كرة القدم ، اللعبة التي حشدت وراءها جيوشًا من المشجعين يشدون الرحّال أينما تذهب الفرق من مدينة إلى مدينة ومن دولة إلى دولة، وأحيانا يكون الترحال عابرًا للقارات .

وقد أصبحت كالميقات فلأجلها تتبدل المواعيد، وتؤجل الأعمال وتتوقف على ما ستئول إليه نتائج المباراة من فوز أو خسارة ، والأكثر من ذلك أنها تمثل ملاذًا لعشاقها في أوقات الحزن، فوحدها تقدر على تخليصهم من شدة السوء المسيطر ولو لساعات قليلة لاحقة للفوز .

قد تمر هذه المشاعر المركبة على البعض مرور الكرام، وقد تُستنكر أو تُنتقد في بعض الأحيان، لكنها في النهاية حازت اهتمام الباحثين وحاولوا تفسيرها بشكل منهجي.


هؤلاء هم «نحن»

شيء بداخلنا يدفعنا إلى أن نكون جزءا من محيط أكبر، إلى أن ننتمي لمكان، فكرة، حزب أو فريق وعند الاختيار سنميل غالبا إلى ما يشبهنا ونجد فيه ما هو مشترك بيننا وبين أفراده.

يعرض الاجتماعي الأمريكي «ليون فستنجر» هذا الرأي في نظريته «المقارنة الاجتماعية» والتي بنى عليها «هنري تاجفيل» و«ترنر» نظريتهما بخصوص «الهوية الاجتماعية» وهي ما يُرجع إليه غالبا لإيجاد تفسير لفكرة «الانتماء الرياضي».

تفترض نظرية «الهوية الاجتماعية» أن الافراد يلجئون لعضوية المجموعات أو أن يكونوا جزءًا من حشد لما في ذلك من دعم لشخصيتهم، وهويتهم الجماعية ويتطلب هذا التكوين رابطًا ما قد يكون حقيقيا أو رمزيا، لكن وجوده أمر حتمي لجمع الأفراد وتنظيم العلاقة بينهم.

في حشود الكرة ستحصل على كافة مزايا الحشد دون متطلبات معقدة أو شروط صعب الوفاء بها، ونرى انعكاس ذلك على صفوف المشجعين التي تضم فئات شديدة التفاوت والاختلاف في القوة والضعف، والمكانة الاجتماعية ينتمي إليها الكبار، الصغار، الفقراء، الأغنياء، من تعرفهم الملاعب، وكذلك مشجعي المقاهي والشاشات.

لا عليك سوى أن تختار أيا من الفرق ستشجع وبعدها فمرحبا بك في حشده الكبير ومع صافرة البداية سيتحول هذا الحشد الذي لا يربطه سوى الفريق إلى وحدة واحدة تتفاعل معا، يتشاركون الانفعالات، التوتر، فرحة النصر، أو تجرع مرارة الهزيمة.


البداية عند الثامنة

أطفال يلعبون كرة القدم

يرجع تكون «هوية» ترتبط بفريق ما إلى أمرين أساسيين:

– الأول: يعتمد على الفرد ودائرة علاقاته ووسطه الاجتماعي ويُرجع البروفسور جيفري جيمس -أستاذ قسم إدارة الرياضة بجامعة فلوريدا- البداية إلى سن الثامنة، فحين يصل الطفل لمرحلة من التطور الإدراكي تمكنه من تكوين ارتباط ممتد أو طويل المدى يبدأ ارتباطه بلعبة معينة غالبا ما تتميز بحضور مكثف في مجتمعه، تغطيها وسائل الإعلام بصورة منتظمة، يمارسها مع أقرانه في المدرسة أو الشارع أو محيطه الاجتماعي.

وبالطبع للعبة حضور قوي في المنزل فغالبا ما يحرص الآباء على إشراك أبنائهم معهم في سن مبكرة – خاصة الذكور- عند مشاهدة مباريات فريقهم المفضل، وإذا كان الأب من مشجعي الملاعب فغالبا سيخوض الطفل تجربة التواجد في الاستاد مرات عدة، أما بالنسبة للإناث فغالبا ما يقتصر الأمر على مشاهدتهم المباريات مع عائلتهم أو أصدقائهم دون تكوين علاقة مباشرة باللعبة من خلال ممارستها مثلا.

– أما الأمر الثاني، فيرتبط بالفريق نفسه وغالبا ما يحدث بشكل لا واعي يتمثل في الانجذاب لشعار فريق معين، الألوان التي يستخدمها، أو اسم الفريق واللوغو الخاص به ولا يجب أن نغفل العامل التسويقي الذي يشكل دورا أساسيا للتحفيز على الاختيار، فالسوق ممتلئة بالقمصان، والملابس التي تحمل لوغوهات الفرق الكبرى، أرقام اللاعبين البارزين، والأساور وبالتالي فعليك أن تقرر مسبقا أي الفرق ستشجع لتشتري أحد هذه المنتجات وتكون جديرًا بارتدائها .


