تصاعد الشعبوية يشكل تهديدًا خطيرًا لحقوق الإنسان.
كينيث روث، المدير التنفيذي لمنظمة مراقبة حقوق الإنسان

«صعود الشعبوية»، «عودة الشعبوية»، «شبح الشعبوية يخيم»، وغيرها من رؤوس عناوين مشابهة حملتها أغلفة كبرى المجلات في الغرب والشرق، تدل على أن العالم في طريقه إلى حقبة جديدة، وأن تغيرًا ما يطرأ على أوضاعه، مصحوبة جميعها بمصطلح قلما ادعاه فرد أو حزب سياسي، بينما كثر التنابز به، فما حقيقة هذا المصطلح؟ وما أبرز المدارس في تعريفه ونقده؟

نشأة الشعبوية

ظهر مصطلح «الشعبوية» لأول مرة في سبعينيات القرن التاسع عشر في روسيا، فهو الترجمة الحرفية للقب حركة «النارودنكس» الاشتراكية التي سعت إلى التمثل بقيم الفلاحين الأصيلة، وكذلك تثويرهم ضد القيصر. بعد نحو عقدين، ومن دون اتصال أو قصد، ظهر مصطلح الشعبوية بالولايات المتحدة الأمريكية، لوصف حركة أسستها طائفة من المزارعين والنقابيين، سرعان ما تمخضت عن حزب الشعب الذي سيلعب دورًا كبيرًا في تعديل القوانين آنذاك لصالح المواطن البسيط والفئات المهمشة والعمال.

على مدار القرن العشرين، ظلت الحركات الشعبوية تظهر وتختفي في أوروبا والأمريكتين، مع بزوغ خاص في الجنوبية خلال العقدين الأخيرين من ذلك القرن، لكن مع بداية القرن الواحد والعشرين ستبدأ سلطة الشعبوية في التزايد والسطوع كأقصى ما تكون في الغرب، من بريكست إلى ترامب، مرورًا بالنمسا وإيطاليا وبلجيكا وغيرها.

من يحارب النخبة؟

عند تأمل الظهور الأول لمصطلح الشعبوية نجده لصيقًا بممارسة تحمل عنصرًا لا يكاد منظر يغفله، وهو الموقف المعادي للنخب، سواء كانت نخبًا اقتصادية أو سياسية أو ثقافية أو جميعها. إلا أن في كثير من الأمثلة اللاحقة نجد تحديًا واضحًا لتلك الرؤية المبسطة للحركة الشعبوية باعتبارها مجرد معاداة للنخب، إذ إن ترامب في الحالة الأمريكية، أو برلسكوني في إيطاليا، أو لوبان في فرنسا، على سبيل المثال، هم القادة الشعبويون رغم كونهم نخبًا متأصلة بطريقة أو أخرى.

لذلك، إن أردنا مزيد دقة، يسعنا القول، إن الشعبوية معاداة للنخب نافذة الإرادة سياسيًا في المقام الأول، باعتبارها النخب الأقدر – من وجهة نظر العامة – على حل الأزمات لولا تضارب المصالح، كما أنها النخب التي تتلقى اللوم الديماجوجي من أعدائها الطامحين إلى الصعود. ما إن يصل الشعبوي إلى الحكم حتى يجد نفسه في مأزق، فإما أن يجري حلولًا ديماجوجية للحفاظ على مؤيديه على حساب الدولة، وإما البحث عن غريم آخر بعد ما أطاح بالساسة الحاكمين في المعركة الانتخابية.

الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب)
الترياق الوحيد لعقود من الحكم المدمر من قبل حفنة صغيرة من النخب هو فرض الإرادة الشعبية في كل قضية رئيسة تؤثر على هذا البلد. إن الناس محقون، والنخبة الحاكمة مخطئة.
دونالد ترامب، مقال بصحيفة وول سترييت، عام 2016

في أغلب الأحيان، يلقي الشعبوي المتغلب باللوم على النخبة الاقتصادية والجهاز القضائي والأجهزة البيروقراطية في البلاد، متهمًا إياهم بعرقلة قراراته والحيلولة دون إنفاذ إرادة الشعب، وهو ما قد يكون صحيحًا. يشدد الشعبوي المنتخب على حقيقة كونه منتخبًا من «الشعب»، وإن لم يكن من الشعب كله، لكنه يمثله، على عكس تلك الأجهزة والنخب المنتفعة غير المنتخبة.

