مشروعات متزاحمة على الأطراف المتباعدة، على جانبي طريق «السخنة الإقليمي» أو «السويس الإقليمي»، يبدو لك المشهد كأن الصحراء الجرداء لم تعد كذلك، بل تحولت إلى سهول منبتة بالمباني المضاءة ليلًا بكامل الطريق. فكمّ المشروعات المنفذة يشير إلى جدية النظام وإصراره على مسابقة الزمن رغم أزمات النظام السياسية والأمنية والاقتصادية الخانقة.

تحول اهتمام النظام القائم بالمشروعات القومية من مجرد مشروعات ضمن خطة تنموية شاملة إلى سعي حثيث لتحقيق مجد ما أو إنجاز ما مهما كلّفه الأمر؛ فمع اقتراب موعد انتخابات الرئاسة منتصف 2018، يتسابق النظام وأجهزته المختلفة مع الزمن من أجل تحقيق أي إنجاز على الأرض ينقذه ونخبته من براثن الإطاحة والسقوط.

يأتي إعلان النظام افتتاح مشروع «الماسة كابيتال»، المشروع الأول بالعاصمة الإدارية، بالتزامن مع احتفالات أكتوبر، محاولة للربط بذلك بين نصر أكتوبر وبين العاصمة الإدارية كإنجاز جديد.


الماسة كابيتال: منتجع الجيش المفضل

في غضون عامين من بدء أعمال الإنشاءات بالمنطقة المحدّدة لإقامة «الماسة كابيتال»، وتحديدا في يناير/كانون الثاني 2016، سارعت القوات المسلحة إلى وضع وتنفيذ أول المشروعات بها التي تُمثل أهميةً وثقلًا بالنسبة للقوات المسلحة داخل العاصمة. فعلى غرار ما تم تنفيذه «بمدينة نصر»، تم تأسيس «الماسة كابيتال» التي تضم عددًا من المنشآت الكبرى المسوّرة على شكل مثلث على مساحة تقارب الثمانين فدانًا (80 فدانا)، وتمثل منتجعًا سياحيًا على أحدث طراز إنشائي. ومن المتوقع أن تكون «الماسة كابيتال» مملوكة لهيئة الشئون المالية للقوات المسلحة صاحبة فندق الماسة بمدينة نصر.

تحاط الماسة كابيتال منذ بدء عمليات الإنشاء بشيء من الحيطة والحذر، فهي منطقة ممنوع فيها التصوير بحجة أنها منطقة عسكرية، ويكتنفها حظر إعلامي شديد، ولم يتوافر حولها أي معلومات غير البيانات الرسمية، وليس أدل على ذلك من التكتيم والحظر الإعلامي حول عمليات الإنشاء وتكلفة إنشاء الماسة كابيتال ومنهجية العمل داخلها. وفي أجواء الحظر لن تحظى بمعلومة إلا على استحياء من خلال بعض الأفراد من جيش العاملين بالماسة.

الماسة ليست مجرد فندق، بل حصنا ومنتجعا سياحيا لقيادات المؤسسة العسكرية بعيدا عن فوضى القاهرة التي شهدتها عقب الربيع العربي.

تضم «الماسة كابيتال» فندق الماسة كتحفة معمارية على غرار فندق الماسة بمدينة نصر، وكذلك سكنا فندقيا للعاملين بـ «الماسة كابيتال»، بالإضافة إلى المسجد الذي يمتاز بعصرية التصميم وخاصة فيي مئذنته، بالإضافة إلى ما يقارب 10 فيلات على أحدث طراز فني ومعماري لاستقبال الوفود، وكذلك عددًا من المحلات التجارية ومولًا تجاريًا به 6 سينمات مختلفة المساحة والتصميم، ناهيك عن عدد من المنشآت الترفيهية في إطار مبنى النادي الاجتماعي، ويضاف إلى ذلك عدد من النافورات الراقصة وحمامات السباحة. وتأتي قاعة الاجتماعات الكبرى صاحبة القبة الخرسانية الأكبر في الشرق الأوسط لتمثل جوهر المشروع، حيث إنها تحتوي على عدد من قاعات الاجتماعات والأفراح والمسرح.

