تأتي الانتخابات دائمًا لتأخذنا من عالم التحليلات والتنظيرات إلى عالم الأرقام، فليس أكثر واقعية من الأرقام في هذه المناسبات. من واقع الجولة الأولى من الانتخابات الفرنسية نأخذ الأرقام بعين التحليل وعقد المقارنات، بحثًا في المجتمع السياسي الفرنسي. نحاول بعد ذلك استقراء الجولة الثانية من خلال الأرقام، التي على الأرجح لا تعرف الكذب!.


انقسام جغرافي

خريطة النتائج الأخيرة للجولة الأولى من الرئاسيات الفرنسية، اللون الأصفر غطى المدن التي صوتت لماكرون، بينما الأزرق الداكن غطى مدن مارين لوبان

عشية الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة الفرنسية تُبدي الخارطة الانتخابية بلدًا منقسمًا إلى نصفين؛ المحافظات الغربية والجنوبية الغربية إضافةً إلى الجزيرة الفرنسية (باريس وما يحاديها من محافظات) صوتت بكثافة للفائز بهذه الجولة من الانتخابات إيمانويل ماكرون، بالمقابل حلّت المرشحة مارين لوبان الأولى في محافظات الشمال والشمال الشرقي كما حققت أعلى نسبها في محافظات ساحل البحر المتوسط.

كما توزعت أصوات المرشحين بطريقة متباينة بين المدن والمناطق الريفية؛ حيث تصدر ماكرون في كثير من المدن الكبرى مثل: باريس، ليون، بوردو. في المقابل لا تزال مارين لوبان تعاني في المدن الكبرى والعاصمة الفرنسية خصوصًا أنها لم تتجاوز نسبتها الـ 5%. في المناطق الريفية والمدن الصغيرة (أقل من مئة ألف نسمة) كان لمارين لوبان حصة الأسد من بين أصواتها.

تصويت المدن الكبرى لماكرون شيء طبيعي إذا نظرنا إلى المكون الاجتماعي لها؛ نخب متعلمة ذات دخل عالٍ ومنفتحة على العالم، لكن المفاجئ هو أنه استطاع التفوق على فرانسوا فيون في العاصمة باريس، وفي مدينة مثل بوردو، التي تصوت ليمين الوسط منذ أكثر من أربعين سنة، وهو ما يشير إلى تصويت كتلة لا بأس بها من ناخبي عمدة المدينة (ألان جوبيه) منافس فيون في تمهيديات الحزب الجمهوري لصالح إيمانويل ماكرون.

محافظات غرب فرنسا المطلة على المحيط الأطلسي حالة فريدة من نوعها؛ فتاريخيًا كانت الأكثر تمسكًا بالديانة المسيحية خلال القرنين الماضيين، وكانت معقل اليمين الرجعي المناهض للجمهورية ولم تستقر الأفكار الجمهورية فيها إلا بعد الحرب العالمية الثانية، حيث أصبحت تصوت بصورة ملحوظة لمرشحي التيار الوسطي المعتدل (مسيحي ديمقراطي/ مسيحي اجتماعي).

اقرأ أيضًا:أبرز الرابحين والخاسرين في الجولة الأولى من رئاسيات فرنسا

دعم وزير الدفاع الحالي وجون إيف لودريان وحاكم مقاطعة بروتاني، كان مهمًا في تأمين هذه المنطقة الوحيدة التي بقيت بين يدي الحزب الاشتراكي في الانتخابات الإقليمية الماضية.

إضافة إلى كونها تاريخيًا منفتحة نحو العالم والمبادلات التجارية، ميزة أخرى تخص هذه المناطق عن باقي فرنسا وهي النسيج المجتمعي الحيوي فيها ونشاط تكافلي كبير للمجتمع المدني، ما سمح لها بالصمود بصورة أفضل من باقي المناطق الفرنسية في وجه الأزمة الاقتصادية. كما ينسب بعض المحللين فشل مارين لوبان في هذه المناطق إلى غياب تجمعات المهاجرين فيها كما هو الحال في محافظات الجنوب والشمال.

أما المناطق التي صوتت لمارين لوبان وهي محافظات الشمال والشمال الشرقي الصناعية السابقة، حيث اختفت المصانع وحلت محلها البطالة المزمنة، والآفات الاجتماعية، والشعور بالتهميش والإقصاء من الحكومات المتعاقبة أصبحت معقلًا لحزب الجبهة الوطنية، بعد أن كانت تصوت بكثافة للحزب الشيوعي.

في المحافظات المطلة على المتوسط يرجع التصويت فيها لمرشحة الجبهة الوطنية لكونها الأراضي التي استقرت فيها معظم الأقدام السوداء/المستوطنين في المستعمرات الفرنسية، كما يرجع إلى كونها البوابة الجنوبية لفرنسا، والتي تتحمل عبء موجات الهجرة المختلفة.


