أنشيل فيفر

مراسل صحيفة هآرتس، 20 يناير 2016

عند أية نقطة يصبح من الواضح أنَّ نظامًا استبداديًا، حكمَ لمدة عقود، قد وصل إلى نهاية الطريق؟ هل يحدث هذا في لحظة ما، في الشوارع، حيث توازن الرعب بين المئات من الشبان المشاغبين وقوات الأمن يتحول فجأة، ويبدأ رجال الشرطة المدججين في الفرار للنجاة بحياتهم بينما تشتعل شاحناتهم؟ ربما يحدث ذلك عندما يخرج رئيس الولايات المتحدة في وسائل الإعلام ويعلن أنَّ حليفًا قديمًا، تلقى المليارات على شكل مساعدات عسكرية ودعم دبلوماسي، يجب عليه أن يرحل الآن؟

يحدث ذلك بالتأكيد وراء الأبواب المغلقة، حين ينبِّه الجنرالات ورؤساء المخابرات الزعيمَ العاجزَ أنهم يرفضون أمره بإطلاق النار على المتظاهرين. في تلك اللحظة، حين يكون قريبًا جدًا لأن يستحيل إلى رئيس سابق، ربما ينبغي عليه أن يسرع في الذهاب إلى المطار وركوب طائرته الخاصَّة في اتجاه ملجأ الطغاة المخلوعين: المملكة العربية السعودية.

مظاهرات باليمن في مارس 2011

بالنسبة إليّ، كانت اللحظة التي فهمت فيها أن شيئًا ما قد تغيَّر على نحو جذريّ في أول بلدين تمرَّان بما سُمّي، بتفاؤل مفرط، الربيع العربي، في ميادين وشوارع تونس والقاهرة، عندما بدأ المدنيون العاديون يتحدثون بحرية عن سنوات القمع وعن أملهم في مستقبل مختلف، بصوت عال – دون التلفت حولهم كل بضع ثوان. تركز وسائل الإعلام بطبيعة الحال على النشطاء الشباب المعاصرين، المرتبطين بفيسبوك وتويتر، وتصورهم كقادة للثورات العربية.

بقي معي رجلان مسنان، في الستينات، إذا حكمنا عليهما من خلال المظهر، خرج كلاهما في أول عطلة نهاية أسبوع ثورية، في مصر، إلى ميدان التحرير بالقاهرة. لقد قضى كل واحد منهما حياته في ظل الحكام العسكريين الديكتاتوريين، ناصر والسادات ومبارك والمخابرات. لم يعرفوا يومًا من حرية التعبير أو الديمقراطية. لكن شيئًا ما دفعهم في ذلك اليوم الأول، عندما مُحي الخوف من الشرطة عن وسط القاهرة، إلى المجيء إلى الميدان، والاحتشاد مع الشباب، والتعبير عن أنفسهم.

وقف واحد منهما على حاجز وصاح لمدة ساعة بشعارات حول الشعب المصري العظيم وحقه في تقرير مصيره، حتى بح صوته المحترق من السجائر تمامًا. وكتب الآخر رسائله على قطعة صغيرة من الورق ومشى بين الصحفيين الأجانب، متضرعًا إلى الشباب كي يترجموها [:ينقلوها] إلى العالم. لقد كانت لحظة بدا فيها كما لو أن كل المفاهيم الاستشراقية عن كون العرب غير مؤهلين للديمقراطية والخلاف مع الديكتاتوريين الأقوياء قد انهارت فى مواجهة توق إنساني عالمي من أجل الحرية.

مقتل شيماء الصباغ فى 24 يناير 2015

هذه هي الطريقة التي بدت عليها الأمور في القاهرة وقبل أسبوعين في شارع بورقيبة في تونس، حيث احتشدت مجموعات من الشعب لمناقشة شكل الحكومة الديمقراطية الأنسب لهم. وبعد شهر، كان مبارك في السجن وبذور الثورة كانت تنتشر في ليبيا واليمن والبحرين وسوريا.

