لطالما كان العجز في الديمقراطية بمصر ينتج عجزًا في الموازنة العامة بسبب ضعف الإيرادات الضريبية.

بهذه العبارة البديعة يستهل كتاب (الضرائب.. مصلحة من؟ قراءة في الاقتصاد السياسي للضرائب بمصر) الصادر عن دار المرايا، آخر عام 2019، لستة من الكتاب المتميزين.

الكتاب البديع والثري معلوماتيًا، والذي يتجلى فيه الجهد المبذول في جمع المعلومات وإثرائها بالتحليل والمعالجة، يناقش الوضع الضريبي ومشاكله في مصر، من حيث صغر الحصيلة الضريبية، والخلل في منظومة الضرائب، ودور جماعات المصالح المحلية والمؤسسات الدولية في خلق هذا الهيكل الضريبي المعتل.

يمثل خلل الهيكل الضريبي وضعف الحصيلة الضريبية المصرية، التي لا تتجاوز 15% من الناتج الإجمالي، سببًا أساسيًا في تدهور الأداء الحكومي وفشل الدولة في حشد الموارد الكافية لتحقيق التنمية، إذ أن هذه النسبة الضئيلة وفقًا للاقتصادي الفرنسي الشهير توما بيكيتي «لا تمكن الدولة من القيام بأكثر من الوظائف السيادية التقليدية، تاركة فقط الفتات للإنفاق على التعليم والصحة».

طريق الضرائب المتعثر

بداية فرض ضرائب حديثة بشكل جدي في مصر كان مع تراكم الديون في عهد الخديوي إسماعيل، حيث تركز فرض الضرائب على الأراضي الزراعية أو (الأطيان)، وفي 1939 صدر قانون ضريبة الدخل لتتزايد أهميتها تدريجيًا على حساب ضريبة الأطيان، مع التطور في الهيكل الاقتصادي المصري، وفي ذات الوقت تم تأسيس مصلحة الضرائب. وعبر السنوات، ومن خلال البرلمان المصري ارتفعت ضريبة الدخل بشكل تصاعدي لتصل إلى 80% من دخل الشريحة الأكثر ثراء في عام 1952.

وبالتوازي مع ضريبة الدخل أقرت الحكومة ضريبة التركات التي تزايدت إلى أن بلغت 40% من إجمالي التركة في 1960 لتصدر الأهرام طبعتها بمانشيت «الاشتركية بالضرائب».

لم يكن هذا نمطًا خاصًا بمصر أو الدول الاشتراكية في ذلك الوقت، فحتى الولايات المتحدة تحت رئاسة روزفلت ارتفعت نسبة الضريبة على الدخل فيها لتصل إلى 90% من دخل الشريحة الأعلى.

تطور النظام الضريبي المصري إذن كان متماشيًا مع التطور في النظام الضريبي العالمي، من ضرائب ما بعد الحرب العالمية الثانية المرتفعة، التي تهدف إلى إعادة توزيع الدخل وإلى توفير التمويل الكافي لدور فعال للدولة في الاقتصاد، إلى عالم النيوليبرالية حيث يتراجع دور الدولة لحساب الشركة ومن ثم تتقلص الضريبة لحساب محفزات الاستثمار، الأمر الذي تجلى في الإعفاءات الضريبية المتزايدة منذ انفتاح السادات في 1974 وطوال حكم مبارك حتى صدور قانون 2005.

قانون ضرائب 2005 الذي فرض على الشركات ضريبة موحدة بـ 20%، والتي هي ذاتها النسبة التي تدفعها الشريحة الأكثر ثراء، كتب نهاية للطبيعة التوزيعية للضريبة إذ استهدف وزير المالية السابق يوسف بطرس غالي زيادة الموارد الضريبية لسد لعجز والديون المتزايدة دون الاهتمام بتحقيق العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الدخل ضمن المجتمع، تاركًا الأبواب مواربة لتسلل الفساد من خلال رجال الأعمال الأثرياء في البرلمان وخارجه.

هل يدفع الكبار الضرائب؟

لا تمثل الضرائب على الشركات الخاصة سوى ربع القيمة الإجمالية لحصيلة الضرائب على الدخول والأرباح، الأمر الذي يعود في جانب كبير منه إلى التجنب الضريبي، عبر الملاذات الضريبية في جزر كايمن والجزر العذراء وسواها، الذي تشارك فيه قرابة نصف الشركات العاملة في مصر، إذ يؤدي التلاعب في تسعير المعاملات الدولية إلى خسارة عوائد ضريبية تقدر بحوالي 10 مليارات جنيه سنويًا وفقًا لتقديرات عمرو المنير نائب وزير المالية السابق لشؤون الضرائب.

يقوم التجنب الضريبي على محاولات الالتفاف حول القانون بصورة تؤدي إلى خسارة مليارات الجنيهات من أموال الضرائب سنويًا، ففي عام 2007 وحده خسرت مصر 14.4 مليار جنيه من العوائد الضريبية من خلال التجنب الضريبي الذي مارسته شركة واحدة هي أوراسكوم للإنشاء، عبر بيعها لأسهمها في شركة الأسمنت التي تملكها لشركة لافارج الفرنسية من خلال البورصة.

