في الأيام العصيبة الحالية، وبينما يكافح العالم بأسره بصعوبة بالغة ضد الموجة الأولى من الجائحة العالمية التي سبّبها فيروس الكورونا المستجد، تصبح المعلومة الصحيحة الموثوقة حدًّا فاصلاً بين الصحة والمرض .. وبين الحياة والموت.

في المقابل، فإنّ ما يتداوله الكثير الناس من أفكارٍ وتطبيقات مغلوطة في وسائل الوقاية من عدوى هذا الفيروس المتفشية، تساوي مباشرة انضمامهم أو انضمام غيرهم خاصة من الأهل والأحباب والمعارف إلى قائمة عريضة تجاوزت 4 ملايين مصاب موثَّق بالفيروس، أو لا قدر الله، القائمة المجاورة لها والأكثر ألمًا، والتي تضم حتى لحظة كتابة هذه السطور صباح العاشر من مايو/آيار 2020 (17رمضان 1441ه)ـ، أكثر من 282 ألف وفاة ناجمة عن الإصابة بهذا الفيروس.

وإلى جانب الكلفة البشرية المباشرة، فقد استنزفت تلك الجائحة اقتصاد معظم العالم، وتسبَّبت في نقص العديد من الإمدادات الطبية والوقائية الأساسية حتى في أغنى البلدان وأكثرها تقدمًا. ولذا، فأي جهد الآن للوقاية هو واجب حتمي، وأكثر وجوبًا منه هو حسن استغلال الموارد بتوجيهها للطرق الأكثر فاعلية لكبح جماح العدوى، وليس للوسائل التي تبدو أنها جيدة، في حين أنها لا تعدو أن تكون مظاهر خادعة، تعطي إحساسًا كاذبًا بالأمان، وتشجع الناس لا إراديًا عن التساهل فيما هو أكثر وجوبًا.

جهودٌ وقائية .. ولكن

في الأسطر التالية، سنذكر أمثلة لبعض طرق الوقاية الخادعة، والتي تمثل إهدارًا للموارد الحيوية دون فائدة متناسبة معها، كما أنها تعطينا إحساسًا غير حقيقي بأنه قد قمنا بما ينبغي فعله، وقد تُسبب تساهل البعض في تبني الوسائل الفعَّالة الحقيقية. وفي نهاية التقرير، سنخصص فقرة لنتذاكر أهم الوسائل الثابثة فاعليتها وكفاءتَها في كبح جماح عدوى كورونا.

1. بوابات التعقيم

كانتشار النار في الهشيم، بدأت العديد من الأماكن العامة والمشافي .. إلخ بشراء ونصب بواباتٍ تشبه البوابات الأمنية، ولها نفس هيبتها المعدنية، لكنها بدلًَا من إطلاق أشعة الكشف عن المعادن، فإنها تطلق -من المفترض- موادًا للتعقيم، كالكلور المخفف أو الكحول عبر رشاشاتٍ في اتجاهات مختلفة، أو ما يجود به خيال المسئولين عنها. بل بدأت العديد من الشركات والورش والجمعيات الخيرية في التسابق لـتصميم وإنتاج أشكال وأحجام متنوعة من تلك البوابات.

 يُطلب من كل داخل من المكان أن يمر عبر بوابة التعقيم، فيُغلق عينيه جيدًا، ويبقى تحت وابل رشاشات التعقيم لنصف دقيقة على الأقل، ثم يدخل بعدها إلى حيثُ شاء، فقد تطهَّر من الكورونا، ولم يعُد يمثل أي خطرٍ على الآخرين، والذين بالتبعية لم يعودوا يشكلونَ خطرًا عليه، فقد نالوا نصيبهم من التعقيم أيضًا، أو هكذا يظن من نصب تلك البوابات والكثيرون من مستخدميها.