يرى أستاذ السياسة الألماني يان-فيرنر مولر (1970) أن انتقاد النخب ليس المعيار الجوهري للشعبوية، بل هناك أمران أساسيان. أول معايير النظام الشعبوي هو تبني رؤية ثنائية للعالم، حيث الـ«نحن» والـ«هم» فقط. تمثل الـ«نحن» في الرؤية الشعبوية الشعب ممثلًا حصرًا في فئة – قومية أو طبقية أو إثنية مثلًا – مهضوم حقها في تفعيل إرادتها الشعبية، وتضم الـ«هم» جماعة مستغلة وفاسدة ونفعية. ثاني معايير النظام الشعبوي هو كون النزاع بين الشعبويين وخصومهم نزاعًا أخلاقيًا لا سياسيًا، نزاعاً بين الخير والشر، وهكذا يصبح كل مخالف لهم منتميًا إلى الجماعة المغضوب عليها.

يتكون المحتوى الشعبوي من مجموعة من العدائيات، سواء كانت معاداة للسياسة أو معاداة للفكر أو معاديًا للنخبة.
نادية اوربيناتي، أستاذة ومنظرة سياسية بجامعة كولومبيا

الشعبوية بين ثلاث مقاربات

اقترنت الشعبوية بأيديولوجيات أخرى واقعة على مناطق متباعدة من الطيف السياسي، فهناك شعبويات يمينية وأخرى يسارية على حد سواء. من أشهر رموز الشعبويات اليسارية هوجو شافيز رئيس فنزويلا، وإيفو مورالس الرئيس السابق لبوليفيا، كما ثمة أحزاب مثل بوديموس الإسباني، والبديل من أجل ألمانيا.

نتيجة الاقتران المشاهد للشعبوية بالأيديولوجيات المتنوعة، يرى كاس مودي، مؤلف «الشعبوية: مقدمة قصيرة جدًا» أن الشعبوية بالأحرى أيديولوجيا محدودة (thin-Ideology)، تعالج قطاعًا صغيرًا من الأجندة السياسية،ولا تقدم إجابات على جميع الأسئلة الاجتماعية والسياسية الرئيسية، وبالتالي يمكن أن تكون متوافقة مع مختلف الأيديولوجيات ذات الرؤى الكلية الأعم للاقتصاد والسياسة والمجتمع، مثل الليبرالية أو الاشتراكية أو الفاشية.

على الجانب الآخر، لا يرى المنظّر السياسي الأرجنتيني إرنستو لاكلو (1935–2014) في الشعبوية بثنائية الشعب الخير والأقلية الحاكمة الفاسدة (الأوليجاركية) أيديولوجيا، بل مجرد أسلوب سياسي أو نوع من الخطاب، لينبني على ذلك كونها مناورة/تصعيدًا سياسيًا لا مكونًا حزبيًا أصيلًا دال على المحتوى الديمقراطي الجوهري للمشروع السياسي.

المنظّر السياسي الأرجنتيني (إرنستو لاكلو)

لا تعد الشعبوية جوهر السياسة فحسب عند لاكلو – الذي تعده بعض الأحزاب الشعبوية بمثابة أب روحي – بل قوة تحررية أيضًا، لأن أي نظام اجتماعي-سياسي قائم هو كيان قابل للتغيير. يعد لاكلو الديمقراطية الراديكالية – على النقيض من الديمقراطية الليبرالية – الصورة المثلى التي علينا مساعدة الشعوب على بلوغها، بإعادة تفعيل الصراع السياسي وتعبئة الفئات المهمشة وهو ما تسمح به الشعبوية.

يرى كثير من باحثي أمريكا اللاتينية أن الشعبوية ما هي إلا استراتيجية سياسية يستخدمها بعض الزعماء الساعين إلى الحكم عبر الدعم المباشر من أتباعهم، مما يستدعي ظهور شخصية قوية وجذابة تسعى دائمًا إلى الحفاظ على اتصال مباشر بالجماهير.

في هذه الاستراتيجية، يسعى الزعيم إلى إصلاح قائم على قدر من مساءلة الآخر يفوق بكثير المشاركة الذاتية، مستندًا إلى رصيد من الدعاوى الشعبية الأصيلة والمستثارة المناهضة للمؤسساتية.

اليوم، يفسر كينيث روث اجتياح الشعبوية لأجزاء كثيرة من العالم بالانهيار الاقتصادي وعدم المساواة الناجم عن العولمة والأتمتة والتغير التكنولوجي والخوف من التحولات الثقافية عقب الهجرات الناتجة عن الحرب والقمع والفقر وتغير المناخ.

كذلك أسهمت الصدمات النفسية التي تحدثها الهجمات الإرهابية ويستخدمها الدماغوجيون لتأجيج كراهية الأجانب والإسلام في ذلك التصاعد الشعبوي. وللأسف، أثار الخطاب الشعبوي في أوروبا حراكًا وسياسات شكلت خطرًا كبيرًا على كيان الاتحاد وسلامة اللاجئين.