الجزء الأول


3- تأميم الدين وإصدار نسخة تركية من الإسلام

– لا نستطيع ترجمة القرآن عظيم الشأن إلى التركية پاشا.
لماذا لا نستطيع ترجمته؟ أليس لكلمات القرآن معاني؟

– لا سيدي، لكن، آية مثل «ألف لام ميم» ماذا سنضع مقابلا لها؟

– وما معنى «ألف لام ميم»؟

– لا يوجد لها معنى سيدي.

– حسنا قم بوضع «صفر» مكانها واستمر في الترجمة!

حوار بين كاظم كارابكير، ومصطفى كمال‬ بشأن أمر ترجمة القرآن الكريم من العربية إلى التركية

نظرت الجمهورية الكمالية إلى مفهوم «العلمانية» بنظرة مغايرة عما هو معروف عنها من كونها أيديولوجية تقوم على مبدأ الفصل بين الدين من جهة والدولة وشئونها من جهة أخرى، فالعلمانية في الجمهورية الكمالية هي سيطرة الدولة على الدين وإخراج نسخة منه تتلاءم مع سياسات الدولة وتوجهاتها، لذا اتجهت إلى إصدار نسخة تركية من الإسلام ضمن توجهاتها القومية التي لا تريد لأي أفكار أن تتواجد خارج الثقافة ومحيط الحياة التركية، فتم في عام 1928 شطب العبارة التي تشير إلى أن «الإسلام» دين الدولة في الدستور الذي تم إقراره في عام 1924، واستبدال القسم باسم «الله» بالقسم بالكرامة الشخصية، وهي خطوة أكَّد بها مصطفى كمال على أن ميثاق تنظيم شئون الدولة يرفض وجود أي إشارة للدين كإطار قانوني اجتماعي يعترف به الدستور في الجمهورية الوليدة، وعليه اعتمدت الدولة في كل السياسات التي تبعتها.

وإذا تتبعنا بسرد تاريخي لمظاهر تتريك الإسلام في العهد الكمالي، نجد أبرزهم أمر ترجمة «القرآن» إلى التركية، فقد صدر من عام 1924 حتى عام 1927 «سبع» ترجمات مختلفة للقرآن على أقل تقدير، وشجَّع مصطفى كمال أمْر تحفيظ القرآن في نسخته التركية وأمَر أن يتم قراءته في المناسبات الدينية في الجوامع الكبيرة كجامع «السلطان أحمد» وجامع «آيا صوفيا» وأن يتم بثه عبر الإذاعة.

وثاني الأمور البارزة ضمن سياق عملية التتريك هو تحويل «أذان الصلاة» ومنع الصدع به باللغة العربية وهو الأمر الذي لم يحدث في تاريخ الإسلام البتة [وأعيد العمل بالأذان بلغته الأصلية مرة أخرى عام 1950]، إذ صدر قرار من المجمع اللغوي التركي بترجمة الأذان من العربية إلى التركية بالإضافة إلى طلب لحن تركي من «كونسرڤتوار» أنقرة لإلقاء الأذان الجديد به، ونُبه على جميع المؤذنين الالتزام بالأذان الجديد. وقد وجد هذا الأمر بالطبع اعتراضا واسعا وكبيرا، فكان يتم القبض على كل من يرفع الأذان بالعربية، وقد تبعت الحكومة هذا القرار بقرارات أخرى تُلزم خطباء الجمعة بأن تكون خطبتهم باللغة التركية وليست بالعربية، وتكبيرات العيد لابد كذلك أن يتم تتريكها، والصلوات على النبي لابد كذلك أن تقال بالنسخة التركية، فكل شيء لابد أن يصبح تركيًا ولا مكان للعربية في أي شعيرة من شعائر الإسلام.

