صدق أو لا تصدق، يومًا ما كان «فيليبي كوتينيو» أسعد شخص على وجه الأرض. كان ذلك قبل عام وبضعة أسابيع، حيث جلس آنذاك داخل سيارة سوداء اللون تتحرك باتجاه مقر نادي برشلونة، وقد سيطرت عليه فكرة واحدة فقط؛ وهي أنه أصبح على بعد لحظات من تحقيق حلمه بإعلان انتقاله رسميًّا للبلوجرانا.برشلونة ليست حلم كوتينيو وحده، بل هي حلم أي لاعب لاتيني عمومًا، وبرازيلي على وجه الخصوص. يمكنك أن تجد لاعبًا برازيليًّا على الأقل نجح في ترك بصمة مع كل جيل قوي للبارسا، هناك انفجرت موهبة الظاهرة «رونالدو»، وقدم «روماريو» أفضل نسخه على الإطلاق، وتمكن أيضًا «ريفالدو» من الفوز بالبالون دور، وهذا كله قبل أن يبهر «رونالدينيو» العالم بألاعيبه الأكروباتية، ويحجز «نيمار» لاسمه مركزًا ضمن أفضل لاعبي العالم. الأمر أشبه ما يكون بتسلسل زمني، حيث يتألق أحدهم ويصنع لنفسه تاريخًا في الكامب نو ثم يرحل، ليتسلم عندها برازيلي آخر الراية من بعده ويواصل المسيرة، وربما ظن فيليبي أن الوقت قد حان ليلعب هو ذلك الدور، خصوصًا وهو يعبر بوابة النادي كأغلى صفقة في تاريخ برشلونة كله، لكن ذلك كان مجرد ظن لا أكثر!


لماذا كوتينيو؟

لم يتخيل كوتينيو في أسوأ كوابيسه أن يشهد عامه الأول في برشلونة كل هذا الإحباط، ويتحول لمادة سخرية قطاع لا بأس به من جمهور الفريق، بل تخرج أنباء عن استعداد إدارة النادي التخلي عن خدماته، لكن قبل استعراض كيف وصل به الحال إلى تلك النقطة، علينا البحث عن إجابة سؤال: لماذا تعاقد النادي الكتالوني أصلًا مع فيليبي كوتينيو؟إدارة «جوسيب بارتوميو» سعت بكل دأب للحصول على لاعب الريدز، وقد دخلت في مفاوضات ماراثونية مع إدارة ليفربول امتدت من يوليو 2017 وحتى يناير 2018، وفي نهاية الأمر لم تمانع من دفع ما يقارب 140 مليون يورو لخزينة النادي الإنجليزي، وهذا ما أوحى للبعض أن برشلونة في حاجة فنية عاجلة لجهود كوتينيو. لماذا؟ لأنه من دون المنطقي أن تصمم على ضم لاعب كل تلك الفترة، ثم تدفع كل ذلك المبلغ، إلا لو كان هذا اللاعب سيحل أغلب مشاكل فريقك، إن لم يكن كلها. في الواقع كان ذلك غير حقيقي. كوتينيو لم يكن ليحل كل مشاكل برشلونة، ولا حتى أغلبها، بل من يتأمل قليلًا في أدواره مع ليفربول ويتعرف على إحصائياته ربما يتعجب من ذلك الإصرار على استقدامه لأنه ربما يضيف لمشاكل برشلونة مشكلة جديدة في ظل واقع الفريق المعقد.


من هو كوتينيو؟

دعني أوضح لك ما أقصده، أنا لا أقول أبدًا إن فيليبي لاعب سيئ، بل على العكس هو لاعب يمكنه صناعة الفارق، لكن واقع برشلونة كان بحاجة للاعبين يملكون إمكانيات أخرى ويقومون بأدوار مختلفة عن تلك التي يعرفها البرازيلي.مع ليفربول لعب كوتينيو ضمن الرسم الخططي 4/3/3 في مركز الجناح الأيسر. حيث تولى مسئولية صناعة الفرص أمام التكتلات الدفاعية، والانطلاق في أنصاف المساحات خلف خط وسط الخصوم لتوزيع التمريرات الخطيرة لزملائه: فيرمينو، وساديو ماني. يحب كوتينيو أن يتحرك بحرية داخل عمق الملعب، ولا يتقيد بأداء مهام دفاعية صلبة كالارتداد السريع أو رقابة الظهير المنطلق، بل كان يوفر له المدرب «يورجن كلوب» الحماية بوجود لاعبين يتولون تلك المهام في وسط الملعب كجيمس ميلنر، وجيني فينالدوم. ومع نهاية موسم 2016 / 2017 وبداية موسم 2017 / 2018، أحب كلوب تجريب لاعبه في مركز جديد. فبدلًا من الدفع به كجناح، لعب كوتينيو كلاعب وسط ملعب ثالث، وهو مركز يعرف في عالم التكتيك بالرقم 8، ويتقدمه ثلاثي هجومي آخر. لكن النتيجة لم تخرج بالشكل المرجو، ببساطة لأن هذا المركز يحتاج لاعبًا يجيد الكرات الثنائية والارتداد، ويقطع مسافة كبيرة بطول الملعب ركضًا، إلى جانب خلق الفرص والتحكم في إيقاع الفريق، وهذا لا يتوفر في كوتينيو الذي يعاني بدنيًّا خلال التسعين دقيقة. لهذا أقلع كلوب عن الفكرة، وأعاده لمركزه الأساسي. وهنا ينبغي أن نتذكر دومًا أن كوتينيو قدم أفضل مستوياته كجناح، وليس كلاعب وسط مُسجلًا بقميص الريدز 54 هدفًا، وصانعًا 45 آخرين كما تكشف الخريطة الحرارية.