فلنتخيل أن مريضًا أو حاملاً للعدوى يريد دخول مولٍ تجاري، وظل داخل بوابة التعقيم، ليس نصف دقيقة، بل 3 أيام بلياليها، حتى أوشك أن يتطهر من ذنوبه كما يتطهر الثوب الأبيض من الدنس، ثم دخل بعدها المول، واختلط بالناس دون مسافة آمنة أو كمامة. فهل ما تعرض له في البوابة سيقلل فرص انتقال العدوى منه بنسبة مؤثرة؟ الإجابة بوضوح ولا واحد في المائة. وماذا لو أن هذا الشخص بعد ربع متر من البوابة عطس في يديه، ثم مس بهما أول سطح في المول بعد البوابة؟

في المقابل، فلنتخيل مريضًا آخر دخل المكان نفسه دون أن يمر بالبوابة، لكنه يرتدي كمامة عادية، ولا يقترب كثيرًا من الآخرين، ما احتمال أن ينقل العدوى لشخصٍ واحد حتى؟ الإجابة احتمال ضئيل للغاية، بالأخص لو كان الآخرون يحذون حذوه في المسافة الآمنة والكمامة.

باختصار، بوابة التعقيم مفيدة بالأساس لمن يصنعها على أساس تجاري، فالطلب عليها في ارتفاع شديد، كما أنها محاولة خداع من العديد من الأماكن التجارية لتشجع الناس على الاطمئنان والعودة للتقاطر إليها دون قلق. أما فائدتها العملية فهي محدودة للغاية، ولا تتناسب مع تكلفتها، ولا تشكل أي درجة من الحماية ضد الوسيلة الأهم لانتقال العدوى من شخص لآخر عبر الرذاذ التنفسي. وخير منها على سبيل المثال لو وفرت الأماكن العامة  عبوات من الكحول معلقة على الحائط، ومزوده بذراع للرش فلا يضطر المستخدمون لمسها مباشرة باليد، أو توفير الكمامات ولو كمامة واحدة لكل شخص بسعر رمزي، وبذل جهود من العاملين لتنظيم دخول وخروج الناس فلا يضطرون للتزاحم.

ومن يتابع جهود البلاد الكبرى في مواجهة الوباء، فلن تجد في أي منها مثل تلك الظاهرة الغربية.

2. تعقيم الشوارع

نشاهد كل يومٍ جهودًا كبيرة للغاية من جهات رسمية ومجتمعية، لتوفير سيارات رش ضخمة لتطهير وتعقيم الشوارع، خاصة الكبرى منها، والعديد من الأماكن العامة. وتلك الجهود لا نشكك في نوايا أكثرية القائمين بها، لكن للأسف ففيروس الكورونا المستجد وفق الثابت لدينا حتى الآن من الأدلة العلمية، لا تنقله حشرات أو فئران نقتلها بجهود التعقيم، ولا يحمله الهواء من الأرض، أو ينقله الذباب من عليها، وأهم مكان لتواجده وتكاثره هو داخل أجسام المرضى وحاملي العدوى، وبالتالي فلا يصل إليه أي من هذه المواد المطهرة التي تُهدر عشرات الأطنان منها يوميُا على الأسفلت، إلا لو أردنا تطبيق اقتراح الرئيس الأمريكي ترامب بتجربة إمكانية تناول أو حقن المطهرات داخل الجسم للتخلص من الكورونا، والذي كاد يودي بحياة العشرات من أنصاره.

ببساطة شديدة، سنتخيل أن شارعًا رئيسيًا وأرصفته كلهم مغطون بطبقة من فيروس الكورونا المستجد، كيف ستنتقل العدوى إلى عين أو أنف المارين؟ سيرد البعض بأن الفيروس سيعلق في كعوب الأحذية، وينقلها من مكان لآخر، فإذا دلف الشخص إلى منزله، وداس الأرضية بالحذاء، ثم مست يد أحد أفراد أسرته هذا المكان، فهناك فرصة أن تنتقل له العدوى. هل تستحق مثل تلك الرحلة الطويلة للفيروس كل تلك الجهود التعقيمية؟ في المقابل لو تُركَ الحذاء خارج الباب، وغُسلت الأيدي أولاً بأول، لانتهى الأمر.

