قبل بداية إحدى المباريات يقف لاعبو الفريقين بأرض الملعب في انتظار الحدث، يظهر طفل تملك منه المرض، يبدو على وجهه الملائكي علامات الإعياء، لكنه يرتدي قميص فريقه المفضل، ويتقدم نحو الكرة بخطوات بطيئة، يسدد الكرة ضعيفة بقدر مجهوده، يرتمي حارس المرمى قاصدًا في غير اتجاه الكرة لتدخل الكرة المرمى وسط تصفيق الآلاف من الجماهير ولاعبي الفريقين؛ لترتسم أخيرًا بسمة على وجه هذا الطفل، تلك البسمة العذبة الحقيقية تستحق أن يبذل من أجلها كل ذلك المجهود.

كم عدد المرات التي رأيت فيها مقطع فيديو يحتوي على مشهد كالسابق، وفي كل مره تشاهد الفيديو حتى نهايته، كم من المرات سقطت دموعك تزامنًا مع ابتسامة الطفل، كم من المرات وددت لو تستطيع أن تصفق مع الحاضرين ليشعر ذلك الطفل بالفخر والأمل والحياة.

ربما لا تهتم بماهية الفرق المشاركة في المشهد، ربما أنت من الأساس لا تهتم بكرة القدم، لكنك إنسان وذلك يكفي حتى تحترم كل من شارك فيما حدث، تبدو دومًا كرة القدم للجميع بوجه يوضح الصراع والتنافس والخشونة لكن لكرة القدم وجهًا آخر، وجهًا ناعمًا تمامًا.

كرة القدم اللعبة الشعبية الأولى في العالم، لا تقتصر مشاهدة كرة القدم على فئة سنية أو اجتماعية معينة. ربما كان ذلك هو العامل الأهم لاستخدامها كعامل جذب لأنظار الكثير من المتابعين نحو بعض القضايا الإنسانية.


البرتغال وويلز: البعض لا يرى نفس ما نراه

فوجئت الجماهير المتابعة لمباراة نصف النهائي الخاص بطولة أمم أوروبا لكرة القدم، أن طرفي المباراة وهما منتخبا البرتغال وويلز يلعبان بالقمصان الاحتياطية، وهو ما يخالف المعمول به في مباريات كرة القدم، فمع تشابه القمصان الأساسية لفريقي المباراة، يلجأ أحد الفرق إلى استخدام القميص الاحتياطي، ومع تشابه قمصان منتخبي البرتغال وويلز الأساسية لجأ الفريقان إلى القميص الاحتياطي وسط دهشة الجميع.

مرض عمى الألوان، ذلك كان التفسير الإنساني المنطقي للحدث، وهو ما اكتشفه الجميع عن طريق توضيح لمنظمة عمى الألوان عبر موقع تويتر. حيث أفاد تباين لوني القمصان الاحتياطية للمنتخبين ما بين اللون الفاتح والآخر الغامق في تمكين مصابي عمى الألوان من مشاهدة المباراة بأريحية كاملة، و هو أمر لا يأمنونه عادة أثناء ممارسة حياتهم العادية.

ضوء ساطع ألقته كرة القدم نحو معاناة مصابي هذا المرض، بل واستطاعت كرة القدم أن تقدم حلًا بسيطًا للمشكلة، حلًا يوضح أن باستطاعة كل فرد منا بأفعال بسيطة أن يخفف من معاناة الآخرين.


قمصان من مخلفات المحيطات

اللاعب الإسباني «تشابي ألونسو»(يمين)، والبرازيلي «مارسيلو» في الحملة الدعائية لشركة «أديداس» لصنع قمصان الفرق من مخلفات المحيطات.

