محتوى مترجم
المصدر
Open Democrcy
التاريخ
2017/12/14
الكاتب
وائل إسكندر

تُرى كيف يجب أنّ يكون نقاشنا حول ما إذا كانت سياسات مصر لمواجهة الإرهاب قد ماتت فعليًا في 24 نوفمبر/تشرين الثاني، عندما شهدت مصر أحد أكثر الأعمال الإرهابية دموية.آنذاك، قُتل أكثر من 300 شخص داخل مسجد الروضة في قرية بئر العبد بسيناء وأُصيب عدة مئات على يد مجموعة من المسلحين. وقبل شهر من هذه الحادثة، نُصب كمينٌ لأكثر من 54 فردًا من قوات الأمن على بعد 135 كم جنوب غربي القاهرة، مما يُشير بوضوح لفشل سياسة مكافحة الإرهاب.وبالنظر إلى مدى كفاءة السياسات، توقع مبكرًا الكثير من المحللين هذا التردي للوضع الأمني في مصر. حاول البعض افتراض حُسن نوايا الحكومة المصرية والنظر إلى الإخفاقات السابقة باعتبارها مجرد تنفيذ سيّئ، لكن هذا النوع من النقاش انتهى الآن. فلم يُعد هناك شك أنّ سياسات مصر قد باءت بالفشل. مَثّل وعد السيسي باستخدام «القوة الوحشة» لإنهاء الأعمال الإرهابية في سيناء، مؤشرًا على أن القيادة الحالية لن يُثنيها عن مسارها أي مشورة سياسية. ورغم أن توقعات ما هو قادم تبدو قاتمة، لكن لا يزال هناك بعض الأسئلة الأخرى تُحيط بالعملية الأخيرة ولم تُحل بعد على نحوٍ قاطع.


القمع مقابل الأيديولوجيا

يبقى أحد أكثر الأسئلة استمرارًا في مصر (وبلدان أخرى بالشرق الأوسط) متركزًا حول ما إذا كان التطرف نتيجة للتدابير القمعية التي تتخذها الدولة روتينيًا أم أنّ العنف مُتأصل لا محالة داخل نسيج الأيديولوجيا الإسلامية.بعد هجوم مسجد الروضة وهجمات أخرى سابقة، ألقى البعض باللوم كله على الأيديولوجيا، مدعيًا أن هذه الأعمال العنيفة تُستقى من أفكار عنيفة مستمدة بدورها من آيات تحرض على العنف. مُفاد هذا الادعاء هو أنّ العنف نتيجة للأيديولوجيا والإسلامية منها على وجه الخصوص، بصرف النظر عن القمع. في حين زعم آخرون أنّ القمع يجنح بالناس نحو التطرف ويتسبب في ردود الأفعال العنيفة. بيد أنّ النقاش الذي يُركز على مسألة أيٍ من الجانبين يجب أنّ نلوم: الدولة أم الأيديولوجيا الإسلامية، يختزل كلاهما ولا يخرج برؤية دقيقة.إنَّ إلقاء اللوم على القمع يمكن مُحاججته بمدى وحجم العنف الناتج. فقد قُمِع كثيرون في جميع أنحاء العالم، لم يُنتج أحد هذه العشوائية على مستوى العنف والخطاب المُلازمة للمتطرفين الذين يدعون انتماءهم للإسلام. يبدو العنف فعل متطرف للغاية حتى نصفه ببساطة باعتباره مجرد رد فعل للقمع. إنَّ إلقاء اللوم على الأيديولوجيا الإسلامية وحدها لا يفسر الأمر تمامًا، لأن أغلبية المسلمين مسالمين، ولم تُنتج العديد من البلدان الإسلامية مثل هذه الجماعات المتطرفة.والواقع أنّ الأيديولوجيا لا تتطور أبدًا في فراغ، بل تعتمد إلى حدٍ كبيرٍ على السياق المحيط بها. فمن أجل نمو أعداد أي حركةٍ تتبع أيديولوجيا ما يجب مدها بأنصارٍ جدد، والقمع هو أبسط طريقة لخلق متطرف.في مصر، تفشى الفكر الوهابي المتطرف بما فيه الكفاية لاستيعاب مجندين جدد ممن يطمحون إلى تفعيل تطرفهم. ولتبسيط القضية، نقول إنَّ مشكلة مصر ليست مجرد قمع أو أيديولوجيا عنيفة، بل هي الطائفية والتعصب والعنف بالإضافة إلى الدعم غير الجاد من السلطة والظلم والوحشية. فبينما يمكن إلقاء اللوم على المتطرفين لأعمالهم العنيفة وقتلهم الأبرياء، لا يُمكننا لومهم على توفر الأرض الخصبة لضم مجندين جدد.في المقابل، يُمكننا بالتأكيد إلقاء كامل اللوم على الدولة جنبًا إلى جنب مع ثقافة العنف وعدم التحاور الجاد كطريقة لإدارة الأمور.


