في كل يوم يمر يتأكد لي أن فيسبوك أصبح منصة ينطبق عليها منطق «ضرَّها أكثر من نفعها»، ولست وحدي مَن أفكر في هذا الأمر؛ جولة سريعة للبحث عن وسم #DeleteFacebook على أي من الشبكات الاجتماعية ستريك كيف تتصاعد موجات الكراهية والنفور تجاهه، لقد فاض الكيل بحق.

لقد كبر وتوسع وتشعب ليصبح أكبر تجمع بشري في الفضاء السايبري بواقع 2.32 مليار مستخدم نشط شهريًا حسب آخر إحصائية رسمية في نهاية ديسمبر 2018، وهو ما يعني أنه وسيط يجمع ما بين ربع إلى ثلث تعداد سكان العالم. فهل هذا بالضرورة شيء جيد؟ لا ليس بالضرورة، ولكنه شيء جيد إن توافرت العوامل التي تجعله كذلك، ولكن أغلب هذه العوامل – للأسف غير متوفرة؛ وأهمها هو الإدارة الذكية والحكيمة و«المُخلِصة» للمنصة لجعل حياة المستخدمين أفضل.

فيسبوك عبارة عن مشروع ربحي، جرِّده فقط من كل ما يحيط به من فلسفات وشعارات وخواص (ومؤامرات) وستجده كذلك بوضوح، بيزنس لا أكثر ولا أقل، وهذا لا يعيبه في شيء بل هو أمر منطقي تمامًا، ولكن ما ليس منطقيًا هو عدم القدرة على تحمل مسؤولية نمو فائق بهذا الحجم الضخم وتهديد خصوصية المستخدمين وبياناتهم وصحتهم النفسية وحيواتهم ذاتها دون قصد وأحيانًا – وهذا أسوأ ما في الأمر – عن عمد!

فهل فعلًا بلغت الأمور من السوء بحيث أصبح حذف حساب فيسبوك ضروريًا؟ في هذا المقال سأذكر بعض أهم الأخطاء التقنية التي حدثت خلال السنوات القليلة السابقة، والتي تثبت خلالها أن فيسبوك لم يعد منصة يمكن الاعتماد عليها على الإطلاق.


أخطاء تقنية بحجم الفيل

منصة تقنية يعمل لديها 35,587 موظفًا حول العالم؛ ألا تستطيع أن تكون المنصة الأكثر أمانًا؟ هي تستطيع؛ ولكنها لا تفعل! لأن فيسبوك أصبح همه وشغله الشاغل هو التمدد وجمع البيانات والتربح منها، منصة إعلانية تأخذ نقودًا من المعلنين وتعرض الإعلانات لقاعدة المستخدمين العريضة، حتى أنني قد قرأت تعليقًا مثيرًا للسخرية يقول صاحبه، إن فيسبوك تحول إلى منصة إعلانات تظهر بينها بعض المنشورات.

في الفترة الأخيرة ظهرت أكثر من مشكلة تقنية في فيسبوك تجعلنا نتساءل: ماذا يفعل كل هؤلاء الموظفين إن كانت المنصة هشة إلى تلك الدرجة؟ ألا يعني كبر حجم المنصة أن يلقى على عاتق مَن وراءها مسؤولية أن تزداد قوة لتلبي أدنى متطلبات أمان المستخدمين؟

فضيحة كامبريدج أناليتيكا Cambridge Analytica

الحادثة الشهيرة التي جعلت مؤسس فيسبوك (مارك زوكربيرج) يمثل أمام الكونجرس الأمريكي في جلسات تحقيق مطولة ومُرهقة لمعرفة مدى أمان هذه المنصة التي استغلتها شركة كامبريدج أناليتيكا – المتخصصة في تحليل البيانات – في التأثير على أصوات الناخبين لفوز (دونالد ترامب) برئاسة الولايات المتحدة الأمريكية.

فمن خلال ثغرة ساذجة كان يستطيع أي تطبيق طرف ثالث داخل فيسبوك أن يحصل على بيانات أكثر من المسموح بها سواء من مستخدم التطبيق أو من أصدقائه ممن لم يعرفوا بوجوده أصلًا!

