من المعلومات من الطب بالضرورة أن المسكنات المعتادة NSAIDs -اختصار يعني العقاقير المسكنة غير الكورتيزونية المضادة للالتهاب- والتي يتعامل معها البعض كأنها ماءٌ أو هواء، أو كأنها قطفت من أشجار الجنة، هي أسلحة ذات حدين، إذا لم نحسنْ توظيفها، فإنها ستطعن صحتنا وأجسامنا في المقاتل بآلامٍ يهون معها ألم الصداع المعتاد، أو ألم الرقبة والظهر نتيجة الإجهاد أمام الشاشات… إلخ، الأسباب المعتادة للإسراف في المسكنات. وما يزيد خطورتها توافرها للجميع، والاستهانة الواسعة بخطورتها لكونها مألوفةً للكل.

سبق أن ناقشنا ما سبق في تقرير: المسكنات تؤلم وتقتل أيضًا، كما خصصنا تقريرًا آخر عن العلاقة الخطيرة بين المسكنات والكلى. لكن هذه المرة الحديث عن دور المسكنات في حدوث الجلطات القلبية القاتلة.


المسكنات والقلب.. علاقة متوترة في نقاطٍ سريعة

القلب، الضغط، السكر

إذا استثنينا الأسبرين (وهو من أهم أدوية جلطات القلب، لأنه يزيد من سيولة الدم )، والأسيتامينوفين/ الباراسيتامول (أكثر المسكنات أمانًا، لكنه للأسف من أضعفها في تسكين الألم)، فإن المسكنات المعتادة NSAIDs غير مفضلة بتاتًا بالنسبة لمرضى القلب، خاصة مرضى شرايين القلب التاجية، وضعف عضلة القلب. ويُنصَح دائمًا بتعاطيها للضرورة القصوى، وبأقل كمية، ولأقل مدة ممكنة. وهذا لتواتر الأدلة الواقعية والعلمية على خطورتها لدى هذه الشريحة، ومنها أدلة حديثة للغاية.

ونظرًا للاعتياد على تعاطيها، ونقص الوعي الطبي، يلجأ بعض المرضى – خاصة في أول نوبة قلبية – لجرعات قوية من المسكنات عند حدوث آلام الصدر الشديدة، والتي تكون الإنذار الأقوى بكارثة وجود جلطة في شرايين القلب، فيسكن الألم ولو قليلًا، فيقل الدافع للإسراع إلى الطوارئ، ويُحرمون من العلاجات الحيوية في الساعات الأولى الأهم، مما يعرضهم لخطر الوفاة الفورية، أو الإصابة بضعف مزمن في عضلة القلب.

كما تسبب المسكنات زيادة احتمالية حدوث جلطات القلب والمخ بنسبة 20% – 50% لدى المرضى المصابين بعوامل الخطر كالسكري والضغط والتدخين… إلخ. والنظرية الأرجح أنها توقف نشاط إنزيم COX2، مما يقلل إنتاج مادة البروستاسيكلين prostacyclin التي تقلل فرص تجلط الدم.

وقد أعلنت دراسة دنماركية حديثة أن الإكثار من المسكنات يؤدي إلى زيادة احتمالات التعرض لتوقف القلب المفاجئ cardiac arrest لدى مرضى القلب. في دراسة تايوانية ظهرت أوائل 2017، وشملت 10 آلاف مريض، تبيَّن أن استخدامهم المسكنات بكثافة في علاج الإنفلوانزا أدى إلى زيادة احتمالات حدوث جلطات القلب الحادة ثلاث مرات.

تُفاقِم المسكنات أعراض فشل عضلة القلب، كضيق التنفس، وتورم الجسم، وذلك نتيجة ما تسببه من احتباس الماء والصوديوم بالجسم. وفي سبتمبر 2016، أثبتت دراسة موسعة تم نشرها في الدورية البريطانية الطبية British Medical Journal BMJ، ضمت حوالي 9 ملايين مريض من 4 دول أوروبية، أن استخدام المسكنات بشكل مستمر زاد بنسبة أكثر من 19% مرات الحجز بأقسام القلب بأعراض تفاقم فشل عضلة القلب decompensated Heart Failure.

الإسراف في المسكنات قد يسبب الفشل الكلوي، والذي يزيد كثيرًا احتمالات حدوث جلطات القلب، و يفاقم فشل عضلة القلب. إذًا فالدراسة الجديدة التي ذكرناها في العنوان، لم تأتِ بجديدٍ مفاجئ، بقدر ما أثقلت كفة الميزان الراجحة أصلًا.


ما هي الدراسة الجديدة؟!

مسكن الإيبوبروفين الشهير

دراسة كندية موسعة، أجراها فريق من مركز أبحاث مستشفى جامعة مونتريال الكندية. نشرت يوم 9 مايو الماضي على BMJ. الدراسة من نوع Meta-analysis، وضمت حوالي 450 ألف مريض من كندا وفنلندا وإنجلترا، تناولوا جرعة من بعض أشهر المسكنات (منها الإيبوبروفين 1200 مجم يوميًا على الأقل – الديكلوفيناك 100 مجم – النابروكسين 750 مجم) لمدة أسبوع أو شهر أو أكثر من شهر. وجد الباحثون أن حوالي 61 ألفًا منهم أصيبوا بجلطة في شريان القلب acute myocardial infarction خلال شهر من بداية الجرعة. وتزداد الخطورة مع زيادة الجرعة.

