من الصعب على رجل معدته ممتئلة دائمًا أن يستخدم عقله في شيء مفيد، ألا يوجد هناك لاعبوا liubo أو weiqi؟، حتى لعب تلك الألعاب أكثر فائدة من العَطَلة

الحكيم الصيني كونفوشيوس

عندما تحدث الحكيم الصيني كونفوشيوس قبل 500 عام من ميلاد المسيح عن لعبة weiqi لم يكن يراود خياله أن تصبح تلك اللعبة الشعبية الصينية هي التحدي الأصعب حتى الآن أمام تقنيات الذكاء الاصطناعي، على الأقل حتى استطاعت جوجل قهر أحد أبطالها لخمسة أدوار متتالية دون هزيمة.

ففي أول تدوينة له على حسابه على تويتر، أعلن ديميس هاسابيس مؤسس ورئيس شركة DeepMind المملوكة لجوجل منذ 2014، عن تحقيق حلم علماء الذكاء الاصطناعي لأكثر من عشرين عامًا، حيث تمكن برنامجهم AlphaGo من الانتصار أخيرًا على أحد أبطال لعبة GO، حيث لم يتمكن أي حاسوب في الانتصار من قبل على أي من أبطال اللعبة.


ما هي GO؟

GO أو weiqi هي لعبة صينية ترجع لأكثر من 2500 عام، وهي لعبة عقلية إستراتيجية، وكانت تعتبر قديمًا أحد الفنون الأساسية التي يجب إتقانها على أي عالم صيني، مع إتقان الخط والرسم وعزف الموسيقى على آلة وترية صينية قديمة، وكتب عنها قديمًا الفيلسوف الصيني كونفوشيوس. تتكون اللعبة من رقعةٍ مقسمة وعدد من الأحجار البيضاء والسوداء، ويحاول كلا اللاعبيْْْن أسر وطرد أحجار اللاعب الآخر ويبسط سيطرته على الرقعة الكاملة. وربما تعتقد أن الأمر بسيط، لكن، وبسبب بساطة وصعوبة وجمال التحدي في نفس الوقت، ما زالت اللعبة منتشرة حتى الآن بين أكثر من 40 مليون لاعب، ولها بطولاتها القارّية والمحلية أيضا.

يكمن تحدي الذكاء الحقيقي في اللعبة على الرغم من بساطة قواعدها، في كونها تحتمل 1,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,

000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000

,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000,000 احتمال. ويمكن حساب ذلك بشكل دقيق باستخدام قوانين تعقّد شجرة الألعاب game-tree complexity. ففي رقعة لـ GO بحجم 19*19 -كالتي استخدمتها جوجل- تبلغ عدد الاحتمالات 1.74×10172، أي أكثر من عدد الذرات في الكون المنظور والمقدر بحوالي 4×1081 ذرة.

وبسبب هذا التعقيد اللا نهائي فشلت جميع تقنيات الاصطناعي – حتى الآن – في مجاراة لاعب متوسط المستوى حتى والانتصار عليه، وجعلها تحدّيًا دائمًا أمام علماء الذكاء الاصطناعي كما يقول البيان الرسمي لجوجل.


الذكاء الاصطناعي ضد ألعاب الذكاء

تاريخيًّا، اعتاد مطورو تقنيات الذكاء الاصطناعي استخدام ألعاب الذكاء في تحدي برمجياتهم وتعليمها لوغارتميات جديدة قادرة على حل مشاكل غير متوقعة وغير مبرمجة عليها مسبقًا. بدأ ذلك بلعبة XO الشهيرة عام 1952، وبعد الانتصار عليها جاء الدور على لعبة الضامة عام 1994، ثم في 1997 انتصر الذكاء الصناعي في معركته الأكثر شهرة ضد بطل العالم الروسي في الشطرنج وأحد أرباب اللعبة، جاري كيموفيتش Garry Kimovich، وهو الانتصار الذي اعتبرته IBM علامة فارقة في تاريخ تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي. في 2011 انتصر الذكاء الاصطناعي على البشر في لعبة المحك Jeopardy. ثم وفي 2014 بدأ الذكاء الاصطناعي الخاص بجوجل يتعلم مختلف ألعاب الأتاري، وحتى حينها كان الذكاء الاصطناعي ينتصر فقط على الهواة في لعبة GO.


وفعلتها جوجل

أدركت جوجل أن تقنيات الذكاء الاصطناعي المعتادة والتي تعتمد على بناء شجرة كاملة من الخطوات المتوقعة لكل حركة أو قرار {search tree} لن تجابه ذكاء البشر في لعبة شديدة التعقيد كتلك. ولهذا غيّرت جوجل الخطة وقامت ببناء نظام ذكاء اصطناعي مركب جديد أطلقت عليه AlphaGO. يعتمد النظام الجديد على نظام بناء قرارات أكثر تطورًا يسمى {Monte Carlo tree search} متكامل مع شبكة عصبونية اصطناعية متعددة الطبقات تتكون من 12 طبقة شبكية تتواصل بملايين من الوصلات شبه العصبية -كالمخ تماما-، ولكل طبقة منهم مهمة محددة في عملية اتخاذ القرار. تعمل الشبكات العصبونية كالمخ تمامًا، وتتعلم كالبشر أيضًا، وتطور أداءها لتواكب المهمة الموكلة لها.