الخريطة الحرارية لكوتينيو مع ليفربول خلال مواجهة بيرنلي تكشف تحركاته من الجناح لعمق الملعب


قبل وبعد

دعنا الآن نلقي نظرة على برشلونة خلال صيف 2017 ومع بدء المفاوضات لضم كوتينيو. كان الفريق الكتالوني أمام أكثر من مشكلة، أولها هو أنه أصبح يمتلك وسط ملعب مترهل بعد تذبذب مستوى «سيرجيو بوسكيتس»، وانخفاض المردود البدني لـ«إنيستا»، والإرهاق الشديد الذي أصاب «راكيتيتش». ولذلك سعى النادي لسد تلك الثغرة، وحاول التعاقد مع «ماركو فيراتي». ولكن بدلًا من أن ينجح في الحصول على خدماته، تعرض برشلونة لضربة قوية بعد أن فقد بشكل مفاجئ الضلع البرازيلي في مثلث msn: نيمار. وصار الآن الفريق في حاجة لعلاج مشكلتين، بدلًا من مشكلة واحدة، وهو إيجاد جناح هدَّاف بعد التعاقد مع لاعب وسط ملعب واحد على الأقل. حتى هذه اللحظة، كان البلوجرانا أمام أكثر من خيار متاح لتدعيم صفوفه. ففي مركز الوسط، كان من الممكن أن يركز بارتوميو جهوده للتعاقد مع «تياجو ألكنتارا»، وربما «إيمري تشان» أو «ساؤول نيجيز»، أما بالنسبة للجناح فكان الفريق بحاجة للاعب بقدرات «مارسيال»، أو «لورينزو إنسيني» أو حتي «رحيم ستيرلنج» في نسخته الأخيرة، وعلى كل حال لم يكن التعاقد مع «عثمان ديمبيلي» في هذا المركز بالفكرة السيئة. الآن صار لديهم لاعب طرف جيد، لكن ماذا عن وسط الملعب؟يؤكد «جليم بلاج»، خبير الكرة الإسبانية في شبكة سكاي سبورت، أن إدارة برشلونة كانت ترى في كوتينيو «إنيستا الجديد». لحظة واحدة! إنيستا؟ نعم أندريس إنيستا، لاعب وسط الملعب الفذ، وأحد أفضل من أدى في المركز رقم 8 إن لم يكن الأفضل على الإطلاق. بالطبع ستتساءل؛ ألم يفشل فيليبي في تأدية نفس ذلك الدور مع ليفربول؟ ألم تشاهد الإدارة مبارياته؟ أين كان المدير الرياضي وقت اتخاذ القرار؟ المدير الرياضي السيد «روبيرت فيرنانديز» كان أول من أشاع لقب إنيستا الجديد أساسًا! طبعًا المدرب «إرنيستو فالفيردي» لم يعلق على صفقة كوتينيو، وهو في الغالب لا يبدي رغبة أو رفضًا لهذا اللاعب أو ذاك، هو يلعب بما لديه فقط لا غير، ويرضى بما تقوم به الإدارة أيًّا كان. أخيرًا بقي أن تعرف أن وكيل كوتينيو هو السيد «كيا جورابشيان»، نفس وكيل «باولينيو»، والوسيط المهم في صفقة «مالكوم»، ومن يستغل علاقاته القوية بإدارة برشلونة ليعرض عليهم لاعبًا كل نصف ساعة تقريبًا أبرزهم «ويليان». قبل كوتينيو كان برشلونة بحاجة لتدعيمات بوسط الملعب والجناح، وبعد كوتينيو وديمبيلي لا يزال برشلونة في حاجة لتدعيمات بوسط الملعب. المشكلة في حالة فيليبي كوتينيو أنهم أرادوا له لعب دور لا يجيده، دون الاستناد تقريبًا على أي شيء منطقي، وإنما كان الهدف فقط هو إرضاء الجماهير الغاضبة بلاعب له اسم لامع، وتشبيهه بأسطورة كإنيستا حتى ولو كان المشترك الوحيد بينه وبين كوتينيو هو قصر القامة وحسب.

