مقدمة غريبة نوعًا ما: في عام 1986، انتهى تقليد خاص بمناجم التعدين، يعود تاريخه إلى عام 1911، وهو استخدام طيور الكناري في مناجم الفحم للكشف عن أول أكسيد الكربون والغازات السامة الأخرى قبل أن تؤذي عمال المنجم.

تعود فكرة استخدام طيور الكناري إلى جون سكوت هالدين، المعروف لدى البعض باسم «أب العلاج بالأكسجين»، والذي قادته أبحاثه حول أول أكسيد الكربون إلى التوصية باستخدام الطيور، واقترح استخدام فصيلة محذّرة، وهو حيوان أكثر حساسية من البشر لغاز أول أكسيد الكربون عديم اللون والرائحة والغازات السامة الأخرى، وإذا مرض الحيوان أو مات، فسيكون ذلك بمثابة تحذير مبكر لعمال المناجم للمغادرة فورًا.

لماذا اقترح هالدين طائر الكناري بالتحديد؟ لأن طيور الكناري، مثل الطيور الأخرى، تعتبر كاشفات مبكرة جيدة لأول أكسيد الكربون، لأنها عرضة للسموم المحمولة في الهواء؛ تحتاج الطيور لكميات هائلة من الأكسجين لكي تتمكن من الطيران، لذا يسمح لهم تشريحهم بالحصول على جرعة من الأكسجين عند الشهيق وأخرى عند الزفير، عن طريق الاحتفاظ بالهواء في أكياس إضافية في الرئة. وبالمقارنة للفئران أو غيرها من الحيوانات التي يسهل حملها، والتي كان من الممكن أن يحملها عمال المناجم، فإن طيور الكناري تحصل على جرعة مضاعفة من الهواء بجانب أي سموم قد يحتويها، لذلك سيحصل عمال المناجم على هذا  التحذير المبكر.

قد تتساءل الآن، وهذا حقك بالطبع، ما علاقة طيور الكناري وعمال المناجم والتحذير المبكر من الغازات السامة بالقلق والاكتئاب الذي يصيب جيل الشباب حاليًا كما يشير العنوان؟

حسنًا، الإجابة تكمن في التشبيه؛ يمكنك اعتبار جيل الشباب بمثابة «طيور الكناري المحبوسة داخل المناجم» لثقافتنا الحديثة، مع التغيرات الاجتماعية والمجتمعية والبيئية والتكنولوجية الكبرى التي تؤثر عليهم، جيل الشباب هم أول من يتلقى تلك التغيرات الصادمة، بمميزاتها ومساوئها، ويمكن اعتبارهم تحذيرًا مبكرًا بكل هذه التغييرات التي طرأت على عالمنا. لا أحد يعرف بالضبط سبب قلق المراهقين أو اكتئابهم أكثر مما كانوا عليه من قبل، لكن هناك بعض المحاولات لفهم تلك الظاهرة الواضحة لكل المجتمعات الحديثة!

«أنا انطفيت!»

 

تُعرّف جمعية علم النفس الأمريكية القلق (Anxiety) على أنه «شعور بالتوتر والأفكار القلقة والتغيرات الجسدية المصاحبة، مثل التعرق أو الارتجاف أو الدوخة، أو تسارع ضربات القلب. عادةً ما يصاحب القلق أفكار أو مخاوف دخيلة ومتكررة، وقد يتجنب الأشخاص مواقف معينة بسبب القلق بشأن ما يمكن أن يحدث لهم فيها».

يُعتبر القلق أكثر اضطرابات الصحة النفسية شيوعًا، لكن لا تؤثر تلك الحالة على كل المجموعات العمرية بالتساوي؛ على مدى العقد الماضي، أظهرت الدراسات باستمرار أن المراهقين والشباب هم الأكثر عرضة للمعاناة من القلق، وغالبًا ما تصاحبه حالات أكثر خطورة مثل الاكتئاب.

والآن، تركز دراسة جديدة على هذا التفاوت أكثر، وتظهر أن معدل القلق لدى البالغين، الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و25 عامًا، زاد سريعًا منذ عام 2008 إلى عام 2018، لكنه ظل مستقرًا لدى البالغين بعمر 50 عامًا أو أكبر. حيث تضاعفت نسبة القلق بين الشباب في الولايات المتحدة، من 7.97% في عام 2008 إلى 14.66% في عام 2018.

