رغم أن العلاقة بين الطعام والأمراض علاقة أزلية، وأنها من المعلومات بالضرورة لدى الجميع حتى في الذهنية الشعبية العامة، إذ نحفظ ونردد جميعا مقولة «المعدة بيت الداء»، وأن الأدلة العلمية الطبية الحديثة تواترت على التأكيد على تفاصيل هذا الأمر. فإن ما نلاقيه على أرض الواقع من كوارث نتيجة الإهمال المتعمد وغير المتعمد لهذا الأمر، يدفعنا إلى التأكيد عليه مرارا وتكرارا.

سنتجول معا عبر قائمة من أهم وأخطر الأمراض بشكل سريع ودون تفاصيل مكثفة، وعسى أن تكون هذه الجولة الموجزة تذكيرا للعاقل وتنبيها للغافل.


ما دور الطعام في قصة المرض؟!

قلما تجد مرضا ليس للطعام دور سابقٌ أو لاحقٌ فيه، إذ للعادات الغذائية علاقةٌ وثقى بالأمراض، لكنها يمكن أن تنفصم بل تنقلب إلى النقيض باتباع العادات الصحية. هذه العلاقة يمكن تلخيصها في النقاط التالية:

  • تسبيب الأمراض ابتداء، كما هو الحال في حالات التسمم الغذائي التي تسبب نزلات معوية حادة acute gastro-enteritis.
  • وهذه الأخطر والأكثر انتشارا، أن الأنماط الغذائية غير الصحية كالإفراط في النشويات والسكريات والدهون، وما ينجم عنها من وزن زائد وسمنة مفرطة، تعد من أهم عوامل الخطر التي تزيد فرص الإصابة بأخطر أمراض العصر كالسكري وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب… إلخ.
  • التسبب في مضاعفات خطيرة للأمراض، كحدوث الغيبوبة الكبدية hepatic encephalopathy لمرضى الفشل الكبدي المزمن نتيجة الإفراط في تناول البروتين، خصوصا اللحوم الحمراء.
  • زيادة مرات الحاجة إلى دخول المشافي hospitalization لدى المرضى المزمنين، وما يسببه هذا من تكاليف مادية ونفسية مضاعفة، كما يحدث لمرضى الضعف المزمن في عضلة القلب dilated cardiomyopathy عندما يفرطون في تناول ملح الطعام، مما يسبب تورما زائدا وارتشاحا للسوائل بالجسم، لا يمكن التحكم به بمدرات البول العادية بالفم.
  • بالنسبة لأصحاب الدخول المتواضعة كما حال الملايين في البلاد النامية كمصر، والتي يغيب فيها كذلك الوعي الغذائي الصحي، يكون للطعام نصيب الأسد من ميزانية الإنفاق، على حساب باقي البنود المهمة كالدواء، والتعليم السليم الذي يزيد الوعي… إلخ. مما يفاقم من الأمراض ومضاعفاتها وتوابعها.
  • زيادة احتمالات الوفاة إجمالا نتيجة لكل ما سبق.

والآن نفصّل قليلا مع أكثر الأمراض شيوعا.


السكري Diabetes Mellitus

من الأمراض التي لم تصل الأبحاث إلى نظريات حاسمة في أسبابه، لكن أثبت الكثير من الدراسات علاقته الوثيقة سببا وعلاجا بالطعام والسمنة، خاصة النوع الثاني من داء السكري type 2 DM، حيث إن السمنة هي المتهم الأول في التسبب في فقدان حساسية خلايا الجسم لهرمون الأنسولين insulin resistance، والتي تعد الآلية المرضية المسببة له. كما أن إنقاص الوزن وإيصاله إلى المعدلات الطبيعية كفيل بالوقاية من هذا النوع من مرض السكري لدى المعرضين وراثيا للإصابة به.

كما أن الإسراف في تناول السكريات والنشويات قد يؤدي إلى ارتفاع حاد وشديد في سكر الدم، مما قد يسبب مضاعفات سكرية خطيرة على الحياة كغيبوبة ارتفاع السكر المصحوبة بالتحمض الكيتوني DKA.

ولذا فالعلاج الرئيسي لهذا المرض المزمن الخطير هو العلاجالحياتي عن طريق تنظيم الطعام، وزيادة النشاط الرياضي. وإذا نجح هذا في ضبط السكر بالدم، فقد لا نحتاج أبدا للعلاج الدوائي (يسري هذا على النوع الثاني، أما النوع الأول type 1 DM فلا مفر من الأنسولين بجانب التعليمات).