356 يومًا من الغرابة

فيليبي كوتينيو. ليفربول, يورجن كلوب, برشلونة
أتم كوتينيو انتقاله للبارسا في السادس من يناير/كانون الثاني 2018. وما أن وصل لهناك حتى أصيب عثمان ديمبيلي إصابة عضلية أبعدته عن المشاركة، كما لجأ فالفيردي لتعديل رسمه التكتيكي لـ4/4/1/1 لتفادي بعض مشكلات وسط الملعب الدفاعية، ثم دفع بكوتينيو في مركز الجناح الأيسر.وقد ظهر فيليبي بشكل جيد أول الأمر، خصوصًا مع حرية كاملة لـ«ميسي وسواريز» في الثلث الهجومي، لكن ظل وجوده في التشكيل الأساسي رهين استمرار فالفيردي على هذا الرسم الخططي، وهو ما لم يحدث مع بدء الموسم الحالي، فقد عاد المدرب الإسباني مرة أخرى لـ4/3/3 المفضلة لبرشلونة، والسبب في ذلك هو التدعيمات التي أجراها الفريق في وسط الملعب بقدوم «أرثر» إلى جانب «أرتورو فيدال»، وقد عالجت كثيرًا من ضعف وترهل متوسط الميدان الكتالوني.ومع 4/3/3 ومع عودة ديمبيلي، لم يتمكن فيليبي من حجز مركز دائم في الفريق، فتارة يشارك كثالث وسط ملعب في المركز رقم 8، ليظهر عندها بوضوح عدم قدرته على التأقلم بسبب بطء حركته وإخفاقه في الكرات الثنائية، تخيل أنه لم ينجح في الحصول إلا على 43% فقط من مجموع الكرات المشتركة خلال مشاركاته الثلاثة الأولى، هذه الإحصائية الأخيرة تبرز بشكل أكبر عند تأمل الأماكن التي يفقد فيها كوتينيو الكرات الثنائية، والتي تعرض فريقه لخطورة من الخصوم خصوصًا مع عدم قدرة بوسكيتس علي تقديم أفضل مستوياته وبالأخص دفاعيًّا.

المثير أيضًا أن أرقام فيليبي لا تزال أقل من أرقام إنيستا في أسوأ مواسمه، هذا الموسم وخلال 17 مشاركة في الليجا قام كوتينيو بـ9 عرقلات ناجحة، بينما أندريس في موسمه الأخير وعبر 9 مواجهات فقط نجح في 22 عرقلة، البرازيلي نجح في الحصول على 21 كرة هوائية، أما الإسباني فله 31، وأخيرًا أتم لاعب ليفربول السابق في 29 مراوغة، أما ابن لا ماسيا فأتم 69!

خريطة تشير لأماكن خسر فيها كوتينيو الكرات المشتركة

وضمن نفس الرسم شارك كوتينيو أيضًا كجناح أيسر عكسي. وقد ظهر بأداء طيب في بعض المواجهات، لكنه لم ينجح في تقديم ما كان يقدمه في ليفربول حتى الآن. والسبب في ذلك يرجع لأمرين؛ أولهما واضح للغاية وهو أنه يلعب ببساطة إلى جانب ميسي، أفضل صانع ألعاب في العالم يتمكن من استغلال أنصاف المساحات ومراوغة الخصوم وإرسال التمريرات المفتاحية والتسديد المتقن باتجاه المرمى، وهو ما لا يترك مساحة كبيرة لكوتينيو لإظهار تميزه، أما السبب الثاني وهو لا يقل أهمية: الضغط.كوتينيو يلعب ضد الوقت، ومع مرور كل مباراة لا ينجح في المشاركة فيها، ناهيك عن التألق، فإنه يخسر المزيد من التعاطف الجماهيري، ويفتح الباب على مصراعيه أمام الصحافة للتشكيك في قدراته، لتحاصره هواجس الفشل والإخفاق. كان ذلك عامًا غريبًا على كوتينيو، ولا نمتلك أي مؤشر يخبرنا أن ذلك الوضع سوف يتغير في القريب العاجل.