وأشار الباحثون إلى أن «القلق هو الأكثر شيوعًا ويزداد بسرعة أكبر بين الشباب. حيث ترتبط الحالة المزاجية القلقة في وقت مبكر من الحياة بزيادة خطر ظهور اضطرابات القلق والاكتئاب واضطرابات تعاطي المخدرات ومشاكل الصحة الجسدية. ومرحلة الشباب هي الفترة الرئيسية للتعرض لظهور هذه الحالات».

كما وجدت دراسة أخرى سابقة، نُشرت عام 2019 في دورية «أبنورمال سايكولوجي»، أن النسبة المئوية للمراهقين والشباب في الولايات المتحدة، والذين أبلغوا عن اضطرابات عقلية واكتئاب وأفكار أو أفعال انتحارية، قد تضاعفت أيضًا خلال العقد الماضي.

قد تعارضني الآن، وهذا حقك بالطبع، أن مثل هذه الدراسات تُجرى في أمريكا ودول الغرب، في مجتمع وبيئة مختلفين عنّا. ظاهريًا هذا حقيقي، لكن في الواقع هناك مشكلتان: الأولى، أنه لا توجد دراسات أو أرقام أو أبحاث يمكن الاعتماد عليها من مؤسسات بحثية هنا، والمشكلة الثانية، أن مشاكل المجتمعات الحديثة حاليًا أصبحت متقاربة بشكل ما، خاصةً مع انتشار وسائل التواصل وربط العالم ببعضه بهذا الشكل الحالي.

بجانب أن الأمر بدأ يتحول إلى ظاهرة في أغلب المجتمعات الحديثة، وربما لا توجد أرقام دقيقة لقياس نسبته هنا، لكنه موجود، وربما سمعت كل البيوت والأسر المصرية بشاب أصابه الاكتئاب، وربما تحول إلى اكتئاب حاد، أو الأخطر أن يحاول الانتحار بسببه. وإذا لم تسمع فبالتأكيد شاهدت عبر وسائل التواصل الاجتماعي حالات انتحار لشباب خلال الفترة الأخيرة، وربما يُعبّر انتشار ترند مثل «أنا انطفيت» عن صورة بسيطة للوضع الحالي، حتى وإن تحول إلى شكل من أشكال السخرية والميمز، ولم يؤخذ على محمل الجد! عمومًا نحن لسنا هنا لنثبت وجود الظاهرة من عدمه، إذن فيما كنّا نتحدث؟

آه آسف نسيت، لا تقاطعني مرةً أخرى من فضلك، ما الذي تغير في ثقافتنا وبيئتنا، والذي يجعل شبابنا أكثر عرضة للإصابة بالقلق وما يصاحبه من اكتئاب ربما يؤدي في نهاية المطاف إلى الانتحار؟

إن فهم السبب وراء ارتفاع هذه الحالات يمثل تحديًا دائمًا، حيث لا يمكن للباحثين سوى الإشارة فقط إلى ارتباطات وليس أسبابًا محددة للظاهرة. ولكن نظرًا لأن مثل هذه الحالات مرتفعة جدًا وعلى مدى فترة زمنية قصيرة إلى حد ما، فإن ذلك قد يساعدهم على تضييق نطاق السبب المحتمل وراءها.

«لن يفهمها جيل الأيفون»!

 

تقسيم الأجيال يوفر الفرصة للباحثين للنظر إلى البشر من خلال مكانهم في دورة الحياة. ولكل جيل خبراته التكوينية المختلفة، مثل الأحداث العالمية الكبرى والتحولات والنقلات التكنولوجية والاقتصادية والاجتماعية، والتي تُشكّل وجهات نظر أبنائه حول كيفية عمل العالم.

تعتبر التكنولوجيا، وبشكل خاص التطور السريع لكيفية تواصل الناس وتفاعلهم مع بعضهم، من الأمور المهمة التي قد تشكّل وعي الأجيال؛ مثلًا نشأ جيل الأجداد مع انتشار جهاز التلفزيون بشكل واسع، مما أدى إلى تغيير أنماط حياتهم واتصالهم بالعالم بطرق جديدة، ثم نشأ جيل الآباء بينما كانت ثورة الكمبيوتر تبدأ في التوسع، ثم نشأ جيل الألفية، مواليد 1981 إلى 1996، أثناء فترة انفجار الإنترنت.