الصفحة الأولى من جريدة «جمهورية» بتاريخ 31 يناير 1932 بعنوان رئيسي: «أول أذان تركي يصدع بالأمس من جامع الفاتح»

قد يهم البعض معرفة ما هي آراء مصطفى كمال عن «الإسلام» وكيف كان ينظر إليه؟ ربما يجيبنا على هذا السؤال رسالة كتبها مصطفى كمال بنفسه إلى «الجمعية التاريخية التركية» التي أمر بتأسيسها عام 1931 لدراسة تاريخ الأتراك وتاريخ تركيا، فيناقش فيها عدة أمور حول تاريخ الإسلام والنبي محمد [صلى الله عليه وسلم]، وفيها يصف آية من آيات القرآن الكريم بأنها محض سفسطة.

نسخة محفوظة في أرشيف «الجمعية التاريخية التركية»، لرسالة طويلة بخط يد أتاتورك نُشرت مطبوعة أغسطس 1931 وفيها يصف الآية الكريمة «أقرأ باسم ربك» بأنها محض سفسطة(*)

4- انقلاب الحرف

إن الأبجدية العربية لم يتم الكشف عنها بواسطة [الملاك] جبريل.

مصطفى كمال أتاتورك

إن لغتنا الجميلة تبرز لامعة ساطعة بالحروف الجديدة، ومن الضروري أن نتخلص من الإشارات التي حبست عقولنا من عصور مضت في إطار من حديد.

مصطفى كمال متحدثًا عن الأبجدية العربية التي تستخدمها اللغة التركية العثمانية في خطاب له في إسطنبول عام 1928.

تعتبر قضية إصلاح اللغة وتحويل أحرف الأبجدية التركية العثمانية من الحرف العربي إلى الحرف اللاتيني، واحدة من أقوى الانقلابات التي نفذها مصطفى كمال وعصفت بتاريخ الشعب التركي وتراثه وحولته إلى ركام، فمع اعتناق الأتراك الإسلام وعلى امتداد عشرة قرون بداية من القرن العاشر الميلادي حتى أوائل القرن العشرين، كانت الأبجدية العربية هي أبجدية الكتابة للغة التركية الأناضولية القديمة ثم التركية العثمانية القديمة، والتركية العثمانية الحديثة في القرن التاسع عشر، ومع استبدال الحرف العربي باللاتيني تم تحويل مئات الآلاف من مواد التراث التاريخي والشعري والديني والفني وغيره إلى رموز لا يُفهم معناها، وتم فصل نهر التاريخ بين الماضي والحاضر مما ترتب عليه تدمير لثقافة الشعب وتراثه.

ويرجع تاريخ مسألة إصلاح اللغة والأبجدية التركية العثمانية، إلى أولى الدعاوى التي انطلقت في عهد «التنظيمات» في القرن التاسع عشر، عندما دعى إليها «منيف پاشا» أحد رموز ذلك العهد عام 1862، وتبنى من بعده عدد من الكُتَّاب والمفكرين في عهد «الاتحاديين» فكرة اعتماد الأبجدية اللاتينية بدلًا من العربية/الفارسية، أبرزهم «أنور پاشا» أحد قادة انقلاب تركيا الفتاة على السلطان «عبد الحميد الثاني» عام 1908، كما شارك بالقيادة في حروب البلقان [1912-1913] والحرب العالمية الأولى، فاستخدم بالفعل نسخة معدلة من الألفبائية العثمانية تحوي على حروف لاتينية في مراسلات الجيش العثماني في الحرب الأخيرة، وقد ظلت المناقشات تتداول حول مسألة الحروف واللغة حتى قيام الجمهورية، إلى أن تم حسم الأمر بإسكات جميع الأصوات المعارضة لتغيير الأحرف مع إقرار أتاتورك بصلاحية هذه التغييرات.