يكتسب المشروع زخمًا كبيرًا في الأوساط الرسمية والمؤسسة العسكرية لما يمثله من مركز لقيادة المؤسسة العسكرية لمشروع العاصمة الإدارية الجديدة والمشروعات الأخرى التابعة للمؤسسة بالعاصمة، وحصن لقيادات المؤسسة بعيدًا عن فوضى القاهرة التي شهدتها في أعقاب الربيع العربي؛ كما أن «الماسة» تقع بمنطقة الحكم التي تضم مباني الأوبرا التي سيتم البدء في أعمالها خلال الشهر الجاري. كذلك مباني مجلس النواب الذي من المتوقع أن يشمل قاعة تتسع لأكثر من 1000 عضو بمكاتب منفردة. كذلك يتوسط منطقة الحكم حي الوزارات ومقار المخابرات ووزراة الدفاع والقصر الرئاسي والكيان الحربي؛ وجميعها تحت الإنشاء، حيث تم البدء في أعمال تأسيسها مع بدء العام الحالي.

وتُسند مهمة الإنشاءات بالماسة إلى أكثر من 28 شركة مصرية كمقاول أساسي في مختلف المجالات، على رأسها: أوراسكوم، أبناء حسن علام، كونكورد، المكتب المصري، كونكريت بلس، لاند ماستر، ميديكوم… بالإضافة إلى عشرات الشركات المختصة من الباطن، والتي لها علاقات خاصة بالقوات المسلحة.


رغم التدهور: لماذا العاصمة الآن؟

لم تعد العاصمة الإدارية الجديدة مجرد مشروع قومي نهضوي يسعى النظام القائم إلى تنفيذه من أجل تخفيف العبء عن العاصمة القديمة على أسس معاصرة، بل أضحت مسألة وجود وبقاء للنظام لا يمكن الاستغناء عنها في ضوء سياقات اقتصادية متدهورة واجتماعية مفككة. يراهن النظام على المشروع للحفاظ على شرعيته التي بدأت تتآكل في أعقاب فشل إدارته للملف السياسي والاقتصادي بالبلاد.

في أعقاب السخط المجتمعي لفشل مشروع قناة السويس، وبيع جزيرتي تيران وصنافير، والتعثر في مواجهة الإرهاب، وضعف مؤشرات النمو الاقتصادي، وارتفاع تكلفة قرض صندوق النقد الدولي الاجتماعية، يراهن النظام على أن تكون العاصمة الإدارية شرق القاهرة جزءًا أساسيًا من دعايته الانتخابية في المرحلة القادمة، بالإضافة إلى المشروعات الأخرى في جبل الجلالة والعلمين، والمشروعات الأخرى التي تتم في إطار تزامني، وفي إطار نوع من الحظر الإعلامي المؤقت حتى يحين انطلاق الدعاية الانتخابية.

حماية ودعم خيوط وشبكات البيزنس أيضا ليست ببعيدة عن تلك الأهداف، وذلك من خلال المضاربة العقارية، حيث إن النظام الحالي أسس قواعده السياسية والاجتماعية بدعم أكبر من رجال الأعمال في الداخل والخارج خاصة بعد 30 يونيو، حيث عمل الجيش على إعادة تشكيل شبكات المحسوبية التي كانت موجودة في عهد مبارك، ومن ثم تتقابل مصالح نخبة الأعمال مع طموح النظام في تحقيق قدر أكبر من الربح في ظل علاقات شبكية أكبر مع المؤسسة العسكرية التي باتت تدير الأوضاع الاقتصادية والاستثمارية أكثر من إدارتها للملف الأمني.


عسكر المدينة: من الفوضى الكلية إلى السيطرة الكلية

يدرك النظام الحالي حيوية دور شوارع القاهرة المتخمة والمجال العام في الإطاحة بنظام مبارك في 2011، ثم في الإطاحة بالرئيس الأسبق محمد مرسي بدعم من الجيش؛ ومن ثمّ يسعى النظام في تخطيطه للمدينة الجديدة التي تقام على منطقة ثكنات عسكرية أن تكون خالية من ميادين التحرير الثورية، حتى تكون حصنًا له ولنخبته تحجب عنه الانتفاضات الشعبية.