ورغم أن هذه الواقعة كانت أحد الأسباب المهمة لتعديل قانون ضريبة الدخل عام 2014، لمنع هذا النمط من ممارسات التجنب الضريبي، فإن السلطة عادت ورضخت لضغوط رجال الأعمال فجمدت الضريبة على تعاملات البورصة.

كذلك نتيجة لحاجة مصر لاستخراج النفط من أراضيها واستخدامه، محليًا أو بالتصدير، وضعف الإمكانات التقنية لديها، اضطرت الحكومة للرضوخ لإملاءات شركات التنقيب، الأجنبية في معظمها، وإعفائها من سداد ضريبة الدخل على أن تتحملها الهيئة العامة للبترول.

مثل الفساد ودور رجال الأعمال في منظومة الحكم سببًا مستمرًا لتراجع وتهميش الضريبة على الدخل، سواء عند تشريع القوانين أو عند تطبيقها.

إلى جانب ذلك يرجع الباحثون أسباب فشل تطبيق الضرائب التوزيعية (الضرائب على الثروة والدخل)، وعدم تطور الجهاز الضريبي المصري، إلى ثلاثة عوامل هم توافر الإيراد الريعي للدولة ممثلًا في عوائد النفط وقناة السويس والمساعدات، ولجوء الحكومة إلى الديون كبديل سهل للتمويل، وغياب الديمقراطية والمساءلة الأمر الذي يمثل عالميًا أحد أهم الأسباب التي تدفع المواطنين للتهرب الضريبي.

كما يرى الباحث محمد جاد أن ارتباط الدولة، عبر الحجم الضخم للديون، بمؤسسات التمويل الدولية عزز من مفهوم الطبيعة المالية للضرائب على حساب الطبيعة الاقتصادية، حيث أصبح الهم الأكبر لزيادة الحصيلة الضريبية هو سد عجز الموازنة وخدمة الدين، وليس توفير التمويل الكافي لبرامج التنمية والتضامن الاجتماعي.

أصحاب المهن الحرة في مواجهة الحكومة

الضرائب على الدخل هي الأصعب في التحصيل لأن الدخل أقل شفافية من الأملاك أو أنماط الاستهلاك لذلك تتطلب الضرائب على الدخل الحد الأدنى من التوافق بين المجتمع و الدولة.
سامر سليمان، النظام القوي والدولة الضعيفة

سعت الدولة المصرية خلال السنوات الماضية إلى الاهتمام بضريبة الدخل على أصحاب المهن الحرة، كالأطباء والمحامين والمهندسين، أولًا، في سعي منها لزيادة الحصيلة الضريبية، وثانيًا، لانتشار التهرب الضريبي داخل قطاع المهن الحرة، نظرًا لطبيعة عملهم التي لا تفرض عليهم التقيد بمكان محدد ولتكلفة وصعوبة تعيين محاسب متخصص.

بدأت مساعي الحكومة لمنع تهرب أصحاب المهن الحرة عبر قانون إقرار الثروة سنة 1981، والذي يرصد التغير في ثروات الأفراد كمؤشر لدخلهم الحقيقي.

إلا أن عبء الفحص الضريبي الشامل، لكافة الإقرارات الضريبية وإقرارات الثروة، دفع الحكومة في قانون 2005 لاستبداله بالفحص بالعينة، الذي يعتمد على بناء نوع من الثقة في الإقرارات التي يقدمها أصحاب المهن الحرة.

ومع ذلك ظل الصدام والسعي للتهرب من الضريبة سيد الموقف. يعود ذلك في جزء كبير منه لمساعي الحكومة المصرية الدؤوبة والدائمة للسيطرة على النقابات، الأمر الذي أدى إلى تآكل الدور التفاوضي لها.

يقوم دور النقابات على تمثيل مصالح منتسبيها في التفاوض مع الدولة، بغرض الوصول لحلول وسط تحقق مصالح الطرفين ويلتزم كل منهما بها، وهو ما ينطبق عليه تمامًا وصف سامر سليمان بـ «الحد الأدنى من التوافق بين المجتمع و الدولة الذي تتطلبه ضريبة الدخل».

في المقابل أدى فرض الدولة لسيطرتها على النقابات، لأغراض سياسية، إلى غياب هذا التوافق عند تحديد ضريبة الدخل وطرق أدائها.

فعند مراجعة الهيكل الضريبي نجد أن تصاعدية الضريبة فيه تستهدف بالأساس الطبقة الوسطى العليا، التي يمثل أصحاب المهن الحرة عمادها، لا الطبقات الأكثر ثراء التي يمثل مصالحها أعضاء البرلمان والحكومة والحزب الحاكم من رجال الأعمال.