وللتعريف بالأبجدية الجديدة، قام مصطفى كمال بزيارات إلى عدة مدن وشارك بصورة شخصية بتعريف الناس بالأحرف الجديدة، كما أصدر أمرًا فوريًا بتحويل أسماء جميع السفن الموجودة لدى الدولة من الأحرف العربية إلى الأحرف اللاتينية، واعتبارًا من يوم آب/أغسطس 1928، أعلن مصطفى كمال أن الحروف اللاتينية هي الحروف الرسمية لكتابة اللغة التركية الجديدة بدلًا من الأبجدية العثمانية، كما تم في عام 1932 إنشاء «جمعية اللغة التركية» Türk Dil Kurumu لتطوير اللغة التركية بعيدًا عن تأثير اللغات الأخرى، فقام أعضاء هذه المؤسسة بجمع الكلمات من اللغات المحلية، والمصادر الأدبية القديمة وحتى من اللغات «التوركية» لوسط آسيا لاستبدال المفردات العثمانية.

كاريكاتير في صحيفة «آق بابا» بتاريخ 31 أغسطس 1928 يصور أتاتورك واقفًا على ركام الأحرف العربية

ولا نشك في أن الأسباب التي دعت مصطفى كمال إلى اعتماد التغييرات الهائلة التي أُدخلت على اللغة هي في اﻷساس أسباب أيديولوجية؛ تهدف إلى إبعاد المجتمع العثماني عن تقاليده الإسلامية والشرق أوسطية وإعادة توجيها نحو الغرب. ولنتوقف قليلًا عند الأمر للتفكير والتساؤل عن الأسباب التي طرحها مصطفى كمال ومناصرو تغيير الحرف عن أسباب اعتماد الحرف اللاتيني بدلًا من العربي، فنجد تنوعا في الآراء مثل القول بوجود مشاكل في النطق بين الأبجدية العربية واللغة التركية، وأن الحرف العربي لا يتماشى مع النطق الصحيح للكلمات التركية، بعكس الحرف اللاتيني الأقرب إلى النطق الصحيح للكلمات. نجد قولا ثانيا يقول بأن الأبجدية العربية صعبة التعلم مقارنة بالأبجدية اللاتينية السهلة، ونجد قولا ثالثا يؤكد على أن تغيير الحرف إنما هو من أجل اعتماد اللهجة التركية الإسطنبولية كلهجة رسمية في كتابة اللغة التركية، والحرف اللاتيني هو الأقرب للنطق الصحيح للكلمة في هذه اللهجة عن الحرف العربي، أما الرأي الرابع فيقول بضرورة هجر الحرف العربي واستبداله باللاتيني؛ كي نحصل على التقدم واللحاق بالأمم المتمدنة التي تعتمد على هذا الحرف في كتابة لغاتها.

ولمناقشة هذه اﻵراء من الممكن القول بأن كل اللغات تقريبًا يوجد بها بعض المشاكل بين الأبجدية وطريقة نُطق الكلمات، فهل عندما أجد مشكلة بين الأبجدية وطريقة نطق الكلمات، أذهب إلى تغيير الأبجدية بالكلية أم أعمل على إصلاح المشكلة القائمة بين الأبجدية واللغة؟ وهل لو وجدت صعوبة في الأبجدية الخاصة بلغتي أتركها بالكلية أم أستحدث طرق لتسهيل تعلُّمها وتعليمها؟ وهل لابد لي من تغيير أبجديتي كي أواكب الدول المتقدمة الحديثة؟ ولماذا لم يتم إذن استجلاب الأبجدية «الأيغورية» التركية القديمة أو أبجدية «الگوكتورك» القديمة لو أن المسألة تتعلق بالنطق الصحيح للكلمات التركية على غرار ما فعله اليهود عندما أرادوا أن يحيوا اللغة العبرية من جديد؟ كل هذه الأسئلة وإجاباتها المنطقية تصب في صالح بقاء الأحرف العربية للغة وليس تغييرها، فعندما طُرحت قضية تحديث الدولة لدى «اليابان» مثلًا لم تقم الدولة بتغيير الرموز المستخدمة في كتابة اللغة اليابانية لتواكب أبجدية الحضارة الحديثة، بل أخذت بأساليب النهوض العصرية وحافظت على أبجديتها واستمرت في كتابة علومها وفنونها بها.

