مع التطور المتسارع والمستمر الذي يلف مشهد حياتنا عمومًا، أصبح من الشائع أن تسمع تفاسير عديدة وتقرأ نظريات ودراسات متنوعة عن مُسببات حالة معينة تتفق فيها المعطيات والنتائج أو تختلف، وهذا الأمر أصبح يتعلق بكافة جوانب حياتنا أو اهتماماتنا، ومنها كرة القدم أو الرياضات بشكل عام، التي لم تعد تقتصر على التمارين والتدريبات ودروس المهارة والتكتيك، بل امتدت إلى مجالات أخرى لم نكن نتوقع أن تلقى اهتمامًا مماثلًا فيما سبق، وأحد هذه المجالات هو الشق النفسي الذي يعتبر حاليًا في منزلة موازية للشق الفني والتكيتيكي في اللعبة.

التحضير النفسي قبل المباراة مغاير تمامًا للغة جسد اللاعبين داخل أرض الملعب، فهي قصة مختلفة تفاصيلها مكتوبة في وجوه اللاعبين وحركة أجسادهم وطريقة التواصل فيما بينهم بالإشارات، هي قصة تخبرنا كل شيء بلا أي كلمات تُنطق.

وهذه الإشارات تعبر عما في داخل اللاعب وتكشف ما يريده دون الحاجة لقول حرف واحد، وهذا أمر يحتاجه اللاعبون داخل أرض الملعب لإيصال رسائل لبعضهم البعض سواء برفع الحاجب أو بحركة اليد دون أن تُكشف من لاعبي الخصم، وتظهر الدراسات أن الرياضيين بشكل عام يتفوقون على الأشخاص العاديين في إرسال وتلقي هذه الإشارات والتصرف على إثرها بسرعة بهدف التحرك للتسجيل أو من أجل إعاقة الخصم.

أعتقد أن العامل النفسي أصبح له دور كبير ومتزايد في كرة القدم وخاصة في أندية النخبة، ومع تقارب مستويات الأندية الكبرى، صار للتأثير النفسي دور بالغ الأهمية في حسم بعض المباريات
دانييل ميميرت- بروفسور في كلية «كولن» الرياضية

وأصبحت الأندية بشكل عام والكبرى منها بشكل خاص تلجأ لتعيين أطباء وخبراء نفسيين لحل بعض مشاكل فقدان الثقة، أو بغرض التدريب من أجل إخفاء لغة الجسد السلبية في حالات التأخر بالنتيجة، وهذه بعض الإشارات التي بإمكانك من خلالها قراءة لغة الجسد في مباراة لفريقك أو لاعبك المفضل.


الناجح يرفع إيده

على الرغم من اختلاف الثقافات واللغات والعادات، إلا أن تعبير الفرحة متشابه ويكاد يكون موحدًا، وتتجسد الفرحة من خلال رفع اليدين فوق الرأس وإبراز الصدر نحو الأمام، ورأس مرفوع يميزه فرحة عارمة، حتى أن بعض الأبحاث التي أجريت في الألعاب الأولمبية لذوي الاحتياجات الخاصة أظهرت أن الرياضيين المكفوفين يعبرون عن الانتصار بلغة الجسد ذاتها وكأنها نوع من الفطرة أو الغريزة.

لكن رغم هذا التشابه في التعبير، تختلف حركة الجسد وفقًا للوضع أو الظرف الذي تجري خلاله المسابقة الرياضية، فالأمر لا يُختزل بالانتصار فقط بل يتعلق بمواجهتك لخصمك اللدود أو بهدف حاسم بعد مباراة صعبة، وأيضًا يرتبط هذا التعبير بطباعك أو ثقافة المنشأ، فبعض الرياضيين يفرحون كتعبير عن النصر وآخرون يظهرون فخرهم وغرورهم كنوع من العَظَمَة.

1- احتفال مايكل فيليبس بعد تحقيق منتخب الولايات المتحدة الذهبية بعد سباق صعب- التعبير عن النصر يظهر دائمًا تعابير عدوانية على الوجه.

2- احتفال نيمار أمام الكاميرون في كأس العالم يظهر نزعة التفوق والفخر، ابتسامة خفيفة جدًا تعبر عن سهولة المهمة

وتتجلى هذه التغيرات في لقطة خلع القميص بعد تسجيل الأهداف، وخلع القميص ما هو إلا صفة فطرية من الضرورة البيولوجية للتعبير عن الهيمنة والتفوق الكامل على الخصم، وبالطبع تتأثر طبيعة الاحتفالات باختلاف الثقافات، فنشاهد الاحتفالات الدينية عن طريق الركوع امتنانًا وشكرًا في عالمنا العربي، والاحتفالات الراقصة في منتخبات أمريكا الجنوبية وأفريقيا والتي تظهر الموروث الثقافي لهذه الشعوب.


الهزيمة مُعدية كالطاعون

كما التعبير المُوَحَد في الانتصار، يُميز الخاسرون أيضًا تعبيرًا خاصًا بهم، وتشير الأبحاث إلى أننا لا نتعلم هذه الحركات التعبيرية بمشاهدتنا للآخرين، بل نحن مبرمجون بالفطرة للقيام بذلك عندما نتعرض للهزيمة، فالخاسرون يهدلون أكتافهم ويخفضون رءوسهم ويحدقون في الفراغ في تعبير عن الألم أو الحزن، والأمر أشبه ببالون منكمش بعد فروغه من الهواء، الأدرينالين يغادر الجسم ويبقيه ذابلًا وغارقًا في الأسى والإحباط.