ويحتفي خبراء التغذية بما يمكن تسميته بالتغذية السكرية، وهي النمط الغذائي المناسب لمرضى السكري، إذ يرونها تناسب الجميع خاصة الراغبين في إنقاص الوزن والحفاظ على الرشاقة. وهي تتلخص في التقليل من السكريات، ومن الدهون المشبعة كالزبد الفلاحي والسمن الصناعي .. إلخ، والاعتماد على الفواكه – ما عدا كثيفة السكر كالعنب والخضروات والحبوب الكاملة whole grains كتلك التي يخبز منها خبز السن الأسمر الشهير في عالم «الريجيم»، وكذلك الاستفادة من الألبان والأجبان قليلة ومنزوعة الدسم، واللحوم البيضاء والأسماك والبقوليات كالفول والعدس، إذ توفر هذه الأغذية البروتينات الحيوية، دون دهون مشبعة ضارة.

كذلك فإن هذه التغذية المتوازنة ستمنح مريض السكري السعرات الحيوية الكافية التي يحتاجها (حوالي ٢٥-٣٠ كيلوسعر لكل كجم من وزن الشخص للرجال، و ٢٠-٢٤ كيلوسعر لكل كجم للسيدات)، فلا يتعرض للنقص الشديد للسكر hypoglycemia والذي قد يكون قاتلا. وأيضا لتجنب نقص السكر،وتذبذب مستوياته، ينصح المرضى بتقسيم طعامهم يوميا على ست وجبات صغيرة موزعة على مدى اليوم، وفي مواعيد محددة.

لن يساهمَ هذا البرنامج الغذائي في إنقاص الوزن، وفي السيطرة على سكر الدم فحسب، إنما سيؤدي أيضا إلى الحفاظ على القلب والشرايين، وكذلك منع حدوث ارتفاع في ضغط الدم.


ارتفاع ضغط الدم Hypertension

للطعام دور بارز هنا، خاصة في النوع الشائع من الضغط Primary Hypertension، والذي لا يكون له سبب محدد (القصور الكلوي – فرط نشاط الغدة الدرقية أو فوق الكلوية… إلخ).

أصبح معلوما من الطب بالضرورة أن للسّمنة دورا مهما في ظهور هذا القاتل الخفي، وكذلك في عرقلة السيطرة عليه. حتى أصبح إنقاص الوزن هو الخط الأول لعلاج ارتفاع الضغط، إذ ذكر بعض الباحثين أن كل كيلوجرام ينقص من الوزن يسبب انخفاض ضغط الدم درجة.

كما أن بعض أنماط الطعام تفاقم ارتفاع الضغط مثل الطعام المملح، والذي قد يؤدي إلى ارتفاع مفاجئ وشديد في ضغط الدم Hypertensive emergency قد يسبب ضررا في أعضاء حيوية end-organ damage كالمخ أو الكلى أو شبكية العين، أو يسبب نزيفا حادا يصعب إيقافه.

و الغذاءالمناسبللضغط يتشابه في وجوه عدة مع الغذاء المناسب للسكري، وأشهر أنظمته هو ما يسمى بالداش DASH، و هي اختصار لجملة Dietary Approaches to Stop Hypertension أو أنماط غذائية لإيقاف ارتفاع الضغط.

ومبادئه العامة هي:

  • التقليل من الدهون المشبعة (اللحوم السمينة والزبدة والألبان كاملة الدسم… إلخ)، والمحليات السكرية (كما في المشروبات الغازية… إلخ).
  • الاعتماد على الدواجن والأسماك والبقوليات كمصادر للبروتين لفقرها في الدهون المشبعة التي تسبب تصلب الشرايين atherosclerosis، والذي يفاقم الضغط، ومضاعفاته القاتلة كجلطات القلب والمخ.
  • زيادة البوتاسيوم على حساب الصوديوم، حيث للصوديوم دور رئيسي في حدوث ارتفاع الضغط ومضاعفاته، ويتأتى هذا بالإكثار من الأغذية الغنية بالبوتاسيوم مثل الخضروات الورقية (خاصة السبانخ)، وكذلك الموز، وكذلك الأغذية قليلة الصوديوم مثل الشوفان، مع التقليل بالطبع من ملح الطعام (كلوريد الصوديوم) قدر الإمكان، إذ إنه يسبب ارتفاع الضغط، ويعرقل عمل الكثير من الأدوية المهدئة للضغط.
  • زيادة الكالسيوم من خلال الألبان والزبادي والأجبان قليلة ومنزوعة الدسم.

أمراض القلب

المقصود هنا هو قصور الشرايين التاجية Coronary artery disease s، وضعف عضلة القلب وفشل وظائفها Heart failure.