ومن سوء الحظ أن وقعت بيانات المستخدمين البالغ عددهم 87 مليون مستخدم تحت يدي شركة تحليل بيانات قامت باستغلالها والتأثير على نفسية الناخبين وتوجيه الرأي العام نحو فوز مرشحهم الرئاسي. أي أن هذا الحشد الهائل من البشر على منصة واحدة كان بالغ الضرر في هذه الحالة، وهذا بسبب عدم الانتباه إلى الثغرات التقنية البسيطة والاهتمام أكثر بالتوسع والتضخم وجني الأرباح.

تسريب صور المستخدمين

في ثغرة أخرى تخص مطوري تطبيقات الطرف الثالث أيضًا؛ تأثر 6.8 مليون مستخدم في الفترة ما بين 12 و25 سبتمبر في عام 2018 بأن كانت صورهم الخاصة متاحة للمطورين، ليست فقط الصور التي لا يعرضونها سوى لأصدقائهم، بل الصور التي لا يراها سواهم بضبط إعدادات الخصوصية على Only Me.

والأدهى أن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل إن الصور التي قام المستخدم برفعها ولم ينشرها من الأصل – مثل أن يكون قد تراجع عن النشر بعد رفع الصور وغيَّر رأيه – هي أيضًا يحتفظ بها فيسبوك على أجهزته ولم يحذفها كنوع من الاحترام لرغبة صاحبها، بل إن جشعه في جمع البيانات جعله يحتفظ بها رغمًا عن المستخدم، وللأسف فهذه الصور كانت هي الأخرى عُرضة لهذه الثغرة.

ولقد قدمت مقالًا مفصلًا من قبل عن تلك الواقعة مع بعض الإرشادات لحماية صورك على فيسبوك من الاختراق، تستطيع قراءته من هنا: صورك على فيسبوك تم اختراق خصوصيتها، فماذا تفعل لحمايتها؟

حفظ كلمات السر في ملفات نصية

في واقعة أخرى مثيرة للشفقة تبين أن فيسبوك قام بحفظ كلمات سر حسابات ملايين المستخدمين على هيئة ملفات نصية عادية يستطيع أي موظف داخل فيسبوك أن يطلع عليها ويستخدمها لأي غرض، وذلك بدلًا من تشفيرها كأي منصة تحترم نفسها.

وبحسب التصريح الرسمي من فيسبوك فإن عدد المتضررين من هذا الأمر يقع ما بين 200 و600 مليون مستخدم! ورغم ذلك فإن هذا التصريح أعقبه جملة ساذجة تقول: «لم نعثر في تحقيقاتنا حتى الآن على أثر لبحث أي موظف عن كلمات مرور عن قصد، ولم نجد علامات تدل على سوء استخدام هذه البيانات».

لم يقتصر الأمر هذه المرة على مستخدمي فيسبوك فقط بل أيضًا فيسبوك لايت وحتى إنستجرام. فهل لك أن تأمن على بياناتك لمنصة ظلت تحتفظ بكلمات سر المستخدمين منذ عام 2012 وحتى الآن في ملف نصي؟!

خاصية View As سهلت استيلاء المخترقين على الحسابات

في الخامس والعشرين من سبتمبر عام 2018 اكتشف فيسبوك ثغرة في خاصية View As المخصصة لعرض ملفك الشخصي بالشكل الذي يراه الآخرون بحيث تتأكد من أن كل فئة منهم ترى الملف حسب إعدادات الخصوصية التي قمت بتطبيقها. هذه الخاصية تسمح للمخترقين بالحصول على مفاتيح الوصول لحساب المستخدم مما يجعلهم قادرين على فتح حساب الضحية والاطلاع على محتوياته واستغلالها.

