بمجرد أن تقرأ العنوان ستظن أنك على أعتاب رحلة جديدة داخل عالم الفانتازيا، متخيلًا لاعب النادي الأهلي – المصاب إلى ما لا نهاية – «كريم نيدفيد» لاعبًا في صفوف نادي خيتافي. لماذا خيتافي تحديدًا؟ لا نعلم حتى الآن. لكن مع الأسف، ظنك لن يكون في محله هذه المرة.

نأمل ألا يحبطك هذا، لكنه احترام منا لما يعيشه اللاعب، الذي بات أرشيف أخباره منحصرًا على جمل: تعرَّف على الموعد النهائي لعودة «نيدفيد» للمرة الثلاثين، هل يجري «كريم» جراحة ثالثة؟ هل أخطأ الأطباء في التشخيص؟ هل … هل … هل …؟ قررنا ألا نخوض هذه الفانتازيا، وأن نجعلها رحلة عادية مع الإصابات والعلاج الطبيعي ونصيبها من تطور بيانات اللعبة، لكننا نعدك في الأخير، بالإجابة على سؤال: لماذا خيتافي؟

كيف تعمل المنظومة؟

نحن الجمهور قد توغلنا بما فيه الكفاية في اللعبة من الناحية التكتيكية والاقتصادية، أما الطبية، فكانت ولا زالت بعيدة عنا. كل ما يهم، هو أن أجد لاعبي فريقي جاهزين، خاصةً في اللحظات الحاسمة من الموسم. وإن حدث العكس، فإن اللوم سيقع تلقائيًّا على الجهاز الطبي، وفي المقابل سيخرج أحدهم ليدافع عنهم، كما فعل لاعب الأهلي «حسين الشحات» دفاعًا عن الدكتور «خالد محمود» بوصفه بالمحترم.

حاول أن تكتم فضولك، ولا تسأل عن علاقة الاحترام بالأمر، وركز على الأهم. بما أننا نريد لوم أحد، فعلينا أولًا أن نفهم كيفية عمل المنظومة. ونظرًا لصعوبة الحصول على المعلومات محليًّا، قررنا الحصول عليها من رئيس قسم العلاج الطبيعي بنادي برشلونة، دكتور «جوانجو بارو».

في حواره لموقع «barca innovation hub»، أوضح أن المنظومة تتشكل من أربعة عناصر: الجهاز الفني، والجهاز الطبي، واللاعب، ورابعهم قسم العلاج الطبيعي المسئول عن ربط اللاعب بهم جميعًا، ضامنًا توفره بأفضل جاهزية ممكنة.

يجتمع الفريق الأخصائي بالعلاج الطبيعي كل صباح لمدة ساعة قبل وصول اللاعبين، لتقييم كل شيء حدث في اليوم السابق، بما في ذلك تقرير مدرب الأحمال الخاص بالتدريبات. نقوم بتحليل ما تم بعد التدريب في اليوم السابق، والعلاجات التي تلقاها اللاعبون، إذا شعروا بالتعب أو يعانون من الألم، وما إلى ذلك. في هذا الاجتماع، نشارك كل هذه المعلومات لإنشاء تقرير يمكنني إطلاع مدرب الأحمال عليه، وهو يقبل جميع التوصيات التي نتخذها فيما يتعلق بتعديل الأحمال التدريبية إذا لزم الأمر.
رئيس قسم العلاج الطبيعي بنادي برشلونة، دكتور «جوانجو بارو»

يستلزم الأمر دمجًا بين بيانات التكنولوجيا (التي يتم جمعها بالعديد من الأجهزة، مثل الجهاز الموضح بالتغريدة التالية)، ومراقبة حركة اللاعب تشريحيًّا بالعين، إضافةً للإبداع وتنويع تدريبات الاستشفاء، مع الأخذ في الاعتبار حالة المصاب النفسية، فكما يقول دكتور «بارو»، الإصابات لا تُعالج وإنما تُدار.

نجما نيوكاسل، يدلين، وأتسو، يرتديان أجهزة «Player Tek GPS»
يقوم الجهاز بحساب المسافة التي قام اللاعب بتغطيتها والسرعة القصوى التي وصل لها اللاعب وعدد المرات التي وصل بها اللاعب لسرعته القصوى وذلك بجانب قياس ضربات القلب ومجهود اللاعب مما يجعل المدرب البدني يقيس الحالة البدنية لكل لاعب بشكل منفرد. (المصدر: فيلجول)

نظرة جديدة للإصابات

بعد أن تستوعب ما قاله طبيب برشلونة، بإمكانك المرور على تصريح طبيب منتخب مصر السابق «طارق سليمان»، والذي عزا إصابات الأهلي الكثيرة إلى تغيير مدربي الأحمال. ليس من الضروري الجزم بصحة التصريح، لكن بإمكاننا الشك ولو قليلًا في طريقة عمل المنظومة بأكملها.

حسنًا، يبدو أننا نبالغ، فنحن نتحدث عن نادٍ مصري، يلعب في قارة أفريقيا، ولا أحد يعرف بداية موسمه من نهايته، هل عليهم تسيير المنظومة كبرشلونة أو ليفربول؟

الواقع الوحيد الذي يجمع كل هذه الأندية، هو تطور صناعة كرة القدم، وارتفاع نفقاتها ومداخيلها، والحقيقة التي لا جدال فيها، هي أن الإصابات باتت أكثر ما يهدد هذه الصناعة. فأنت تدفع أجورًا لعدد من موظفيك دون الاستفادة منهم، وبالتالي تتعرض لخسارتين، مادية وفنية.