أخرج صحافيّ غربيّ شهير كتابًا على وجه السرعة عن الثورات العربية وعد فيه أن العملية لا رجعة فيها. «نعرف الآن طريق العودة إلى الميدان»، كان هذا الاقتباس عن الشباب القاهري منتشرًا في أثناء الكتاب. «لن نسمح لهم بالعودة مرَّة أخرى».

بعد خمس سنوات وفقط في تونس ثمة أي ذكرى للصوت الحلو للحرية. قبل ثلاثة أشهر، في واحد من أكثر القرارات التي لها ما يبررها من قِبل اللجنة النرويجية، منِحت جائزة نوبل للسلام إلى الرباعية التونسية للحوار الوطني، وهو منتدى يضمُّ النشطاء المخضرمين الذين نسَّقوا بين النقابات ومجتمع الأعمال والمحامين وغيرهم من القواعد، ونجحوا في العودة ببلادهم من حافة الفوضى. قادت اللجنة الرباعية العملية التي أنقذت تونس من شلل سياسي، وحكومة إسلامية غير كفؤة وفاشلة، واغتيالات سياسية.

حتى الآن، من الصعب أن يُعلَن أن تونس في مأمن من الخطر. الآلاف من الشباب الذين ذهبوا بعيدًا للانضمام إلى الدولة الإسلامية، التي تعرف أيضًا باسم داعش، في سوريا، ليسوا سوى جزء من التهديد الجهادي الذي تمظهر في العام الماضي في هجومين إرهابيين كبيرين أديا إلى مقتل العشرات من السياح الغربيين. كما استعادت النُخَب التجارية والسياسية القديمة كثيرًا من مكانتها القديمة. لكن لا تزال تونس بمثابة الجنَّة بالمقارنة مع بلدان أخرى في المنطقة.

كانت أول انتخابات بعد الثورة في مصر حرَّة نسبيًا. وكما هو الحال في تونس، تمَّ الفوز بها من قِبل الإسلاميين. لكن في حالة مصر، لم يحل محل الإخوان المسلمين عديمي الخبرة بديل أكثر ديمقراطية وإنما دكتاتورية عسكرية معززة ومتنامية – اللواء عبد الفتاح السيسي، مبارك صغير أشدّ صلفًا. تعلم الجيش الدرس وعزم على زيادة سيطرته على السلطة والاقتصاد المصري، حتى لو كان الثمن هذه المرَّة سقوط مئات القتلى من المحتجين في الشوارع.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي

لن يعيد التحرير نفسه ويجري إعادة بناء الميدان بحيث لا يستوعب أية مظاهرات حاشدة. ليس فقط الإسلاميين، الذين تم تصويرهم بسهولة نسبيًا كإرهابيين جهاديين خطيرين، لكن أيضًا الشباب المثالي العلماني صار تحت الأرض أو في المنفى. لن يكرر الجنرالات أخطاءهم وحتى إدارة أوباما، التي روَّجت لمدة عام فكرة أن ديمقراطية إسلاموية يمكنها البقاء على قيد الحياة في مصر، اضطرَّت لابتلاع وجود الدكتاتورية المستعادة واستئناف المساعدات العسكرية وإمدادات الأسلحة، على الرغم من الانتهاكات الصارخة لحقوق الإنسان.

في كافَّة أنحاء المنطقة، عادت المياه إلى مجاريها. في البحرين، حيث طالبت الأغلبية الشيعية، وبتشجيع من إيران، بحقوق مدنية، زاد النظام السنيّ من القمع. وفي اليمن، ذهب الرئيس إلى المنفى؛ وفي ليبيا، قُتل معمر القذافي في الشارع. ولكن في غيابهم تتمزق هذه الدول من الصراع الداخلي والحرب الأهلية. نجا بشار الأسد في سوريا، وكان ثمن ذلك غرق البلاد في دماء ثلاثمئة ألف مواطن وتشريد أكثر من نصف السكان من منازلهم ونفي أربعة ملايين على الأقل.

