على وقع الزيادة الأخيرة في أسعار المحروقات والخدمات الأساسية، أصبح جليًّا أن مصر تندفع بلا مكابح إلى قلب معمعة التحول – التوحش – الرأسمالي، والتي ينظم صندوق النقد الدولي إيقاع ضرباتها من موقع قائد الأوركسترا، ناسخًا سيمفونية الإصلاح الاقتصادي الشهيرة، التي تؤديها الآن النخب الحاكمة في مصر بلا هوادة، والتي يعرفها، ويعرف ثمنها الباهظ من الدماء والأعمار، مئات الملايين في دول نامية عديدة حول العالم.

لذا فمن الواجب الحتمي علينا تسليط الأضواء على تلك التجارب القريبة مما نشهده في مصر الآن، والتي تكتظ بها دفاتر القرن الفائت، حتى نرى بعين الماضي ما سنراه، ويراه أبناؤنا في مستقبلنا القريب والبعيد.

وللأرجنتين الواقعة في أقصى جنوب أمريكا اللاتينية، والتي لا يعرفها الكثيرون إلا من خلال أقدام مارادونا وميسي، تجربة ثرية صعودًا وهبوطًا، من النضال السياسي والاقتصادي والاجتماعي خلال القرن العشرين، سنبرز أهم مراحلها بعيون كتاب «الأرجنتين: الثورة على حافة الأزمة العالمية» الذي صدر عام 2004 للصحافي والناشط الماركسي البريطاني كريس هارمان، الذي كان عضوًا باللجنة المركزية لحزب العمال الاشتراكي البريطاني، والذي وافته المنية عام 2009.

كان الدافع الرئيس وراء هذا الكتاب هو الأزمة الاقتصادية الشهيرة التي شهدتها الأرجنتين عام 2001، المعروفة بأزمة إفلاس الأرجنتين، وما صاحبَها من اضطرابات سياسية واقتصادية واجتماعية ضخمة.

تزداد أهمية هذه الإطلالة على التجربة الأرجنتينية الآن، مع عودة شبح الأزمة الاقتصادية للظهور في الأرجنتين، محاطًا بهواجس الفوضى والاضطراب والفوران الشعبي، خاصة مع إعلان صندوق النقد الدولي تخصيص برنامج مساعدات اقتصادية للأرجنتين بقيمة 50 مليار دولار على مدار ثلاث سنوات، منها 15 مليار دولار تُقدم بشكل عاجل، يُدفع منها 7.5 مليار دولار لدعم العجز الشديد في الموازنة.

أما الـ 35 مليارًا المتبقية، فتُقدَّم على دفعات بعد مراجعة ربع سنوية من لجان تابعة لصندوق النقد الدولي، لضمان التزام الأرجنتين باشتراطات «الإصلاح» الاقتصادي. وهكذا يعيد التاريخ الأرجنتيني الحديث نفسه، ويواصل هوايته في الجري في المكان.

اقرأ أيضًا: الدواء المر: كيف يدمر صندوق النقد الدول؟


القرن العشرين: 3 انتفاضات كبرى

مع بداية القرن العشرين، لم تكن الأرجنتين كما قد يتوقع بعض القراء، بلدًا زراعيًا ناميًا، تنخرط القاعدة العظمى من سكانه في العمالة اليدوية الزراعية، والحرف البدائية. لقد كانت الأرجنتين آنذاك تُقارَن بدول غنية كأستراليا وكندا، خاصة على مستوى الإنتاج الزراعي الضخم، إذ كانت تصدر لأوروبا الحبوب واللحوم والصوف، وتمتلك علاقات اقتصادية قوية مع إنجلترا التي كانت تستورد ثلث الصادرات الأرجنتينية.

كذلك كان يفضل بعض العمال من إسبانيا وإيطاليا وفرنسا العمل في الأرجنتين لارتفاع الأجور نسبيًا مقارنة ببلادهم. وقد مكنت هذه الأوضاع الاقتصادية المستقرة نوعًا، الحكومة الأرجنتينية من التزام الحياد أثناء الحرب العالمية الأولى.

لكن لم تكن ثمار الاقتصاد موزعة بشكل صحي على كافة شرائح المجتمع، خاصة العمال الذين عانوا من استحواذ أصحاب العمل على معظم نتاج جهودهم. كذلك أدى الهبوط الشديد في استيراد القمح الأرجنتيني أثناء الحرب العالمية إلى هزة اقتصادية كبيرة، كشفت هشاشة الوضع.