وجدت طبقة المهن الحرة نفسها مظلومة ومطالبة بأداء نفس نسبة الضريبة التي يؤديها أناس لهم أضعاف ثروتهم. وبينما يتمتع كبار رجال الأعمال بمحفزات الاستثمار والإعفاءات الضريبية والإنفاق الحكومي على الطرق والبنية التحتية، لا يرى أصحاب المهن الحرة عوائد ضرائبهم، إذ يضطر غالبيتهم إلى اللجوء للمدارس والمستشفيات الخاصة لتلقي خدمات الصحة والتعليم، بسبب عدم وفاء الدولة بالنسب التي نص عليها الدستور للإنفاق على الخدمات الاجتماعية.

الضرائب العقارية

يعكس قانون الضرائب العقارية الصادر في 2008، على مستوى التشريع والتطبيق، قدرة جماعات المصالح على تنظيم نفسها، لكي تجعل يد العدالة الضريبية مقيدة بقدر الإمكان عن الاقتطاع من ثرواتها.

ابتداء عن طريق تحديد الضريبة بالاستناد إلى القيمة الإيجارية لا السوقية، ثم حظر زيادة هذه القيمة بأكثر من 30% كل 5 سنوات، باعتبار أن القيمة الإيجارية لا تزيد سنويا بأكثر من 6%، وهذا خلاف الواقع في مصر خلال العقد الماضي، حيث كانت الزيادة السنوية في القيمة الإيجارية نحو 10%، بخلاف سنة التعويم الذي بلغ متوسط الزيادة فيها 35%.

أضف إلى ذلك فتح باب الاستثناءات والإعفاءات، مثل إعفاءات المناطق الحرة، والفنادق التي تقل نسبة الإشغال فيها عن 50%، وإعفاء الأراضي الخلاء غير المستغلة، ولو كانت داخل حدود المصانع والمنشآت الاستثمارية، مهما اتسع حجمها.

تمثل الضريبة العقارية دليلًا على أنه ليس بالإمكان فصل الضريبة عن أهدافها. كان من المفترض أن تحد الضريبة من ظاهرة الشقق المغلقة وأن تساهم في إتاحتها للسكن وخفض أسعار الإيجارات، بجانب الحد من استغلال العقار كمخزن للثروة والمضاربة (ما يعرف بتسقيع الشقق والأراضي)، ومن ثم إتاحة هذه الثروات وتوجيهها للنشاط الاقتصادي المنتج.

لكن الواقع يثبت أن القانون فشل في كلا الجانبين، حيث ازداد عدد الوحدات المغلقة ليبلغ 4 ملايين وحدة في 2017 بنسبة تقارب 10% من الوحدات المبنية، بخلاف الملايين من قطع الأراضي الخلاء المسورة، وفي نفس الوقت لم تحقق عوائد الضرائب العقارية سوى رقم هامشي، لا يتجاوز 1% من إجمالي العوائد الضريبية.

ضرائب المبيعات والقيمة المضافة

مع انتشار سياسات التجارة الحرة والنيوليبرالية دعا صندوق النقد الدول النامية إلى الاعتماد على ضرائب النشاط الاستهلاكي كبديل لتعويض الموارد التي ستفقدها جراء خفض وإلغاء الضرائب الجمركية، وهو الأمر الذي بينت الدراسات الاقتصادية فشله، رغم الزيادة المستمرة في حجم الضرائب على المبيعات.

تعد ضريبة المبيعات من الضرائب غير المباشرة، التي تنحاز بطبيعتها ضد العدالة الاجتماعية، إذ يقع عبؤها بصورة أكبر على الفقراء الذين ينفقون معظم دخلهم في شراء احتياجاتهم من السلع، تنفق الشريحة الأكثر فقرًا في مصر نصف دخلها لتأمين الطعام والشراب، في مقابل الأثرياء الذين لا يمثل الإنفاق إلا جزءًا صغيرًا من مصارف دخلهم.

وتمثل الضرائب على السلع والخدمات أكثر من نصف الإيرادات الضريبية في مصر، في حين تشكل نحو 20% فقط من إيرادات الضرائب في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD الأكثر تقدمًا، والتي تمثل ضريبة الدخل الضريبة الأهم فيها.

يعود ذلك في جزء كبير منه لأسباب متعلقة بهيكل الاقتصاد المصري الذي يمثل القطاع غير الرسمي فيه قرابة 50% من الناتج الإجمالي، بالإضافة إلى ضعف كفاءة المؤسسة الضريبية، التي يشتكي العاملون فيها من ضعف التدريب، وعدم القدرة على الحصول على بيانات دقيقة.

الأمر الذي دفع الدولة، بجانب ضغط رجال الأعمال والتماشي مع توصيات صندوق النقد، إلى تقليص ضرائب الدخل وإلغاء ضريبة التركات لصالح زيادة الضرائب غير المباشرة الأسهل في الجباية.

لا يكتفي الكتاب بطرح تحليل للهيكل الضريبي المصري وأسباب اختلاله فحسب، بل يضم أيضًا إضافة ثرية في الفصل الذي يناقش أحوال موظفي الضرائب المصرية الذين هم عماد المنظومة، وكيف يؤثر نقص التدريب، وضعف الرواتب، وتزايد سن العاملين في تقييد أيدي المنظومة الضريبية المصرية وإنهاكها.