سنظل أوفياء

من الأمور اللافتة للنظر في مجتمع المشجعين عموما تلك الإشارة إلى «نحن» وهذا المكون المشترك الناتج عن وضع اللاعبين والمشجعين في كيان واحد بشكل لا واعي فيُقال فزنا، تأهلنا، وما شابه.

يرجع التفسير الأشهر لهذه الظاهرة إلى «نظرية المجد المنعكس»،فعندما يؤدي الفريق بشكل جيد تشعر بنوع من الرضا والفخر الذاتي فأنت جزء من هذا الحدث، فالفريق هو امتداد لك، وبالتالي فهذا الإنجاز يُنسب إليك ويضاف إلى رصيد انتصاراتك. حيثيخرج الناس في ليلة النصر أو صبيحته للاحتفال مرتدين قمصان الفريق، رافعين شاراته وأعلامه شاعرين بالزهو.

وقد يشاركهم الاحتفال بعض من قليلي الحماس أو المشجعين غير الدائمين – المصنفين من قبل البعض على أنهم مشجعون مزيفون – فهم لا يظهرون إلا في أوقات النصر ولا يشاركوهم سوى الاحتفالات ويتركون الفريق في عثراته وهزائمه لتظهر نظرية أخرى تفسر هذه الظاهرة والتي تعرف بـ«الانقطاع عن الفشل المنعكس».

تتزامن هذه الظاهرة مع الهزائم الكبيرة للفرق، وعندها تختفي أي أشارة لمعنى «نحن» في الحديث، فالخاسر هو الفريق وليس نحن من هُزم، كذلك لن ترى أي ظهور لشارات الفريق، لن تجد منهم من يرتدي قميصه صبيحة الهزيمة، وقد يصل الأمر حد الانقطاع عن الحديث عما حدث ليلتها.

على النقيض يكون تصرف المشجع الحقيقي – كما يصفونه – فتراه يرتدي قميصه ولا ينزعه، وقد يتحدث عن الهزيمة حتى وإن انتقد، ولعن المتسبب فيها، لكنه سيرى في ذلك اختبارا لمبادئه وصبره، فهذا مما يتوجب عليه فعله فهو ينتمي دائما إلى هناك في السراء والضراء.

الشعور هنا مغاير تماما لكلا الشعورين :«الهزيمة والنصر»، شعور آخر بالرضا عن النفس مرتبط برؤيته عن المبادئ المثلى والوفاء والذي لا يرتبط بعدد الأهداف المسجلة في مربع النتائج.

هناك تسمية أخرى تعبر عن المشجع الحقيقي والمزيف تستخدم كلمتي «المشجع» و«المشاهد» وتُرجع هذا الاختلاف إلى التفاوت في درجات الشغف ومدى تعلق الأفراد بالفريق واستحواذه على مشاعرهم.

ويظهر ذلك في سلوك كل منهم، فالمشجع مثلا يكرس جزءا من يومه للفريق أو البطولة المنعقدة في هذه الفترة والتي ينافس عليها الفريق ويهتم بها، بينما المشاهد لا يمثل الأمر بالنسبة له أكثر من المباراة التي ستُلعب والتي غالبا ما سينتهي أمرها بانتهائها دون استهلاك قدر كبير من المشاعر.


«متقاطعش»

من الظواهر الملموسة بشكل واضح عند المشجعين «ظاهرة التطير» أو بطريقة أخرى تنبؤهم بما سيحدث اعتمادا على حدوث مصادفات وليس على دلائل منطقية أو عقلانية، يشعر المشجع أنه جزء من الأمر بطريقة ما، فيرى في دعمه للفريق وحضوره للمباريات تأثيرا على مجريات اللعب، ويصل الأمر إلى الصلاة والدعاء من أجل الفوز فهو بذلك يؤدي دوره الذي قد يؤثر في نتائج المباراة وأداء اللعب.

يشعر المشجع أنه جزء من الأمر بطريقة ما فيرى في دعمه للفريق وحضوره للمباريات تأثيرا على مجريات اللعب ويصل الأمر إلى الصلاة والدعاء من أجل الفوز.

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد بل يتخذ شكلا من أشكال الطقوس، فيرى في اتباعه لبعض العادات أو الأفعال التي قام بها من قبل وصادف معها إحراز الفريق نصرا شيئًا باعثا للأمل يتوجب عليه القيام به في كل مرة ليؤدي دوره في تحقيق النصر.

وكذا في انقطاعه عن الأفعال التي تصادف معها خسارة للفريق مساهمة منه في إبعاد الهزيمة عن فريقه. فيهجر بعض الأماكن مثلاً، ولا يرتدي زيا معينا لأن ذلك شؤما على فريقه، لهذا نرى مثلًا في دعايا الشركات الآن والتي تتزامن مع تصفيات المونديال شعارات كـ«يلا نفك النحس» و«متقاطعش».