شهد يناير/كانون الثاني 1919 الانتفاضة العمالية الأولى، عندما أضرب أكثر من 200 ألف عامل في الصناعات المعدنية، مما أسفر عن اشتباكات عنيفة مع الأمن، تطورت إلى تدخل الجيش، ودعوة النقابات المختلفة لإضراب عام. لكن أدت شدة القمع الأمني، وتحالف ميليشيات يمينية مع الأمن والجيش إلى انكسار هذه الموجة مع مرور الشهور بعد أن راح ضحيتها ما يزيد على الألف إنسان، معظمهم من المتظاهرين والمُضربين.

الرئيس الأرجنتين الأسبق خوان بيرون

في السنوات التالية دخلت الأرجنتين في سلسلة من حلقات الاضطراب السياسي والاقتصادي، بلغت ذروتها عام 1929م مع بداية الكساد العالمي الكبير. أدى هذا في النهاية إلى انقلاب 1930 العسكري، الذي بدأ ما عُرف بالعقد المخزي في تاريخ الأرجنتين.

اتسم الانقلاب بالقمع الشديد خاصة للحركات اليسارية والعمالية، وبتزوير الانتخابات، وبهيمنة الطبقة العسكرية على مقدرات البلد، وبمعاهدة اقتصادية مثيرة للجدل مع بريطانيا منحتها الكثير من الامتيازات. ستنتهي هذه الحقبة بانقلاب 1943 الذي قام به مجموعة من الضباط القوميين، سيبرز من بينهم واحد من أهم الأسماء في السياسة الأرجنتينية هو الكولونيل خوان بيرون، الذي تنتسب له الحركة البيرونية.

في أكتوبر/تشرين الأول 1945، اندلعت الانتفاضة الثانية بسبب بيرون الذي كان نائب الرئيس حينها، والذي استغل نفوذه لدعم الانفتاح السياسي، ونشاط الأحزاب، والمنظمات العمالية، مما أثار حفيظة الجنرالات المحافظين، واليمين، الذين ضغطوا للقبض عليه. أدى ذلك إلى إضراب عمالي واسع، اضطر السلطة للإفراج عن بيرون، الذي استثمر في شعبيته الجارفة ليفوز بالرئاسة في انتخابات 1946، ويفوز حزب العمال الذي يرأسه بالانتخابات المحلية والعامة.

سيظل بيرون في السلطة حتى عام 1955، وينفذ سياساتٍ في مجملها داعمة لحقوق العمال في الأجور والإجازات والتأمينات، وينتعش الاقتصاد نسبيًا في السنوات الأولى نتيجة زيادة الطلب من أوروبا على صادرات الأرجنتين بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك يدفع البلاد نحو التصنيع بقوة. لكن في السنوات التالية ستنتهي فترة الرخاء المؤقت، وتعود الأوضاع للاضطراب، خاصة مع الفردانية والاستبداد اللذين بدأ يتميز بها الحكم البيروني، وأيضًا عدائه للكنيسة ولبعض النافذين بالجيش، ليطيح به انقلاب عسكري أواخر 1955، ويُنفى خارج البلاد.

في السنوات التالية لبيرون، ستحكم عدة حكومات ما بين عسكرية، أو مدنية يمينية قصيرة الأجل وغير فعالة، كان همهما محو كل منجزات البيرونية، خاصة فيما يتعلق بحقوق العمال. مما سيؤدي لتراكم المظالم الاقتصادية والاجتماعية، خاصة مع تعويم العملة المحلية الذي أدى إلى اندلاع التضخم الذي التهم بدوره مدخرات الكثيرين وأنهك قوتهم الشرائية، ليؤدي ذلك إلى الانتفاضة الثالثة عام 1969، والتي عرفت بالكوردوبازو، نسبة لمدينة كوردوبا، القلعة الصناعية الضخمة التي اشتهرت بصناعة السيارات.

اقرأ أيضًا: نعوم بأمر السيسي ونغرق بحتمية بينوشيه

امتازت انتفاضة 1969 باشتراط طبقات واسعة من الطبقة الوسطى خاصة الطلاب الذين أثارهم القمع الشديد لحكومة 1966م العسكرية، والذي وصل إلى حد قتل اثنين من الطلاب المتظاهرين احتجاجًا على سعر الوجبة داخل الجامعة في مايو/آيار 1969. ستنزعج قطاعات كبيرة من المجتمع من هذه الجريمة، فتنتشر دعوة للإضراب العام، تحقق استجابة واسعة في مدينة كوردوبا الصناعية رغم الظروف الأفضل نسبيًا التي يتمتع بها عمال تلك المدينة.