قامت جوجل بتدريب AlphaGO على أكثر من 30 مليون لعبة لخبراء في لعبة جوجل ليطور من أدائه، لتصل دقة تنبئه بالحركة القادمة لمحترف لنسبة 57%. بتلك النسبة سيصبح AlphaGO محترفًا كأي لاعب محترف، ولم يرضِ هذا غرور علماء جوجل، والتي قررت أن يتحدى AlphaGO نفسه بممارسة اللعبة وتعليم نفسه ذاتيًّا، حيث ستنافس طبقاته العصبية بعضها وتبتكر إستراتيجيات لعب جديدة مستخدمًا تقنيات تعزيز التعلم {Reinforcement learning}. ولاحتياج تلك العمليات لطاقة حوسبية جبارة، قامت جوجل باستخدام شبكات جوجل السحابية {Google Cloud Platform} لتنفيذ المهمة.


حان وقت التحدي

من أصل 500 تجربة قام فيها AlphaGO بتحدي مختلف أنظمة الذكاء الاصطناعي وخصوصًا المخصص منها للعب GO، قام AlphaGO بالانتصار في 499 منهم. فكانت الخطوة التالية المنطقية هي تحدي الخبراء. ولهذا قامت جوجل بدعوة الصيني Fan Hui، أحد أبرز لاعبي GO وبطل أوروبا 3 مرات، إلى مكتب جوجل في لندن لتحدي AlphaGO. جاء فان ليصدم لأول مرة في حياته، لقد هزم في خمس مباريات متتالية لأول مرة ربما في حياته، وهو الذي كرس حياته للعبة منذ كان عمره 12 عامًا. حققت جوجل الحلم أخيرًا، الحلم الذي توقع أكثر العلماء تفاؤلاً أنه لن يتحقق قبل 10 سنوات على الأقل.

نشرت جوجل ورقة بحثية بالإنجاز بمجلة Nature، وسيزين الخبر غلاف المجلة هذا الأسبوع.

قررت جوجل أن تنقل التحدي لأعلى درجة ممكنة، سيواجه AlphaGO أسطورة اللعبة، بطل العالم، اللاعب الأقوى في العقد الأخير في لعبة GO، الكوري Lee Sedol، وذلك في مسقط رأسه، حيث ستقام المباراة في مكتب جوجل في سيول عاصمة كوريا الجنوبية. وهي المباراة التي ستحدد بشكل نهائي من انتصر في التحدي الأعظم في تاريخ الذكاء الاصطناعي. حققت جوجل انتصارًا من قبل عندما أجرت حوارًا فلسفيًّا مع ذكاء اصطناعي مبرمج لأول مرة. لكنها الآن تواجه تحديًا من نوع مختلف.


التعلم الذاتي للآلة هو الهدف

يهدف الفريق بالتأكيد للنصر في هذا التحدي، وهو النصر الممتع في حد ذاته، لكنه ليس الهدف النهائي. فقد أثبتت جوجل أن الذكاء الاصطناعي ممكن. والهدف الحقيقي من وراء كل هذا البحث والتطوير هو صنع ذكاء اصطناعي قادر على تطوير نفسه والتعلم من تجاربه وأخطائه وذلك لوضعه في ظروف حياتية حقيقية لتتحقق الاستفادة الكاملة من وجوده. ففائدة تحدي الألعاب هنا هو الاختبار والتطوير بشكل سريع، لكن النتيجة النهائية ستتحقق عندما تصبح التقنيات المستخدمة في AlphaGO قادرة على حل مشاكل عويصة كمشاكل البيئة، أو حل المشاكل الطبية المعقدة مثلا. هذه هي الغاية النهائية لجوجل وفريق DeepMind. وفي هذا تسابق جوجل، مارك زوكربيرج، رئيس فيسبوك، حيث قال مارك اليوم على صفحته على فيسبوك إنه وشركته يعملان على تجارب حقيقية لخلق ذكاء اصطناعي قادر على الفوز في GO، لكنه يبدو أنه لم يكن يدري بإنجاز جوجل، أو كان يدري لكنه يعلن فقط عن قبول التحدي.

تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي سيصبح من أهم إنجازات البشر، ولسوء الحظ، ربما سيكون آخر شيء يفعلونه – ستيفين هوكنج.

اليوم، اقتربنا خطوة باتجاه النهاية المحتومة والتي حذر منها مرارًا ستيفن هوكنج.

المراجع
  1. ورقة جوجل البحثية على Nature
  2. بيان جوجل الرسمي
  3. الموقع الرسمي لــ DeepMind