لهذا خطّط النظام أن تكون العاصمة تبعد كثيرًا عن مراكز تكدس الفقراء والمهمشين والعاطلين، كما أن بعض مشاريعها لا تقع على الطريق مباشرة ولكنها تبعد داخل الصحراء لأكثر من عدة كيلو مترات، كما يراعى تقسيم المدينة إلى أحياء مثل حي الوزارات ، الحي السكني، منطقة الحكم، مباني وزارة الدفاع، والمخابرات، الكيان الحربي، حي المال والأعمال؛ وهي متباعدة قليلا عن بعضها البعض. ناهيك عن إحاطة بعض المشروعات بسور خاص بها لارتفاعات متباينة، بالإضافة للتخطيط لوضع نظام السيطرة الأمني الحديث.

كل ما سبق يعمل على تقليل حاجة السلطات لاتخاذ الاحتياطات الأمنية القصوى كتلك التي يتخذها في وسط القاهرة، من إغلاق بعض الشوارع والمؤسسات أو إيقاف بعض وسائل المواصلات.


محاولة استنساخ مدينة نصر

إن إعادة قراءة بسيطة لتاريخ مصر الحديث يشير إلى أن النظام الحالي لم يأتِ بجديد فيما يخص بناء مراكز حضارية بديلة للقاهرة هربًا من الزيادة السكانية وتخفيفًا للعبء عن العاصمة القديمة، فيما تشابهت تجارب الأنظمة المتعاقبة في محاولة عزل الفقراء عن النخبة التي تقطن أحياء عصرية تتوافر فيها كل الامتيازات، وتحقق اكتفاء ذاتيًا ترفيهيًا بداخل أسوارها.

فقد كانت مدينة نصر (مدينة الثورة) أول تلك المراكز التي تم التخطيط لها لتكون عاصمة مصر الجديدة من قبل النظام العسكري فيما بعد توليه السلطة 1952، وسعى إلى تأسيس شرعيتها من خلال مشاريع البناء والتنمية في جميع أنحاء البلاد. وتتشابه سياقات ومخططات بناء مدينة نصر بنظيرتها الحالية من حيث كونها مخططة وفقًا لأحدث نظريات تخطيط المدن وتهدف إلى جذب السكان المتعلمين من الطبقة العليا والشرائح العليا من الطبقة الوسطى. وكان التخطيط الذي أعده المهندس سيد كريم في بداية الخمسينيات يتضمن نقلا للمراكز الإدارية إلى المدينة الجديدة، وتم تأسيس شركة مدينة نصر لإدارة تنفيذ المدينة الجديدة.

هدفت الشركة إلى توفير نموذج حضري جديد للتوسع الصحراوي وتوفير مقار حكومية جديدة وتوفير سكن للعاملين الحكوميين وتوفير المناطق السكنية المخدومة للاستئجار والملكية، وتوسيع البنية التحتية في الأراضي الصحراوية لكي يتم بيعها بسعر عادل، وهي إلى حد ما تتشابه مع أهداف واستراتيجيات شركة العاصمة الإدارية الجديدة التي أسسها النظام لتدير تأسيس العاصمة الجديدة.

كما تتشابه منهجية بناء العاصمة الإدارية الجديدة مع نظيراتها السابقة كمدينة نصر من حيث حضور المؤسسة العسكرية ومنشآتها ضمن أول المشروعات المنفذة في التخطيط للمدينة. ففي العاصمة، يتم بناء «الكيان الحربي الأكبر الذي لا يعلم الكثير تفاصيل عنه نتيجة للحظر الإعلامي المفروض على الأعمال بالعاصمة، وهو يمتد عبر محور طريق السخنة والإقليمي، ويمتد سوره لمسافة نحو 8- 9 دقائق إذا كنت تسير بسرعة 120 كم/س، وكذلك مشروع الماسة كابيتال، ومشروع وزارة الدفاع ومباني المخابرات».