وحتى خلال أسبوع واحد من الاستخدام جاءت النتائج قوية. حيث زادت معدلات حدوث جلطات القلب مقارنة بغير المستخدمين للمسكنات، بنسبة تقارب الضعف مع جميع أصناف المسكنات في الدراسة (92% مع السليكوكسيب، 97% مع الإيبوبروفين، 99% مع الديكلوفين)، وأظهرت النتائج ارتفاعًا طفيفًا في احتمالية حدوث odds ratio الجلطات بعد استخدام المسكنات، حيث تراوحت في هذه الدراسة بين 24 و58%، وكانت في الدراسات السابقة بين 20 و50%.


أهم نقاط قوة الدراسة الجديدة

1. من نوع Meta-analysis، والذي يتربع على قمة هرم البحث العلمي، لأنه يتضمن تحليلًا إحصائيًا جمعيًا لعدد من الدراسات الأصغر، بعد مراجعة سلامة بنيتها إحصائيًا critical appraisal، مما يعطى نتائج أقوى من الدراسات المنفردة. كما أنها منشورة في واحدة من أرقى الدوريات العلمية الطبية، وهي الـ BMJ.

2. ضمت الدراسة ما يقارب نصف مليون حالة من 3 دول مختلفة. ومن أركان البحث العلمي أنه كلما زادت عينة البحث، كانت فرصة تعميم النتائج أفضل، وكانت الدراسة أقوى.

3. نتائج جديدة انفردت بها الدراسة، مثل إظهار قصر الفاصل الزمني بين تعاطي المسكنات، واحتمالية حدوث جلطة القلب الذي قد يصل لأسبوع أو أقل. وكذلك أظهرت أن الخطر يتناسب تصاعديًا مع الجرعة. ومن مفاجآتها أن نفس النتيجة السلبية حدثت مع مسكن النابروكسين naproxen الشائع استخدامه بكثرة، خاصة في الولايات المتحدة، والذي كان يعتبر الأكثر أمانًا في مجموعة NSAIDs من ناحية القلب. وضمت مسكنات شائعة الاستخدام فعلًا، وكفى بالإيبوبروفين (البروفين الشهير للأطفال والكبار)، و الديكلوفيناك (الكاتافلام، والكاتافاست… إلخ) كأمثلة. وجرعات الحد الأدنى التي تطلبتها يستخدمها الكثيرون.

4. النتائج مشابهة لنتائج دراسات عديدة سابقة تحدثت عن خطورة الإسراف في المسكنات على القلب.


أهم نقاط الضعف في الدراسة

احذر من التهويل الإعلامي لنتائج الأبحاث الجديدة، خاصة المصادر غير العلمية. فأكثرها مموَّل، ويهتم بجذب القراء ولو على حساب العلم والوعي والصحة.
  1. لم تستبعد الدراسة جيدًا دور عوامل الخطر التقليدية (السكري، الضغط، الانفعال الشديد… إلخ) سوى المسكنات في حدوث الجلطات.
  2. زيادة احتمالية حدوث الجلطات كما أوردتها الدراسة، كانت طفيفة مقارنةً بسابقاتها. لكن صرَّح البروفسور ميشيل بالي قائد الفريق البحثي للإندبندنت البريطانية بأنه لا يمكن الاستهانة بأي زيادة طفيفة في احتمالات الخطر، لأنها رقميًا تساوي آلاف المرضى، نظرًا لشيوع كل من جلطات القلب، واستخدام المسكنات.
  3. البروباجندا الإعلامية الضخمة التي صاحبتها بالغت في نتائجها كثيرًا، مما قد يسبب حالة هلع زائدة لدى المرضى الذي يحتاجون فعلًا لهذه العقاقير كمضادات للالتهابات، ومسكنات للآلام المزمنة في الأمراض الروماتيزمية مثلًا.
  4. الدراسة عبارة عن ملاحظة للنتائج observational study، وتجميعها إحصائيًا. وبالتالي لا يمكنها إقامة علاقة سببية أكيدة، فقط احتمالية ترجيحية.
  5. مازالت الأبحاث حتى الآن عاجزة عن التوصل لآلية نهائية تفسر علاقة المسكنات بزيادة احتمالات حدوث الجلطات. مما يجعل الدراسة الحالية وسابقاتها تحت مرمى النقد المستند إلى أن نتائجها قد تكون مجرد مصادفات.

الخلاصة

الإيبوبروفين، المسكنات، القلب، الكلى
  1. حاول التقليل من تعاطي المسكنات لأقل جرعة، وأقل مدة ممكنة، خاصة إذا كنت مريضًا بالكلى أو القلب.
  2. عند حدوث أعراض شديدة، خاصة لأول مرة، لا تتردد أو تتأخر في الذهاب إلى الطوارئ، ولا تلتفت إلى نصائح المجربين غير المتخصصين.
  3. احذر من التهويل الإعلامي لنتائج الأبحاث الجديدة، خاصة المصادر غير العلمية. فأكثرها مموَّل، ويهتم بجذب القراء ولو على حساب العلم والوعي والصحة.
  4. حاول أن تربي دائمًا حاستك النقدية قبولًا ورفضًا.