لغة الجسد في حالات الخسارة و الهزيمة

و«دييجو كوستا» أظهر روحًا انهزامية خلال مباراة كأس ملك إسبانيا أمام ريال مدريد منذ 3 أعوام، ورؤية زملائه لحركة جسده هذه كفيلة بنقل هذا الشعور إليهم أيضًا.

أما «أليكسيس سانشيز» أمام «سوانزي» أظهر بعد تسجيل غوميز هدفًا في مرمى أرسنال في الدقيقة 85 أنه استسلم للنتيجة وأوصل لزملائه شعورًا بعدم إمكانية الرجوع بها بعد جلوسه على الأرض مقرفصًا معلنًا رضوخه للأمر الواقع.


حسرة أم ندم أو عار؟

خلال المباراة يكون التوتر على أشده، الأدرينالين يغزو شرايين الجسم والقلق في أعلى مستوياته، ونتيجة لذلك اللاعبون معرضون لإهدار فرص تعتبر سهلة التسجيل بسبب هذا القلق، وبعد إهدار الفرص يقوم اللاعب وزملاؤه ومدربه وحتى الجماهير بحركة لا إرادية من خلال وضع أيديهم على رءوسهم تعبيرًا عن الحسرة وعدم التصديق، وهذا الأمر تشاهده في أي مباراة، انطلاقًا من دوريك المحلي وصولًا إلى نهائي كأس العالم.

ولعل المثال الأشهر على هذه الحركة حصل عام 1999 خلال مباراة بين ليفربول ومانشستر يونايتد، فبعد إضاعة مايكل أوين فرصة سهلة أمام المرمى، كل من في الملعب قام بهذه الحركة، ولكن لماذا هذه الحركة تحديدًا؟

لا يوجد إجابة حاسمة و لا أحد يستطيع تأكيد السبب لكن هناك نظريات عديدة تفسر هذه الحركة، ومرة أخرى نحن لا نتعلم هذه الأمور بل هي رد فعل عكسي له تفاسير عدة أهمها:


نظرية فيزيولوجية

إمساك الرأس ناتج عن القلق وتدفق الأدرينالين في الفروة الجانبية للرأس، حيث يوجد على جانبي الرأس شرايين كبيرة تضخ بكامل قوتها في حالات القلق وفي لحظة إضاعة الفرصة يقل عمل هذه الشرايين بسبب تناقص كمية الأدرينالين مما يسبب تقلصات خفيفة غير مؤلمة تكاد تكون غير محسوسة ينتج عنها إمساك الرأس.

نظرية فيزيائية

لغة الجسد في حالات الحسرة الندم
الإمساك بالرأس هو إعادة استنساخ لحركة الأم عندما تقوم بوضع يديها على رأس طفلها بلطف ورقة لإعطائه الراحة والطمأنينة في الظروف العصيبة، الفرق هنا أن اللاعب يقوم بنفسه بفعل هذه الحركة كما أن المشجعين أيضا يفعلون هذه الحركة لتعطيهم الراحة تحت الضغوط وفي محاولة منهم لتخفيف خيبة الأمل

آلان بيس- خبير أسترالي في قراءة لغة الجسد

نظرية نفسية

عندما يخطئ اللاعبون الهدف يشعرون بالحرج، فيقومون بتغطية وجوههم وأعينهم كأنهم يشكلون درعًا لحماية أنفسهم من هذا الخزي كرد فعل على الإحباط.

روبيرت فيبس-خبير إنجليزي في قراءة لغة الجسد والتواصل غير اللفظي


لغة الجسد تخبرك القصة بأكملها

الجميع في تلك الأثناء لا يرغبون برؤية أحد، ولا يرغبون أن يراهم أحد، يريدون أن يخفوا خجلهم من الكارثة بعد إضاعة الفرصة، وغالبًا يتم وضع اليد قرب العينين أو الجبهة في دلالة على الإحباط وقد يجثون على ركبهم لأن شعورهم بالإحراج قد استنزف طاقتهم
دانييل ميميرت- بروفسور في كلية كولن الرياضية
لغة الجسد الإيجابية التي تقترن بحركات يتم تكرارها باستمرار تعتبر إحدى الطرق المثلى لتحسين الأداء،يجب على اللاعب أن يفكر مليًا في تحسين حركة جسده، وهو ما يسمى بتمارين الدماغ
ابتسامة يوساين بولت قبل نهاية سباق 100 متر في أولمبياد ريو

مؤخرًا زاد الاهتمام بتأثير لغة الجسد في المجال الرياضي وبحسب العديد من الدراسات اتضح أن بإمكان الباحثين معرفة الفريق الرابح عن طريق مراقبة حركة أجساد اللاعبين خلال المباريات، وتَبَيّن بالفعل أن لغة الجسد تلعب دورًا حاسمًا في الرياضات بشكل عام، والمثال الأبرز على الإطلاق هو لحظة تبسم يوساين بولت قبل نهاية سباق 100 متر في أولمبياد ريو، لحظة سترسخ في أذهاننا وتُحفر عميقًا في ذكرياتنا، فتعابير وجهه وكانت كالمرآة التي تعكس لنا ما في داخله وتدل على ثقة الجمايكي بقدرته على الإنهاء في المقدمة.

المراجع
  1. رد فعل الرياضيين بعد الفوز
  2. ماذا تكشف لغة الجسد
  3. لغة الجسد في كرة القدم بين الرابج و الخاسر
  4. لماذا يمسك اللاعبين برؤوسهم عند إضاعة الفرص
  5. لغة الجسد في الخسارة