مسئولية الدولة

يُثار سؤال آخر كنتيجة مباشرة لمذبحة الروضة، وهو ما إذا كانت الدولة مسئولة عن هذا الحادث على وجه الخصوص؟وكيف يُمكن للدولة حماية أناسٍ يصلون في مسجد يوم الجمعة في ظل انتشار عدد كبير من المساجد في جميع أنحاء البلاد وقلة أفراد الأمن في المقابل؟ وقد طُرجت حُجة مشابهة في وقت سابقٍ عندما أُوقفت حافلة مليئة بالمسيحيين في طريقها نحو دير وأُعدم العديد من ركابها في مايو/آيار 2017.وبالنظر إلى كل الطرق الممتدة في مصر، كيف يُمكن تأمينها جميعًا؟ إلى جانب ذلك، لا يُمكننا دائمًا إلقاء اللوم على الدولة في كل شيء. كانت هذه هي الحُجة التي طرحها كثيرون بما في ذلك شخصية بارزة في مجال حقوق الإنسان.تُثير هذه الحجة التساؤل التالي: متى نقبل السياسات الفاشلة للدولة ومتى نتوقف عن مساءلتها؟ هل يُمكننا حقًا عزل حادثة مسجد الروضة عن السياق العام في شمال سيناء التي تتحمل الدولة المسئولية عنه؟ يُضاف إلى ذلك، أنّ داعش أصدرت تهديدات لسكان بلدة الروضة لانتمائهم للتصوف، ولم توفر الدولة حماية إضافية للمدينة.

كيف يُمكن للمرء ألا يلوم الدولة؟

فقبل أيامٍ من الحادث كان جهاز الأمن مشغولًا بشن حملة على نشطاءٍ في الأقصر واعتقال صاحب حساب ساخر على تويتر. كان ينبغي تخصيص هذه الموارد لتحديد هوية أولئك المتطرفين وإحباط خططهم بدلًا من القضاء على معارضة مدنية سلمية. لا تزال سياسات الدولة تفشل في التصدي للتطرف، وتوفر أرضًا خصبة مثالية للمتطرفين وثأرهم. لقد قلصت ما يبدو أنَّها سياسة مستمرة من عدم الاستثمار في تنمية شمال سيناء، فرص الناس ومواردهم. وقد تعرض عدد كبير من سكان سيناء لهجمات عشوائية من قبل الدولة وكذلك تعرضوا لعمليات إخلاء قسري.وفي الوقت نفسه، يصعب السيطرة على طبيعة الهجمات الإرهابية بسبب التحديات الطبيعية والجغرافية. لكن هل من الممكن إسقاط مسئولية الدولة عن هذه التحديات الأمنية؟ هل من الممكن النظر إلى الحوادث الإرهابية بمعزل عن السياق الذي تخلقه سياسات الدولة وإجراءاتها؟


فاشل أم متعمد؟

هل الفشل متعمد أم أنَّه نتيجة لعدم الكفاءة العامة المتفشية في المؤسسات المصرية؟ هذا أحد الأسئلة التي يُثيرها النقاش أيضًا وليس من السهل الإجابة عليه. وفي حين أن السياسات بعيدة كل البعد عن الكمال، يُرجح أيضًا أنّها لا تُنفذ بشكل فعال.يبدو واضحًا أنّ الممارسات الحالية تضر أكثر مما تنفع. هل من المحتمل أنّ المصريين في غفلة من هذا؟ أم أنّ كل مشاكلك تتحول ببساطة إلى مسامير عندما تكون المطرقة هي أداتك الوحيدة؟ تمتلك حُجة عدم الكفاءة وجاهة قوية، لأن قوات الأمن المصرية لم تُدرب جيدًا، وكثيرًا ما يلجأ كبار الضباط إلى خطاب نظرية المؤامرة، مثل حرب الجيل الرابع، لاستخدامها كبش فداء لفشلهم.ومن المعروف أيضًا على نطاق واسع أن عدم الكفاءة يتخلل جميع قطاعات الحكومة المصرية، والجيش والشرطة ليسا استثناءً. ومع ذلك، فإن قصد إبقاء حالة من الأزمات عندما يتعلق الأمر بالإرهاب لا يخلو من المزايا.إذ تعتمد ولاية السيسي على محاربة الإرهاب أكثر من اعتمادها على الانتخابات. وفي الوقت الذي كان فيه التطرف تهديدًا للعالم مع صعود تنظيم الدولة الإسلامية، سعد زعماء العالم بالتغاضي عن أي انتهاكات لأي حقوق في مقابل النيابة عنهم في محاربة المتطرفين، ومع ضعف الأداء السياسي والاقتصادي، يصبح التهديد المستمر للإرهاب سببًا لبقاء حكم السيسي.في الواقع، وقبل وصوله إلى السلطة، أظهر السيسي فهمًا دقيقًا لأثر سياسات العنف، كتلك التي يعتمدها نظامه، على زيادة العنف والاغتراب لسكان شمال سيناء، كما أظهر فهمًا لأثر عمليات الإخلاء القسري والاستهداف العشوائي لسكان شمال سيناء في خلق مزيد من العنف.يجد سجناء تنظيم الدولة الإسلامية فرصة سانحة في السجون المصرية لتجنيد أتباع جدد. وتشيع حالات الاختفاء القسري في شمال سيناء، وعندما تحدثت مع «نبيل البستاني» عقب إطلاق سراحه بعد اختفائه القسري على يد الجيش في عام 2015، روى تجربته في سجن العزولي بالإسماعيلية، ووصف كيف اختطف الجيش مئات أو ربما الآلاف من سكان شمال سيناء وأساء معاملتهم ثم أفرج عنهم.وقد وردت شهادة مماثلة مؤخرًا على لسان «إبراهيم حلاوة»، المواطن الأيرلندي الذي قضى أربع سنوات في السجن قبل تبرئته، فقد شهد «حلاوة» الجنوح نحو التطرف داخل السجون والنمو القوي للدولة الإسلامية داخل أسوارها.إن المسائل المتعلقة بمناخ التطرف والعنف في مصر مهمة لفهم ما يجب فعله في حال كان هناك إدارة أكثر كفاءة وأقل عنادًا تعالج مشاكل التطرف والإرهاب. وحتى ذلك الحين، سيعاني الكثيرون من عواقب السياق الحالي وستزُج القوة الغاشمة بالكثير من مؤيديها داخل السجون.