في البريميرليج، قامت شركة «CATAPULT» الأسترالية بالتعاون مع شركة «21st Club» للإحصائيات بحساب حجم هذه الخسائر، حيث دفعت أندية البريميرليج مجتمعة في موسم 2018/19، 166 مليون باوند أجورًا للاعبيها المصابين (14% من إجمالي الرواتب)، منها 43.7 مليون باوند من نصيب قطبي مانشستر فقط.

ما دفعه كل نادي في البريميرليج للاعبيه المصابين
أكثر اللاعبين تكلفة أثناء الإصابة

بلغ عدد الإصابات 804 إصابات، ونتج عنها 18230 يومًا من الغيابات، بمتوسط تكلفة وصل إلى 200 ألف جنيه باوند أسبوعيًّا. وكان هنالك علاقة واضحة بين حجم النادي وحجم الإصابات، فالستة الكبار كانوا الأكثر معاناة، نظرًا لتحملهم مشقة المنافسة على أكثر من جهة، ولم يزاحمهم سوى ويستهام يونايتد.

أما فيما يخص الخسارة الفنية، فلا تبدو الأمور بنفس الوضوح. لأنها تخضع لمتغيرات أكثر تعقيدًا، تشمل قياس تأثير اللاعب، وجودة الاحتياطيين. مانشستر سيتي على سبيل المثال تمكن من الفوز باللقب، رغم غياب نجمه دي بروين لما يزيد عن 50% من الدوري، لذلك فالأمور ليست بوضوح الخسارة المادية. لكن ماذا لو كان بإمكاننا توقع الإصابات قبل حدوثها، وتجنب كل ذلك أو معظمه قبل أن يحدث؟

طفرة في الأخذ بالأسباب

قبل أن نخبرك بالطريقة، إليك بقية ما قاله «حسين الشحات» بعد وصفه طبيب الأهلي بالمحترم: «الإصابات قدر ونصيب»، لتدرك أن ما سنخبرك به قد يجرفنا إلى نقاش حول القضاء والقدر، والغيبيات، وفقًا لهذه الرؤية المحدودة، لكنه بالأحرى أخذ بالأسباب، مرشح للانتشار في المستقبل.

حيث ظهرت شركة تحليل تدعى «Zone7» تستخدم خوارزميات الذكاء الاصطناعي لفحص البيانات التي تم تجميعها بواسطة أجهزة قياس الأداء، لتحديد أنماط لحدوث الإصابات. حيث قاموا بتحليل أكثر من خمسة ملايين ساعة من الأداء في مختلف الألعاب الرياضية، وادعوا إمكانية التنبؤ بنسبة 75% من الإصابات بمعدل دقة يصل إلى 95%.

على سبيل المثال، سيقوم البرنامج بتصنيف لاعب معين كـ «high risk»، وعليه فسيقدم للنادي تقريرًا بنوعية الإصابات المتوقعة، إلى جانب عدد من الاقتراحات لتعديل نظام اللاعب التدريبي، لتلافي حدوثها.

هل يوجد مثال واقعي على هذا الدجل؟ بالطبع، فأبرز شركاء شركة «Zone7» هو نادي خيتافي الإسباني. اختبر خيتافي ذلك البرنامج عبر العمل دونه لمدة، ثم العمل به لمدة مثيلة، والمقارنة بينهما. من أغسطس إلى أكتوبر 2018، تم العمل بدونه، فنتج عن ذلك مجموع غيابات وصلت لـ 96 يومًا في الشهر. وعندما أعيد تقديم التكنولوجيا من نوفمبر حتى نهاية الموسم، انخفض الرقم إلى 35 يومًا ضائعة في الشهر (نسبة تحسن 64%).

ورغم امتلاك الفريق لعدد كبير من اللاعبين فوق الثلاثين عامًا، فإن أرقام موسم 2018/19 كانت مذهلة؛ حيث عانى أتلتيكو مدريد من 47 إصابة منفصلة، وريال مدريد 32، وبرشلونة 27، بينما عانى خيتافي من 8 إصابات فقط.

التعاون بين الشركة ومدرب الأحمال «خافيير فيدال» بلغ ذروته في موسم 2019/20، عبر مداورة الثلاثي الهجومي، أنخيل رودريجز، وموتا، ومولينا، ليحرز الثلاثي مجموع 24 هدفًا – حتى الآن – دون الغياب فترات طويلة للإصابة، رغم تجاوزهم عمر الثلاثين. أما عن نتائج الفريق، فقد أقصى خيتافي نادي أياكس في الدوري الأوروبي، ويواصل المنافسة على مركز مؤهل لدوري الأبطال في الليجا.

لكن أيًّا كانت نهاية موسمهم، فإن ما يحققونه بالتعاون مع شركة «Zone7» يستحق الإشادة، وبوصولك لهذه الفقرة، فستكون قد أدركت تلقائيًّا، إجابة سؤالك، لو كان «نيدفيد» أو «محمد محمود» أو «ديمبيلي» لاعبين بصفوف خيتافي لكنا رأينا نتيجة مختلفة على الأغلب، وحتى يتم تعميم هذه التجربة، فإن هذا التطور في تحليل بيانات اللعبة، قد يكون الأهم عبر تاريخها.