بالطبع تتذكر هذا الوقت الذي تم فيه الخروج تلقائيًا من كثير من حسابات المستخدمين حول العالم كإجراء وقائي. فهل تعلم متى عرف فيسبوك بوجود الثغرة؟ في أعقاب تشككه بوجود حركة مريبة غير معتادة في دخول حسابات المستخدمين يوم الرابع عشر من سبتمبر عام 2018؛ أي أنه اكتشف الثغرة بعد الهجوم المريب بأحد عشر يومًا! وهل تعلم منذ متى كانت تلك الثغرة موجودة؟ منذ يوم السابع عشر من يوليو عام 2017؛ أي ما يزيد على العام قبل اكتشاف الثغرة!

يعني لولا الهجوم الكبير الذي أثار تشكك فيسبوك ما كان قد علم بوجود الثغرة من الأصل. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا… كم محاولة هجوم أصغر ممكن أن تكون قد تمت خلال العام السابق لاكتشاف الثغرة؟ ويبقى فقط أن تعرف أن عدد المستخدمين المتأثرين بهذه الثغرة قد بلغ 30 مليون مستخدم.

خدمة غير مستقرة

لا أتذكر وجود شبكة اجتماعية تعاني انقطاع الخدمة قدر ما عانى فيسبوك على مدار السنوات القليلة الماضية، وآخر مرة كانت الأسوأ له على الإطلاق، حيث انقطعت الخدمة عن مجموعة فيسبوك (فيسبوك – إنستجرام – واتساب) لمدة 14 ساعة متواصلة، واضطر فيسبوك للتواصل مع المستخدمين عبر الحساب الرسمي للشركة على منافسه المباشر تويتر.

لم يخرج لنا مسؤولو الموقع بتصريحات جادة عن سبب الانقطاع، فقط نفوا أن تكون بسبب هجمة حجب الخدمة DDOS Attack أو أي اختراق آخر، وقالوا إنه ربما تكون بسبب بعض أعمال الصيانة التقليدية ويكون قد حدث خطأ ما أثناء إجرائها.

فهل هذه هي المنصة التي يريد المستخدمون الاعتماد عليها؟ هل المنصة التي تستحق أن ينفق المعلنون فيها يوميًا ما يقرب من 90 مليون دولار تتربح بها منهم ليجدوا أن أعمالهم قد توقفت وانهالت الخسائر على رؤوسهم دون أسباب منطقية؟

منصة لا تستطيع التحكم في محتواها

إثر الحادث الإرهابي اليميني المتطرف الذي ألم بالمسجدين النيوزيلنديين والذي استغل مُنفِّذه منصة فيسبوك لبث عمله الإجرامي وتصفيته للأبرياء لحظة بلحظة، كان على فيسبوك التصرف سريعًا وقطع البث المباشر وحذف المقاطع التي تم تسجيلها منه والتي أعاد رفعها بعض المستخدمين.

ولكن على ما يبدو أنه قد فشل تمامًا في هذا، فالمقطع ظل يعاد رفعه ومشاهدته ملايين المرات دون مراعاة لمشاعر أهالي الضحايا وبتعريض الأطفال لخطر مشاهدة أحداث دموية حقيقية تؤثر في نفسياتهم وتقض مضاجعهم.

ليس فيسبوك وحده من فشل هذه المرة، بل يوتيوب كذلك. ورغم استطاعة خوارزميات كل من المنصتين التعرف على محتوى الفيديوهات وحجبها إن كانت تخالف قوانينهم فإنها قد فشلت أمام هذا الاختبار الصعب، حتى حصدت سخطًا عالميًا لا تزال تبعاته مستمرة حتى هذه اللحظة سواء من أفراد أو مؤسسات أو حكومات وقد تهدد أصحاب تلك المنصات بالسجن إن تكرر هذا الفشل مستقبلًا.

كانت هذه جولة موجزة لأهم سقطات فيسبوك التقنية التي لا يعقل أن تقع فيها منصة بهذا الحجم الهائل، والتي تجعلك تفكر مليًا في حذف حسابك منه دون رجعة. وفي المقال المقبل سأعود إليك بأبرز الأسباب السيكولوجية والسلوكية التي ستشجعك أكثر على اتخاذ هذا القرار.