الواجب هو تـوجيه تلك الجهود المخلصة، وآلاف الجنيهات التي تنفق يوميًا لتطهير الشوارع، إلى توفير وسائل الوقاية الأكثر أهمية مثل الكمامات، أو حتى من أجل جهود تعقيم أكثر رشادة، كتعقيم المستشفيات والعيادات، والأماكن العامة التي يتردد عليها الكثيرون .. إلخ على أن يحدث ذلك بشكل دوري على مدار اليوم، لضمان التعقيم أولا بأول.

3. القفازات

بنشوف ناس كتير ماشيين في الشارع، أو في أماكن العمل الخاصة بيهم، ولابسين في إيديهم قفازات🧤 عشان يحموا نفسهم من الإصابة…

Gepostet von ‎وقاية‎ am Montag, 27. April 2020

ارتداء القفازات بالشكل الذي نراه في حال الكثيرين، هو تصرف ضرره على الشخص وعلى الآخرين أكبر بكثير من أية فائدة محتملة. نرى الكثيرين يرتدون زوجًا من القفازات الطبية مع النزول في أول اليوم، ويظلون بنفس هذه القفازات حتى العودة للمنزل، وخلال تلك الساعات الطويلة يكون القفاز قد مسَّ مختلف أنواع الأسطح والعديد من الأوراق النقدية … إلخ، وبالطبع في غالب الأحيان سيكون الشخص بشكل إرادي أو غير إرادي قد لمسَ وجهه بمثل هذا القفاز غير مرة. فهل هذه وقاية فعالة من العدوى؟

أولًا: القفازات الطبية موردٌ شديد الأهمية للعاملين في المجال الصحي، وإهدارها خارجه كارثي.

ثانيًا: القفازات في أفضل استخدامٍ لها لا تحمي من الوسيلة الأهم والأخطر لانتقال العدوى عبر الرذاذ التنفسي من شخصٍ لآخر.

ثالثًا: ارتداء القفاز نفسه لوقتٍ طويل يجعله ببساطة وسيلة لالتقاط العدوى، وجمعها، وتركيزها، وليس الوقاية منها.

رابعًا: نشاهد الكثيرين من العاملين في الأماكن العامة، وأماكن خدمة الجمهور، مثل موظفي الكاشير مثلاً … إلخ، يرتدون قفازًا حتى لا يمسوا الأموال والأوراق والأكياس بأيديهم، ويظلون بنفس القفاز طوال النهار. في هذا المشهد قدر من الأنانية، فالشخص يحمي نفسه، لكن قفازه سينقل العدوى -إن وجدت- من على القفاز إلى مئات الأشياء التي سيمسكُها بعده الآخرون، فيكون قد أسهم بنشر وتوزيع فرص العدوى، مقابل حماية نفسه. ولو غسل يديه، وطهرها أولاً بأول لحمى نفسه والآخرين.

خامسًا: لكي يكون استخدام القفازات للوقاية فعلاً على الشخص أن يجلب علبة كاملة من القفازات ويقوم بتبديل القفازات أولا بأول، مع حسن التخلص من المستعمل منها بشكل آمن، وتحقيق هذا مستحيل واقعيًا وماديًا، وأرخص منه كثيرًا، وأكثر فاعلية، تجنب لمس الأسطح، وغسلها بالماء والصابون جيدًا أو على الأقل تعقيمها بالكحول.

4. الكمامات

يشعرك الكثيرون أنهم طالما وضعوا الكمامة على جزءٍ ما من وجوههم، فقد انتهى الأمر، وكأنهم قد لبسوا للفيروس الزي المموّه، فخاف منهم، فلا يحافظون على مسافة آمنة، ويقتحمون التجمعات بمنتهى الثقة. أقول لهؤلاء: الكمامة وحدها لا تكفي، ولو تعامل معها الشخص كما ينبغي ارتداءً وخلعًا.

