010، أجرى ديفيد أوسيري، عالم الأحياء بمختبر أوك ريدج الوطني بتينيسي، وفريقه، مقارنة بين 1,000 جينوم، فوجدوا أنه ليس هناك جين واحد متشارك من قبل جميع الكائنات. وعلق زوستاك: «هناك طرق مختلفة لامتلاك مجموعة أساسية من التعليمات الجينية».

علاوة على ذلك، ما هو أساسي في علم الأحياء يعتمد إلى حد كبير على بيئة الكائن الحي. على سبيل المثال، تخيل ميكروبًا يعيش في وجود مادة سامة، كالمضادات الحيوية. في هذه الحالة، سيكون الجين الذي يمكنه كسر المادة السامة أساسيًا لبقاء الميكروب في هذه البيئة. لكن إن أزلت المادة السامة، لن يظل ذلك الجين أساسيًا.

تعد خلية فينتر الاصطناعية منتجًا، ليس فقط لبيئته، بل لمجمل تاريخ الحياة على الأرض. في فترة ما في سجل علم الأحياء الذي يرجع إلى 4 مليار عام، لا بد أنه قد تواجدت خلايا أكثر بساطة من خلية فينتر. حيث قال زوستاك: «لم نصنع الخلية ذات الـ400 جين من لا شيء». ويحاول هو وآخرون صنع صور حياة أخرى أكثر أساسية، والتي تمثل تلك المراحل المبكرة من التطور.

يقول بعض العلماء إن هذا النوع من النهج التصاعدي يعد ضروريًا من أجل فهم جوهر الحياة بشكل حقيقي. «إن كان لنا مطلقًا أن نفهم حتى أبسط الكائنات الحية، يجب أن نكون قادرين على تصميمها وتوليفها من البداية»، حسبما أوضح أنثوني فورستر، عالم الأحياء بجامعة أوبسالا بالسويد، «يظل جميعنا بعيدًا عن تحقيق هذه الغاية».