كيف صوتت الديانات الكبرى؟

المسلمون

في انتخابات 2012 حصل الرئيس فرانسوا هولاند على 86% من أصوات مسلمي فرنسا، أما في هذه الدورة فلم تتجاوز نسبة الأصوات المسلمة التي حصل عليها مرشح الحزب 17%، وهو ما يؤكد الطلاق البائن الذي حصل خلال الفترة الماضية بين الكتلة المسلمة والحزب الاشتراكي.

توزعت هذه السنة أصوات المسلمين على جون لوك ميلونشون 37% و إيمانويل ماكرون 24%، بينما لم تتجاوز نسبة المصوتين للوبان 5%.

الكاثوليك

كما كان متوقعًا حاز فرانسوا فيون على 46% من أصوات الكاثوليك الملتزمين، بينما لم تتجاوز نسبة مارين لوبان مع هذه الفئة 15%، كما حاز ماكرون على 19%.


انقسام طبقي

خارطة الهشاشة الاجتماعية في فرنسا – المصدر: كتاب فرنسا الهامشية، لكريستوف جيلوي

شهدت هذه الجولة من الانتخابات عودة مصطلح ظنه الجميع اختفى طي النسيان؛ وهو الصراع الطبقي، إذ هناك مؤشرات لا تخطئها العين بالنظر لهذا الموضوع، فإن أعلى نسبة حققتها مارين لوبان كانت بين ناخبي الطبقة العاملة (37%)، أما إيمانويل ماكرون فحقق أعلى نسبة بين كوادر الشركات (33%).

إذا أضفنا إلى هذا عنصر الدخل، فسنجد أن أعلى نسبة تصويت حصل عليها ماكرون كانت بين من يربحون 3000 يورو شهريًا فما فوق (32%)، أما لوبان فكانت أعلى نسبها بين فئة من يربحون 1200 يورو شهريًا أو أقل (32%).

سنجد نموذجًا تفسيريًا يتطابق بنسبة عالية مع هذا التوزيع الانتخابي؛ وهو المفهوم الذي طرحه عالم الجغرافيا الفرنسي، كريستوف جيلوي، في كتابه فرنسا الهامشية لسنة 2014، حيث يقول إن هناك شرخًا طبقيًا يتعمق بين فرنسا المركزية «المدن الكبرى ومحافظات ساحل المحيط الأطلسي المندمجة بصورة جيدة في العولمة وتجني ثمارها»، وفرنسا الهامشية «المدن الصغيرة والضواحي البعيدة عن مراكز المدن، الأرياف في الشمال والشمال الشرقي، المراكز التاريخية للصناعات الثقيلة التي اختفت كالحديد والصلب ومناجم الفحم الحجري للبلاد» التي تعاني من تفكك في نسيجها الاقتصادي والاجتماعي بفعل العولمة والحدود المفتوحة.


مقارنة مع انتخابات 2012

مقارنة بين الجولة الأولى من رئاسيات فرنسا لعام 2012 وعام 2017

إذا ما قارنّا نتائج الانتخابات الحالية بنتائج الجولة الأولى لانتخابات 2012، سنجد أن ماكرون حصد 47% من أصوات الذين انتخبو الرئيس هولاند و 43% ممن انتخبوا فرانسوا بايرو (أحد أهم داعمي ماكرون) و 17% من ناخبي ساركوزي. أما لوبان فقد حافظت على 85% من ناخبيها لسنة 2012، كما حصلت على 14% ممن صوتوا على ساركوزي في تلك الدورة.

على المستوى السياسي يمكننا القول بأن حزب الجبهة الوطنية (مارين لوبان) هو حزب الطبقات الفقيرة والعاملة الأول، في المقابل فإن ماكرون هو مرشح الطبقات العليا للمجتمع (النخب المُعولمة).

إذا انتقلنا إلى الجولة الثانية فإن كل الدراسات تضع ماكرون في الريادة مع تفاوت في النسب (60/40) أو (65/35). معسكر مارين لوبان يلفت النظر إلى أن ماكرون لن يستفيد بصورة آلية من (الجبهة الجمهورية)، تحالف كل الأحزاب لصد حزب الجبهة الوطنية، وأن تعليمات القيادة لن يتبعها المتعاطفون على الأرض ويضربون الأمثلة بالجناح المحافظ داخل الحزب الجمهوري المناهض للقوانين المجتمعية التي سنّها هولاند (تقنين زواج الشواذ)، ووعد ماكرون بإعطائهم الحق في التبني وحتى الإنجاب عن طريق الرحم المستأجرة. كما أن ناخبي ميلونشون لن يتحمسوا للتصويت لماكرون الليبرالي المتوحش وتدميره لنظام الحماية الاجتماعية الفرنسي.

وإنّا معهم منتظرون.