أسهمت مواقع التواصل الاجتماعي في التقريب بين اللاعبين والجماهير، فلم يعد اللاعب مجرد مؤدٍ في الملعب كل ما تعرفه عنه مركزه، رقم قميصه ومهاراته في الأداء بل صارت الجماهير أكثر قربا منه تعرف أحداثه بشكل مستمر حتى تلك التي تتسم بالخصوصية الشديدة في بعض الأحيان، تتابع حساباته، تعلق على منشوراته وتتفاعل معه كما تنتظر منه رأيا واضحا يتفق مع أفكارهم.

تشكل نوع جديد من أنواع التقارب ورابطة جديدة بين المشجعين ولاعبي الفرق هذه الرابطة تمتد للفريق بالتبعية، في الوقت نفسه يسعى اللاعبون لإرضاء الجماهير من خلال تقديرهم لتواجدهم المستمر، ودعمهم للفريق، ومشاركتهم أحداثهم اليومية على حساباتهم الشخصية، وأحيانا يحرصون على أن يكون لهم دور اجتماعي كالقيام بزيارات للمستشفيات، والقيام بتبرعات وهكذا.


«مجتمع» الأولتراس

أطفال، كرة القدم

نتج عن الاستحواذ الشعوري والشغف الشديد للمشجعين تكوين مجتمعات مغلقة أكثر تنظيما، تجعل من نفسها كيانا يرتبط الأفراد به وينخرطون فيه بشدة له قواعده، ومصطلحاته، وهتافاته الحماسية وكذلك اللوغو الخاص به.

هنا نتحدث عن ظاهرة «الأولتراس» والأولتراس: هي كلمة الاتينية وتعني الشيء الفائق عن الحد، وتفسرها بعض القواميس بمعنى الجماعة المتطرفة، في إشارة إلى الحب الزائد من قبل أفراد الرابطة لناديهم.

في عام 1929 ظهرت أولى محاولات تأسيس روابط للمشجعين بعد أن قام مناصرو نادي «فرنسفاروش» بتأسيس رابطة لهم، واستخدموا مكتبا صغيرا كمقر للرابطة. وفي أربعينيات القرن الماضي كان أول ظهور حقيقي للأولتراس باسم «التورسيدا» في البرازيل وبعد ذلك انتقلت الفكرة مجددا لأوروبا والتي تفشت فيها ثقافة الأولتراس .

يُذكر أن أول ظهور عربي لروابط الأولتراس كان من نصيب «ألتراس دراجون» عام 1989 دعما لفريق الاتحاد الليبي والذي لم يستمر سوى أسبوعين فقط حيث تم حله نتيجة لقمع نظام القذافي، أما الظهور الثاني فقد كان من نصيب تونس عبر «الأفريكان وينرز» للنادي الأفريقي عام 1995، ثم توالت مجموعات الأولتراس في الظهور حتى وصلت مصر مع الوايت نايتس في مارس 2007، ثم أولتراس أهلاوي في أبريل من العام نفسه.

يتميز مجتمع الأولتراس عن مجتمع المشجعين العاديين فهو يتمتع بقدر كبير من الخصوصية والتنظيم، وبقواعده المتبعة في المباريات وبمقدساته وولاءاته فيميل إلى استخدام «البانر» أو «الباش» وهي قطعة من القماش تمثل أهمية قصوى عند المجموعة حيث يقضي قانون الأولتراس بحل المجموعة في حال سرقة الباش وتحويل أعضائها إلى «مشجعين عاديين». لذا فيتم إدخاله وإخراجه من الملعب بطقوس خاصة من قبل أفراد ذوي مكانة عالية في الرابطة حفاظًا عليه من السرقة.

كما يتميز الأولتراس بالولاء «للكورفا» وهو مكان مخصص لجلوس المجموعة ويتميز عادة بانخفاض أسعار التذاكر، كـ«التالتة شمال» أو الكورفا سود لا يتوقف الأمر عند ذلك فللأولتراس اتجاه فكري أو ما يُعرف «بعقلية الأولتراس» فهم يتخذون موقفا عدائيا من الميديا: لا يحب فرد الأولتراس الظهور في الإعلام فطاقته موجهة للفريق فقط.

إنهم ضد كرة القدم «الرأسمالية» والتي تجعل من كرة القدم سلعة أكثر منها رياضة جماهيرية وكثيرًا ما يشعرون بانعدام الود تجاه الشرطة، كما أن مجتمع الأولتراس يتميز عادةً باستقلاله المادي حيث يعتمد في تمويله على التمويل الذاتي، وبيع منتجاتهم كالتيشيرتات، والكوفيات، وأسطوانات الأغاني وغيرها.