بالنسبة لقصور الشرايين وما ينجم عنه من قابلية التعرض لجلطات الشرايين التاجية بمختلف درجاتها، فإن السكر والضغط من أهم عوامل الخطر المسببة له. ولذا فالنمط الغذائي السابق ذكره لكل منهما هو الأنسب لمرضى قصور الشرايين، مع التركيز أيضا على إنقاص الوزن، وعلى منع الدهون المشبعة التي ترفع معدلات الكوليسترول الضار LDL، والذي يؤدي إلى حدوث وتسارع تصلب الشرايين atherosclerosis والذي يسبب ضيق الشرايين، ويفسد بيئتها الداخلية مما يؤدي إلى حدوث الجلطات.

وبالنسبة لمرضى ضعف وفشل عضلة القلب، فإن إنقاص الوزن ضروري جدا لتخفيف الأحمال على العضلة المنهكة، مما سيقلل أعراض ضيق النفس عند بذل أقل مجهود. وبالنسبة لنوعيات الأطعمة، فكذلك يناسبها ما يناسب الضغط والسكر، مع التركيز بشدة على تقليل الملح في الطعام، حيث إن زيادته ترفع نسب الصوديوم، والذي يصاحبه احتباس السوائل بالجسم، وتقليل فعالية مدرات البول Diuretics، مما يزيد حجم الدم Hypervolemia وبالتالي يزيد الأعباء على المضخة الضعيفة. فيتفاقم تورم الجسم خاصة في الأجزاء الأكثر تأثرا بالجاذبية كالطرفيْن السفلييْن، وقد يحدث في الحالات المتقدمة تجمع للسوائل واستسقاء بالبطن، أو بالغشاء البللوري المحيط بالرئة أو بغشاء التامور المحيط بالقلب . والأخطر هو زيادة احتقان الدم في الرئتين lung congestion نتيجة هذه السوائل الزائدة، والذي قد يتطور إلى ارتشاح رئوي طارئ acute pulmonary edema يؤدي إلى الفشل التنفسي الكامل والوفاة إذا تأخر علاجه الطارئ.


الفشل الكبدي المزمن

الكبد هو المجمع الصناعي الأهم بالجسم . كل ذرة طعام نتناولها تصل إلى الكبد بعد انتهاء الهضم والامتصاص، فيقوم الكبد باستثمارها في تصنيع مركبات حيوية للجسم، ومد باقي الأعضاء باحتياجاتها من مصادر الطاقة، وتخزين الفائض، والأهم التخلص من السموم الضارة. ولذا ففي حالة حدوث فشل مزمن في وظائف الكبد، فإن تعديلات جوهرية لابد أن تطرأ على غذائنا، لأن المصفاة لا تعمل جيدا، وبالتالي سيصل إلى أعضائنا ما لا تحمد عقباه.

و النمطالغذائي الأنسب للفشل الكبدي المزمن كما يلي:

  • إنقاص البروتين بكل مصادره في الطعام (اللحوم الحمراء – الدواجن – البقوليات) إلى حوالي جرام واحد لكل كيلوجرام من وزن المريض يوميا (وقد يقل عن هذا في حالات الفشل الكبدي الأكثر تقدما). فإذا كان وزن المريض ٨٠ كجم، فإن المقدار الأقصى من البروتين هو ٨٠ جراما يوميا. إذ رغم الأهمية القصوى للبروتين لبناء الخلايا ووظائفها، فإن الكبد المصاب لا يستطيع التعامل جيدا مع بعض نواتج أيض البروتين protein metabolism الضارة خاصة الأمونيا، والتي تتسرب إلى الدورة الدموية وتصل إلى المخ فتسبب ما يسمى مجازا بالغيبوبة الكبدية، وهي اضطرابٌ في وظائف المخ ammoniacal encephalopathy، ويصحبه اختلال في درجة الوعي، قد يصل إلى الغيبوبة العميقة والوفاة.
  • الإكثار قليلا من الكربوهيدرات (الأرز – المكرونة) كمصدر أساسي للطاقة لتعويض الحد من البروتين.
  • التقليل من الدهون المشبعة، لأنها قد تترسب في أنسجة الكبد فتزيد تضررها fatty changes of the liver.
  • الإكثار من الفواكه والخضروات خاصة الورقية الغنية بالفيتامينات، مثل فيتامين ك الذي يقلل من فرص النزيف.
  • التقليل من الأملاح، كما هو حال مرضى القلب، لمنع تورم الجسم، واستسقاء البطن ascites.

خاتمة

مرض السكري غيبوبة

كان ما سبق جولة سريعة في حدود ما تسمح به مساحة التقرير، لكن قصة الطعام مع صحتنا لا تنتهي صفحاتها وتنويعاتها. ويكفينا هذه الأمثلة السابقة من الأمراض لخطورتها وانتشارها، وعمق التأثير والتأثر بالطعام. وعلينا أن نتذكر دائما في محاولة اتباع العادات الصحية أن ما لا يُدرَك كله، لا يترَك جلُّه.