ومع مرور الزمن ومع الزحف الهادئ لأبناء الشرائح العليا من الطبقة الدنيا وشرائح الطبقة الوسطى المتربحة من سياسات الانفتاح الاقتصادي، تحولت مدينة نصر إلى فوضى سكانية وازدحام أكبر، مما يفسر رغبة القوات المسلحة في إيجاد مركز بديل لمؤسساتها بالعاصمة الجديدة. يبقى الاختلاف الوحيد بين عاصمة ناصر والسيسي أن عاصمة السيسي مزمع إقامتها على مساحة 160 ألف فدان بما يعادل ثلاثة أضعاف مساحة سنغافورة.


مدينة السادات: حينما يسيطر المجد الموهوم

تحولت مدينة نصر إلى فوضى سكانية وازدحام أكبر؛ مما يفسر رغبة القوات المسلحة في إيجاد مركز بديل لمؤسساتها بالعاصمة الجديدة

في أسئلته عن العاصمة الإدارية يرى الأستاذ فهمي هويدي أن فكرة طرح العاصمة الجديدة يعود لأكثر من أربعين عامًا حينما سعى السادات إلى إنشاء عاصمة جديدة تحمل اسمه هي مدينة السادات 1976، لكن الفكرة أجهضت حينذاك وأصبحت مدينة السادات تجمعًا سكنيًا عاديًا على هامش التاريخ، وما إن أتت حكومة نظيف حتى أرسلت في 2007 خطابًا إلى مجلس الشورى بخصوص إقامة عاصمة جديدة، لكن المشروع لم يرَ النور وتأجّل حتى تم طرحه مرة أخرى في عام 2010 في إطار مخطط «مصر 2050»، ولكن المشروع لم ير النور حتى إعادة حكومة محلب تبني نفس الفكرة.

في النهاية، فإن ثمة شييء سيُبنى، وثمّ إنجاز عمراني جديد سيحقَّق، لكن تظل بعض الأسئلة حائرة في غيابات التيه والتخبط

يُذكر أن نظام مبارك قد اعتمد بشكل أساسي في استراتيجيته التطويرية على بناء المجتمعات العمرانية في الظهير الصحراوي للعديد من المحافظات. فقد عملت هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة على مدى السنوات الماضية على تأسيس 31 مدينة عمرانية جديدة. وقد ذهب خالد فهمي في تفكيكه لثمن بناء العاصمة الجديدة إلى أن المشروعات العمرانية الجديدة حول القاهرة سعت إلى جذب حوالي 11% من سكان القاهرة الكبرى، غير أن هذه المدن التي توسعت حتى أضحت تغطي نسبة 39% من مساحة المدينة، إلا أنها لم تستطع أن تجذب أكثر من 4% من سكان القاهرة الكبرى، وهنا يرى فهمي أن المعضلة ليست في الزيادة السكانية بقدر ما هي مسألة وأزمة سياسية وإدارية في ظل غياب الرقابة والمساءلة.

في النهاية فإن ثمّ شيئا سيُبنى، وثمّ إنجاز عمراني جديد سيحقَّق، ولكن تظل بعض الأسئلة حائرة في غيابات التيه والتخبط، فإلى أي مدى سيذهب النظام لاستكمال عاصمته في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية الطاحنة؟ وفي ظل الغموض الشديد حول مصادر تمويل مشروع العاصمة، إلى أي مدى سيضمن النظام استمرار تدفق السيولة النقدية لاستمرار هذا المشروع؟ وهل يضمن النظام بعد هذه التكلفة ألا تتحول العاصمة الجديدة إلى مدينة نصر جديدة أو سادات؟

إن القارئ لتاريخ الاستبداد الشرقي منذ فجر تاريخه يرى أن مفهوم الحداثة والتطور والتقدم الحضاري لا يقبع إلا في بناء مدن وحصون بدلا من بناء روح المجتمعات.