ستشهد كوردوبا حرب شوارع مفتوحة بين الآلاف من العمال وجنود الأمن على مدار يومي 29-30 مايو/آيار 1969. ورغم انكسار موجة الاحتجاجات في الأيام التالية بقوة القمع، فإن الحراك العمالي والطلابي تواصَل في السنوات الأربعة التالية، وأجبر الحكومة العسكرية على إجراء انتخابات نزيهة عام 1973، فاز بها تحالف محسوب على الحركة البيرونية، ومهدت الحكومة الجديدة لعودة بيرون من المنفى بعد 18 عامًا، ليصبح رئيسًا بعد انتخابات أكتوبر/تشرين الأول 1973، وتصبح زوجته إيزابيل – كانت شعبيتها ضعيفة للغاية – نائبةً للرئيس.


من بيرون إلى منعم

أصبح لكل زرافة ونعامة والفيل الهندي البالغ من العمر 48 عامًا، والمسمَّى بنورما، مالكًا خاصًا، بعد بيع حديقة الحيوان.
من كتاب «الأرجنتين: الثورة على حافة الأزمة العالمية» تعليقًا على موجة الخصخصة الشديدة التي شهدتها الأرجنتين في عهد الرئيس كارلوس منعم.

كانت الحركة البيرونية تعاني من انقسام شديد بين الأجنحة اليسارية واليمينية، تطول إلى اشتباكات حقيقية بين الطرفين سقط فيها العديد من القتلى والجرحى. فاقم هذه الأوضاع انحياز بيرون ضد اليسار، ومحاولته التفاهم مع الجيش واليمين، والاضطرابات الاقتصادية، وتفاقم التضخم. توفي بيرون عام 1974، لتتولى إيزابيل بيرون الرئاسة، لتدخل الأرجنتين في موجة من الاضطرابات لعامين، مهدت لانقلاب 1976 العسكري الدموي، الذي وضع إيزابيل تحت الإقامة الجبرية.

يحكم الجنرال فيديلا الأرجنتين بقبضة دموية. يلغي البرلمان ويعلق الاتحادات العمالية والطلابية، ويذهب حوالي 30 ألف قتيل معظمهم من الناشطين السياسيين خاصة اليسار ضحية ما سمي فيما بعد بالحرب القذرة. في سنوات حكم فيديلا، الكثير منهم تعرضوا قبل قتلهم للاختفاء القسري. كما سيسيطر الجيش على المفاصل الاقتصادية الرئيسية.

في عام 1982 يتورط الجنرال جالتيري الذي خلف فيديلا قبل عام، في حرب جزر فوكلاند الشهيرة ضد إنجلترا، كمحاولة للهرب إلى الأمام من المشاكل السياسية والاقتصادية المتفاقمة. تنتهي الحرب بهزيمة الأرجنتين، واستعادة بريطانيا السيطرة على الجزر، فيستقيل جالتيري، وتهتز قبضة الحكم العسكري، وتزداد شعبية الحركات المعارضة للحكم العسكري، خاصة حركة أمهات بلازا دي مايو التي تشكلت من أمهات المختفين قسريًا.

يتم السماح بعودة الأحزاب تدريجيًا، ويتولى الرئاسة أواخر 1983 رئيس مدني منتخب هو المحامي راؤول ألفونسين، الذي ذاع صيته لدفاعه الجريء عن ضحايا القمع العسكري. يركز ألفونسين على تعزيز الديموقراطية، ومحاكمة جنرالات القمع العسكري، رغم الاعتراضات والتمردات المتكررة من الجيش.

يضطر بعد ذلك للاستقالة عام 1989 قبل شهور من انتهاء فترته الرئاسية نتيجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة، وتفاقم التضخم، وارتفاع الديون الأجنبية إلى معدلات خطيرة. ينجح كارلوس منعم – المحسوب على الحركة البيرونية – في الوصول للرئاسة عام 1989 بدعم كبير من طبقات العمال والفقراء.


الانهيار الكبير

الرئيس الأرجنتيني الأسبق كارلوس منعم

تزامن صعود كارلوس منعم، مع تداعي الشيوعية وانهيار الاتحاد السوفيتي، لذلك لم يجد معارضة كبيرة لسياساته النيوليبرالية الحادة، والتوسع الشديد في الخصخصة، وفتح الأبواب على مصراعيْها للواردات، ورأس المال الأجنبي، الذي تدفق بشكل كبير مع تزايد الثقة الدولية في الأرجنتين، فاستقرت الأوضاع الاقتصادية نسبيًا، مما كفل فترة رئاسية جديدة لمنعم عام 1994، والذي استفاد كثيرًا من الربط الذهني للكثيرين بينه وبين بيرون.

بزع في تلك الفترة نجم كافالو وزير مالية منعم، الذي وصفته بعض المصادر الغربية بصانع المعجزات. أبدى الكثيرون إحباطهم نتيجة هذا الاعتماد الكبير على الاستثمار الأجنبي المتقلب المزاج، وعجز الصناعات الأرجنتينية على المنافسة الدولية لضمان تدفق الصادرات والعملة الأجنبية.