خلال هذا التطور على مدى سنوات، كان ما يميز جيل المراهقين والشباب الحالي، مواليد بعد عام 1996 والذي يُعرف بالجيل Z، هو أن كل ما سبق كان جزءًا من حياتهم منذ البداية؛ تم إطلاق أول جهاز أيفون عام 2007، عندما كان أكبر أبناء هذا الجيل في سن العاشرة. وبحلول الوقت الذي وصلوا فيه إلى سن المراهقة، كانت الوسيلة الأساسية التي يتواصل بها الشباب من خلال الهواتف الذكية وشبكات الواي فاي وتطبيقات الدردشة الفورية.

وسائل التواصل الاجتماعي والاتصال المستمر بشبكة الإنترنت ومواقع بث المحتوى حسب الطلب وطرق التواصل المختلفة هي ابتكارات تكيف معها جيل الألفية أثناء تقدمهم في العمر في مرحلة النضوج، أما بالنسبة لمن ولدوا بعد عام 1996، فكانت هذه الابتكارات مجرد وسائل استهلاكية موجودة بالفعل.

الأمر لا يقتصر على وجود الهاتف الذكي أو وسائل التواصل الاجتماعي في حد ذاتها، لكنه مرتبط أكثر بمقدار الوقت الذي يقضيه المراهقون والشباب على هذه الوسائل. وكما وجدت الأبحاث السابقة، كلما زاد هذا الوقت، زاد خطر الإصابة بأعراض الاكتئاب.

ربما يكون هذا مجرد تغيير في طريقة التواصل، المهم أن هناك تواصلاً بالفعل، لكن المشكلة تحدث عندما تضغط علينا تلك الوسائل لكي نعيش بطريقة محددة لا تناسبنا، أو نحاول أن نعيش بتلك الطريقة، ستلاحظ حاليًا أن معظم المراهقين لا يقلقون بشأن مقدار المتعة التي يتطلعون إلى الاستمتاع بها خلال العطلة مثلًا، ولكنهم يقلقون أكثر بشأن الصورة التي يمكنهم نشرها على إنستجرام وفيسبوك، وكيف يبدو شكلهم وملابسهم فيها، حتى تحول الهدف الأساسي من العطلة إلى التقاط صور لنشرها على وسائل التواصل الاجتماعي، بدلًا من الاستمتاع بالأحداث نفسها. والأمر ينطبق على الخروج مع الأصدقاء، والأكل في المطاعم وتصويره وغيرها من مختلف أحداث الحياة. المهم أن تُؤخذ اللقطة، وتُنشر سريعًا ليرى الآخرون ما نفعله!

اقرأ أيضًا: كيف يفسر علم النفس احتياجك لمراجعة فيسبوك كل بضع دقائق؟

الآثار المترتبة على النشأة في بيئة تكنولوجية بشكل دائم دخلت مؤخرًا إلى حيز التركيز، حيث أظهرت الأبحاث الجديدة تحولات دراماتيكية في سلوكيات الشباب وأنماط الحياة، سواءً كانت إيجابية أو مثيرة للقلق، ولكن ما لا نعرفه تحديدًا هو ما إذا كانت هذه بصمات دائمة على الأجيال الحالية، أم أنها خصائص فترة المراهقة والتي ستتغير على مدار مرحلة البلوغ. لذا فإن البدء في تتبع جيل الأيفون على مدار الزمن سيمثل أهمية كبرى لمعرفة تأثيرات التكنولوجيا مستقبلًا.

بينما بعض الباحثين أقل اقتناعًا بالعلاقة بين قضاء وقت طويل على الشاشات ومشاكل الصحة العقلية، ومن المهم أن تضع في اعتبارك أنه بينما كانت هناك زيادة في الحالات النفسية السلبية، فإن غالبية المراهقين والشباب ليسوا مكتئبين، ويعيشون حياتهم بطريقة طبيعية، حتى مع قضاء وقت طويل على هواتفهم الذكية.

احتمالات أخرى!

بجانب التغيرات التكنولوجية الضخمة والسريعة في العقد الماضي، هناك بعض الاحتمالات الأخرى التي قد تدخل ضمن أسباب القلق والاكتئاب لدى جيل الشباب الحالي.