من هنا، لماذا نجحت تونس فقط؟ لقد فشل كل بلد تعيس آخر بطريقته الخاصَّة. في مصر، الطمع فى السلطة من قِبل جماعة الإخوان المسلمين اصطدم وجهًا لوجه بقبضة الجيش التي لا تلين. وفي ليبيا، اتضح أن الدولة الصحراوية كانت في الواقع عبارة عن مجموعة من القبائل وعائلات الجريمة المنظمة التي كانت متراصَّة اصطناعيًّا عن طريق إرادة القذافي القوية وقسوته، بدعم من أموال النفط. لم يكن ثمة هدف مشترك آخر.

وسوريا، بعد ما يقرب من مئة سنة على إنشائها على طول الخطوط المرسومة من قِبل الدبلوماسيين البريطانيين والفرنسيين في اتفاقية سايكس بيكو، تحولت أيضًا إلى دولة مصطنعة، لا تقوم إلا في ظل حكم من الحديد والنار. كما أن عملية مماثلة قد تتكشف في العراق، حيث جاءت الثورة قبل عقد من الزمان، في أعقاب الغزو الأمريكي. في الفراغ، دخل المنافسون الإقليميون، إيران والمملكة العربية السعودية (اللتان تتصارعان على مستقبل اليمن كذلك) وتركيا. ويعمل السعوديون أيضًا على تحديد مستقبل سلالة آل خليفة البحرينية، وفي الوقت نفسه برز خليفة آخر – أبو بكر البغدادي، الذي يتوخى مقاتلوه تفكيك جميع الدول الأخرى في المنطقة.

ربما كانت تونس محظوظة. رحل رئيسها الفاسد زين العابدين بن علي، أولًا، دون سابق إنذار. لم يكن لديه الوقت للقيام بقمع وقائي. ولا يوجد لدى تونس جارة كبيرة حريصة على استيعابها في منطقة نفوذها. وهي تفتقر إلى موارد الطاقة الهامَّة وبينما كان إسلاميوها سريعين في التحضير لأول انتخابات حرَّة، فإنَّ سيطرتهم على الجمهور ليست قوية بما يكفي للبقاء في السلطة لفترة طويلة. والجيش التونسي ليس قويًا جدًا أو محوريًا في الاقتصاد. وحماية مصالح الجنرالات لم تستلزم منهم سلطة قابضة.

نعم، قد يكون هذا استشراقيًا بعض الشيء، لكن الديمقراطية تحتاج إلى وقت للنمو وربما ليس من قبيل المصادفة أن البلد الوحيد الذي خرج من الثورات العربية بديمقراطية عملية هو ذلك الذي لا يزال لديه تقاليد سليمة نسبيًا منذ أن كان حيازة استعمارية غربية، من قبيل العلمانية والعمل المنظم والمساواة للمرأة، وهي التقاليد التي نجت في عهد ابن علي. إنَّ تونس ديمقراطية الآن، ولكن تظل شخصيتها دون تغيير إلى حد كبير – دولة صغيرة هادئة بنكهة فرنسية قليلًا على البحر المتوسط.

إنَّ الفطرة البشرية نحو الحرية موجودة، ولكن الحاجة إلى الاستقرار والبقاء على قيد الحياة أمور أكثر أساسية. اختار المصريون الجنرالات المألوفين على الإسلاميين عديمي الخبرة. على سبيل العادة. وفي البحرين والأردن وتركيا والمملكة العربية السعودية وبقية دول الخليج العربي، اختار معظم المواطنين الملوك والديكتاتوريين الاستقراريين. مَن بإمكانه إلقاء اللوم عليهم؟ لا أحد يريد أن ينتهي مثل اليمن وليبيا والعراق وسوريا.

المراجع
  1. Why the Arab Spring failed: Choosing survival over chaos read more: http://www.haaretz.com/middle-east-news/1.698071