أما إذا لم تُرتدى الكمامة بشكلٍ صحيح، بحيث تغطي الفم والأنف، مع تجنب مس السطح الخارجي لها، وغسل اليدين على الفور إن حدث هذا سهوًا، فهي وسيلة كارثية لنقل العدوى وليس فقط وسيلة فاشلة للح ماية منها. 

اقرأ أيضًا: هل قناع الوجه الطبي هو الحل ضد عدوى الكورونا وأخواته؟

ماذا نفعل إذن للوقاية من فيروس الكورونا المستجد؟

الوسيلة المُثلى للوقاية من الإصابة بعدوى كورونا، هي بتجنب التعرض للفيروس من الآخرين، فالطريق الرئيس لنقل العدوى هو من شخصٍ لآخر.
مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها (CDC)

أنجع وسائل الوقاية التي لا يختلف عليها اثنان من المتخصصين، هي التباعد الاجتماعي، وأخذ مسافة آمنة على الأقل متر ونصف إلى متريْن عند التفاعل مع الغير، وتجنب الأماكن المزدحمة، وعدم استثناء أحد من التزامنا بتطبيق تلك التعليمات معه، فالأهل والأقرباء والأصدقاء المقرّبون قد يتناقلون المرض فيما بينهم، فوفق آخر التحديثات العلمية المتاحة، لم تثبت أي دراسة موثَّقة أن هذا الفيروس اللعين يحترم صلة الرحم والعلاقات الإنسانية.

اقرأ: ماذا أفعل إن أصبحَ وباءٌ مُعدٍ على أعتاب منزلي؟

وبالطبع الغسل الجيد لليدين أولًا بأول لمدة 20 ثانية بالماء والصابون، لاسيَّما عند لمس الأسطح غير النظيفة (وأي سطح غير موثوق مطلقًا من نظافته، يُعتَبَر ملوثًّا بالفيروس إلى أن يثبت العكس، بالأخص في الأماكن العامة). والكحول يصلح كبديل للماء والصابون في حالة عدم توافرهما، وهما أولى منه. وبالطبع عدم لمس الوجه باليدين إلا وهما مغسولتان بشكلٍ جيد.

وفي حالة الاضطرار للخروج من المنزل والاحتكاك بالآخرين، فلابد من ارتداد كمامة، ولا يُشتَرَط أن تكونَ كمامة طبية عالية الحماية، إنما يكفي كمامة عادية من الأقمشة المعتادة، على أن تغطي الفم والأنف بشكل مُحكَم، مع الالتزام أثناء ارتدائها بالمسافة الآمنة، لأن مثل تلك الكمامة تقلل فرص العدوى ولا تمنعها بشكلٍ تام.

أما جهود التعقيم، فلابد من توجيهها حيث تكون أكثر فعالية وضرورية، كالمشافي بمختلف أقسامها لاسيما الرعايات وأقسام الداخلي، والعيادات الطبية، وتعقيم المقابض والمقاعد والمكاتب أولًا بأول، وأي مكان يُشك في وجود مصابٍ به، والأماكن العامة التي يكثر فيها تزاحم الناس، بشكلٍ يومي، وما يوازيها في المنازل، وذلك للتخلص من أي رذاذ معدٍ قد يكون موجودًا. مع التأكيد مرة أخرى على أن جهود التعقيم تتعامل مع الوسيلة الفرعية لنقل العدوى، ولو التزم معظم الناس بغسل اليدين جيدًا بعد لمس الأسطح، فلن يكون هناك حاجة ماسّة لجهود التعقيم الواسعة.

وللمزيد من المعلومات الموثقة، والمتابعة المستمرة لوباء كورونا، تابعوا صفحة وقاية على موقع التواصل الاجتماعي الفيسبوك.