لم تدُم بالونة الاستقرار الهش طويلًا، فقد أصابت أزمة 1997 – أزمة انهيار اقتصاد النمور الآسيوية – الاقتصاد الأرجنتيني في مقتل، إذ هزَّت ثقة المستثمرين في الاقتصادات الناشئة، فانسحب معظم رأس المال الأجنبي من الأرجنتين فعاد اقتصادها للنفق المظلم.

ارتفعت البطالة إلى أكثر من 20%، وانخفضت الأجور، والقوة الشرائية لعموم الناس، ودخل الاقتصاد الأرجنتيني في حالة من الركود الشديد، وارتفعت بشدة الفوائد على القروض الخارجية للأرجنتين، مما أضاف عبئًا جديدًا لخدمة الديون على الميزانية المترنحة. كما أصبحت معدلات النمو بالسالب لسنواتٍ عديدة.

سقطت حكومة منعم عام 1999، وخسر حزبه الانتخابات العامة. فشل الرئيس الجديد دي لاروا في احتواء الموقف، وزاد الطين بلة، رفع الضرائب، وخفض أجور العاملين بالدولة. في مارس/آذار 2011، يعود كافالو – صانع المعجزات كما كان يلقب – لمنصبه لمحاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن تتسبب إجراءاتُه التقشفية العنيفة، مع المزيد من الديون الخارجية التي خاض فيها بنصيحة صندوق النقد الدولي، في تعميق الأزمة.

تجاوزت الأمور عتبة الانهيار في أواخر 2001. عجزت بعض الإدارات عن دفع مرتبات العاملين، وكذلك استحواذ الحكومة على صناديق المعاشات الخاصة لدفع فوائد الديون الأجنبية، وفرض قيود على سحب الأموال من البنوك، ليصبح الحد الأقصى 250 دولارًا في الأسبوع، مما أدى إلى حالة هلع بين المواطنين الذين تجمهروا أمام البنوك وماكينات الصرف يريدون سحب مدخراتهم.

في الأيام الثلاثة 19 – 20 – 21 ديسمبر/كانون الأول 2001، تحول الأمر إلى انتفاضة شعبية، وانتشرت أعمال العنف، والسلب والنهب خاصة للمراكز التجارية الكبيرة والبنوك الدولية، وعجزت الدولة عن السيطرة على الأمور رغم القمع الشديد من الشرطة والذي أسفر عن سقوط بعض القتلى، وآلت الأخداث إلى استقالة دي لاروا – بعد فراره في هليكوبتر من القصر الرئاسي – وكافالو.

استمرت حالة الانفلات لأسابيع، وأصبحت مناطق عديدة من البلاد تُدار بواسطة لجان شعبية. كانت أزمة الأرجنتين أضخم بكثير من مجرد إعلان حكومتها إفلاسها، وعجزها عن الإيفاء بالتزامات ديونها الخارجية، فقد كان تماسك الدولة كدولة على المحك.

بدأت الأمور تهدأ قليلًا مع انتخاب البرلمان للرئيس المؤقت الجديد دوهالدي مطلع عام 2002، استمرت الإجراءات التقشفية الحادة، وتمت مصادرة الودائع الدولارية في البنوك، واستبدالها بالعملة المحلية إجباريًا، كما تم تعويم البيزو الأرجنتيني، فارتفع التضخم بشدة.لكن في المقابل تفاوضت الحكومة الجديدة مع الدائنين الدوليين لإعادة جدولة الديون الأرجنتينية بشكل يعطي الفرصة للاقتصاد للتعافي، كما وضعت قوانين تقلل من التهرب الضريبي الذي وصل لأعلى معدل في العالم في قلب الأزمة.

كذلك استخدمت الموارد المالية الناتجة من الإجراءات الاقتصادية في دعم التصدير، وبالفعل تحسنت الصادرات ابتداء من عام 2003/2004، ساعدها في ذلك الانخفاض الشديد في قيمة العملة الأرجنتينية، مما زاد تنافسيتها الخارجية.

عاد الاقتصاد للنمو، وساعد في استقرار الأوضاع إجراء الانتخابات الرئاسية والعامة عام 2003، ووصول نستور كوشنر إلى مقعد الرئاسة، ليواصل عملية انتشال الأرجنتين من الهاوية. لكن ستظل – إلى اليوم – الديون الخارجية الهائلة للأرجنتين قنبلة موقوتة قادرة على ابتلاع قيمة أي إصلاحات اقتصادية، ونسف أي استقرار ظاهري.