 

صراع الأجيال

الصراع الحتمي والتاريخي بين الآباء والأبناء، وهو ما يحدث بين كل جيل والتالي على مدار التاريخ. لكن ربما بسبب التقدم التكنولوجي الحالي، وتغير وسائل التواصل والانفتاح أكثر على العالم والتغيرات المجتمعية الحديثة، تغيرت طبيعة هذا الصراع بين الآباء وجيل الشباب في وقتنا الحاضر.

إذا لم يفهم جيل الآباء أن أبناءهم يحتاجون لمن يسمعهم ويفهم متطلباتهم، سيحدث الصراع بأسوأ شكل ممكن، لم يعد الأمر مجرد إصدار أوامر، وأنا والدك فلا بد أنني أفهم أكثر منك وأعرف مصلحتك أكثر وأختار بالنيابة عنك، هذا الزمن قد انتهى، ولكل شخص بالغ حرية الاختيار والتفكير والبحث بنفسه عمّا يؤرقه. زمن الحلول المعلبة والجاهزة على وشك الانتهاء، ولا بد من الحوار والتفاهم والنصيحة، ثم ترك الشباب ليفكر ويقرر ويختار، والأهم أن يتحمل نتيجة وعواقب اختياره، وبهذا سوف يبني شخصيةً قويةً تمكنه من التعامل مع مستقبله.

فقدان التواصل المجتمعي

في المجتمعات الحديثة، فقدنا كثيرًا من العلاقات المجتمعية، نحن قد لا نعرف حتى جيراننا. ربما الافتقار إلى التواصل المجتمعي، وفقدان البيوت العائلية كما كانت في الماضي، وازدياد العزلة لأسرنا الصغيرة، تخلق بيئات أكثر توحشًا للمراهقين والبالغين على حد سواء. ويحتاج المراهقون إلى روابط اجتماعية أكثر حتى من البالغين، وليس فقط من خلال إنستجرام أوسنابشات أو فيسبوك. التفاعل وجهاً لوجه مع الأصدقاء والعائلة يقلل من التوتر ويغذي النمو الصحي للعقل.

مشاكل النوم

يعتبر تأثير الإضاءة الاصطناعية والتكنولوجيا على النوم تأثيرًا ملحوظًا في المجتمعات الحديثة، ولكنه مهم بشكل خاص للمراهقين، الذين يحتاجون إلى مزيد من النوم أكثر من البالغين، ولكنهم قاموا بتغيير ساعات النوم، مما يعني أن طبيعة يومهم تغيرت بشكل كامل، حيث ينامون متأخرًا ويستيقظون متأخرًا. المشكلة هي أن الدراسة تبدأ بحلول الساعة 8 صباحًا، مما يحرمهم بشكل مزمن من النوم.

كما ينتج عن الضوء الاصطناعي تقليل إنتاج هرمون الميلاتونين، وهو المسؤول عن الإيقاع الحيوي عند الإنسان حيث تحدث عملية إفرازه حين تواجه عيناه الظلام مما يسبب الإحساس بالنعاس ليلًا. لكن الضوء على شاشات الكمبيوتر والهاتف الذكي ضوء يميل إلى الأزرق أكثر، وله ضعف التأثير السيئ على الميلاتونين، مما يُضعف بشدة النوم عند المراهقين. ومن ضمن تأثيرات قلة النوم: القلق والاكتئاب وعدم القدرة على التركيز.

ختامًا، دائمًا ما يكون طائر الكناري في منجم الفحم أول من يموت، سواء في الواقع أو في التشبيه، إنها إشارة إلى حدوث مشاكل كبيرة، والشباب هم أول من يموت عند حدوث مشاكل وتغييرات كبيرة. وربما لفهم هذه الظاهرة، علينا أن ننظر إلى سياق اللحظة التاريخية التي نعيشها بالكامل.

نحن حاليًا نعيش في زمن يسوده عدم اليقين في أي شيء، ولا يوجد من يضمن مستقبله ربما لأكثر من بضعة شهور، وخاصة بعد الوباء الحالي، الأمور الاقتصادية ومستقبل البلاد غير واضحين تمامًا. وهذا يثير قلق أي شخص، لكنه ينطبق بشكل خاص على الشباب الذين ينتظرهم المستقبل بالكامل، ولم يبدأوا حياتهم العملية بعد. أو ببساطة يمكن أن يكون التفسير الآخر هو أن هؤلاء المراهقين والشباب أكثر استعدادًا للاعتراف بأنهم متوترون وقلقون وحتى مكتئبون وأنهم يحتاجون المساعدة!