يطل علينا سؤال آخر ضمن هذه القضية الهامة مفاده: هل وُجد من اعترض على أمر تحويل الحرف من رجال العلم أو الدولة؟ وجد بالفعل شخصيات شهيرة اعترضت في حينها على تحويل الحرف مثل «محمد فؤاد كوپرولو» الأستاذ الجامعي، المؤرخ والسياسي ووزير الخارجية الشهير الذي أقترح على أتاتورك تتريك الصلاة والأذان وكان مؤيدًا لسياساته، بالإضافة إلى «إبراهام گالانتي» السياسي والصحفي والقومي التركي اليهودي، وسرعان ما تم تنحيتهم وتهميشهم من المجال العام، وتعرض غيرهم ممن تبنوا نفس موقف الاعتراض إلى المضايقات والاتهامات من قبل الدولة، وكانت «مصر» حينها ملاذًا في أحيان كثيرة لمن يفضل أن يترك الجمهورية العسكرية التي لابد أن يوافق رأيك آراء حاكمها وإلا كان مصيرك السجن في أفضل الأحوال.

صورة من القانون الخاص بتحويل الحروف رسميًا من الأبجدية العربية إلى الأبجدية اللاتينية

لماذا إذن تم اعتماد الحرف اللاتيني بدلًا من العربي؟ يخبرنا «عصمت إينونو» وهو ثاني رئيس للجمهورية التركية وذراع أتاتورك اليمنى بوضوح عن سبب تغيير الأحرف في جملة تُنسب إليه، حيث يقول: «أكثر فائدة لانقلاب الحرف سهولة تغيير الثقافة»، فليس التحديث هو المطلوب بل فصل الجمهورية التركية عن أي شيء يتعلق بالماضي الذي يتصل بالإسلام والثقافة الإسلامية، وربطه بالغرب والثقافة الغربية.


(*) هذه الرسالة الطويلة التي بعثها مصطفى كمال إلى «الجمعية التاريخية التركية» Türk Tarih Kurumu والتي نُشرت في 16 – 17 أغسطس من عام 1931، قام الباحث والمؤرخ التركي أتيلا أورال Atilla Oral بنشرها في عام 2011 في كتاب بعنوان «Atatürk’ün Sansürlenen Mektubu» وفيها النص الكامل المنشور لأول مرة للرسالة المكونة من 21 صفحة بعد مرور 80 عامًا على كتابتها، وقد تم اقتطاع هذه الرسالة في السابق وتم تزوير بعض الأجزاء منها لإخفاء كلام أتاتورك عن آرائه الدينية.

المراجع
  1. تاريخ تركيا الحديث، إريك زوركر، ترجمة د. عبد اللطيف الحارس، الطبعة الأولى، دار المدار الإسلامي، بنغازي، 2013.
  2. نشأة دولة تركيا الحديثة [1918-1938]، تهاني شوقي عبد الرحمن، الطبعة الأولى، دار العالم العربي، القاهرة، 2011.
  3. الدولة العثمانية تاريخ وحضارة، المجلد الثاني، مجموعة من المؤلفين، ترجمة صالح سعداوي، الطبعة الثانية، القاهرة، مكتبة الشروق الدولية، 2011.
  4. Saydam, Yelda. "LANGUAGE USE IN THE OTTOMAN EMPIRE AND ITS PROBLEMS (1299-1923)", M. Phil in the Faculty of Humanities (Department of Greek and Centre for Islamic Studies) at the University of Johannesburg, Johannesburg 2006/7.
  5. Hanioğlu, M.Şükrü. "Atatürk: An Intellectual Biography", Princeton University Press, Princeton, New Jersey, 2011.
  6. Azak, Umut. "Islam and Secularism in Turkey: Kemalism, Religion and the Nation State", I.B.Tauris & Co Ltd, London – New York, 2010.
  7. Armağan, Mustafa. "Satılık İmpratorluk: Lozan ve Osmanlı'nın Reddedilen Mirası", TİMAŞ YAYINLARI, İstanbul, 2013.
  8. Cündioğlu, Dücane. "Türkçe Kur'an ve Cumhuriyet İdeolojisi", KİTABEVİ, İSTANBUL, 1998.