فريق ريال مدريد وفريق بايرن ميونخ يرتديان قمصانًا جديدة. حدث في حد ذاته قادر على جلب اهتمام الملايين. تظهر الصورة كاملة في شكل حملة أطلقتها شركة أديداس والمسئولة عن قمصان الفريقين في صورة قمصان جديدة صنعت خصيصًا من مخلفات المحيطات، لعب بالفعل فريقا ريال مدريد وبايرن ميونيخ مباراة واحدة لكل منهما بتلك القمصان، لكي يبدأ الحديث حول أهمية الحفاظ على المحيطات من التلوث، ومدى الأثر البيئي الذي يحدث جراء هذا التلوث، تلعب كرة القدم مرة أخرى دورًا إنسانيًا مهمًا، دور يجب علينا جميعًا أن ننظر إليه إذا أردنا لحياتنا أن تستمر على هذا الكوكب.


برادلي وديفو، الحياة قصيرة يا صديقي

الطفل «برادلي» والنجم الإنجليزي «جيريمي ديفو».

بعض تلك القصص الإنسانية تتخطى حيز محاولة جذب اهتمام الإعلام أو دعم المصابين وتدخل دائرة العلاقات الشخصية، فأحد أبطال الفيديوهات التي تحدثنا عنها سابقًا كان الطفل برادلي، المشجع لنادي سندرلاند، والذي ارتبط بعلاقة صداقه قوية مع مهاجم الفريق آنذاك «جيريمي ديفو»، وتقابلا أول مرة في نفق اللاعبين بملعب النور، حيث دخلا سويًا إلى أرض الملعب قبل مباراة إيفرتون، وظهر تعلق برادلي بديفو أمام الجميع.

التقطت الكاميرات فيما بعد أكثر من صورة لديفو اللاعب المفضل لبرادلي أثناء زيارته له أثناء تلقي الأخير للعلاج وهو المصاب بمرض «ورم الخلايا العصبية البدائية» وبعد أن توفي برادلي وهو في عمر السادسة فقط ظهر ديفو في الجنازة باكيًا صديقه الصغير.


الألعاب البارالمبية: نعم، نحن نستطيع

تسهم الرياضة عامة في تغيير الفكرة النمطية عن فئة محددة في المجتمع. لعل أهم ما يثبت ذلك هو الألعاب البارالمبية والتي من خلالها يشارك رياضيون بنسب إعاقة متفاوتة في رياضات مختلفة في رسالة واضحة للجميع، نعم نحن نستطيع.

قدرات خاصة تمامًا، تحدٍ لكل الظروف، إنهم قادرن على مشاركة المجتمع البناء والتعايش. ربما تراهم كل يوم واعتدت ذلك الجهد المبذول منهم لكي تجمعكم نفس الأماكن، إلا أن الرياضة بالذات تجعلك تشعر بكم عظمة هؤلاء الأشخاص وإيمانهم بقدراتهم.


ضوء كرة القدم

برادلي، سندرلاند، جيريمي ديفو، إنجلترا

تستطيع الرياضة جذب انتباه الملايين نحو قضايا إنسانية مهمة حتى وإن كان رأي البعض أن كل ذلك لا يتخطى كونه أمرًا دعائيًا، فشركة أديداس مثلًا والتي تبنت حملة التوعية بأهمية الحفاظ على المحيطات كانت قد واجهت شائعات لها علاقة بعمالة الأطفال لديها، لا يستطيع أن يجزم أحد بصدق نوايا المسئولين عن تلك الأمور إلا أن المؤكد تمامًا أن ذلك الوجه هو الوجه الأروع لكرة القدم.

كرة القدم نشاط إنساني يمارس بهدف المتعة، مهما تطورت كرة القدم كصناعة مربحه تبقى نشاطًا ممتعًا يقدم للملايين، وطالما قررت أن تستمتع فأنت بداخلك إنسان، يهتم بالقضايا الإنسانية المتعلقة بدعم الأطفال المرضى والحفاظ على البيئة والشعور بمعاناة الآخرين، ربما تاهت تلك المصطلحات في زحام الحياة وربما لا يجد الشخص الوقت والفرصة المناسبة للتفكير إزاء هذه الأمور وتقديم الدعم الكافي لمن هم في حاجة إلى هذا الدعم، وهنا تستطيع كرة القدم والرياضة عمومًا أن تلعب دورًا إنسانيًا مهمًا في جذب الانتباه نحو كل ذلك.