في كتابه «الحضارة وسخطها» أشار «سيغموند فرويد»، رائد التحليل النفسي، إلى ظاهرة عُرفت لاحقًا باسم «نرجسية التفاصيل الصغيرة». أكَّد فرويد حتمية نشوب صراعات بين الجماعات المتشابهة مقارنة باحتمالية نشوب خلافات بين المجتمعات التي تمتلك فوارق سياسية واجتماعية كبيرة. 

إذا ما اعتبرنا المملكة العربية السعودية وقطر جماعتين من البشر، نجد أن الفوارق بينهما تكاد لا تُذكر. دولتان متلاصقتان حدوديًّا، تتحدثان بنفس اللسان، وشعبان ينتمان بالأساس لنفس الخلفية العرقية والدينية. بالتالي، وتطبيقًا لنظرية «فرويد»، كان لا بُد أن تحتدم المنافسة حول الأفضل بين الجماعتين المتشابهتين، ظاهريًّا على الأقل. 

بالفعل، احتدم الصراع بين المملكة العربية السعودية ودولة قطر منذ عقود، وبالتبعية تسرَّب الصراع لميادين أخرى، منها الرياضة بكل تأكيد. والسؤال: من يفوز في صراع «قطر/ السعودية» الرياضي؟ 

غيرة؟ 

لطالما شهدت العلاقة بين الجارتين قطر والسعودية توترًا منذ تسعينيات القرن الماضي. لكن في عام 2017 بدا أن الصراع الدبلوماسي أكبر من أن يتم التعتيم عليه، حيث فرضت المملكة العربية السعودية حصارًا على جارتها دام أكثر من ثلاث سنوات، انقطعت خلالها كل العلاقات بين البلدين. 

منذ نيلها استقلالها عن التاج البريطاني عام 1971 حاولت دولة قطر بشتى الطرق استغلال الرياضة كقوة ناعمة؛ للتعبير عن الهوية الوطنية القطرية بين دول الخليج العربي.

منذ عام 1976 وحتى 2022 نجحت الدولة الخليجية الصغيرة في تكليل مساعيها بالنجاح؛ حيث نجحت في الحصول على شرف استضافة نحو 37 حدثًا رياضيًّا كبيرًا. لعل أبرزها الحصول على حق تنظيم كأس العالم لكرة القدم «الدوحة 2022». 

بالتالي، تحولت قطر من مجرد دولة خليجية صغيرة إلى أحد أهم الوجهات الرياضية في العالم، وهو ربما ما أثار حفيظة جارتها السعودية، التي يُعتقد أنها تمتلك من المقومات ما يجعلها في نفس المرتبة، على الأقل من وجهة نظر الغرب. 

السعوديون يريدون تقليص الفجوة بالاستثمار الرياضي مع قطر. 
كارول جوميز، الباحثة بمعهد «IRIS» الفرنسي.

منذ عام 2016 اتضح تركيز المملكة العربية السعودية المتزايد على الرياضة، حيث شرعت السلطات في بناء برنامج استثماري يهدف إلى استعادة مكانة المملكة بين دول الخليج. وكانت الرياضة جزءًا لا يتجزَّأ من هذا المشروع الضخم. 

بشكل أكثر تحفظًا من الجار القطري، الذي ضَخ مليارات الدولارات أثناء رحلة «تلميع الصورة»، التي تضمنت الاستحواذ على نادٍ بحجم «باريس سان جيرمان» الفرنسي، واستضافة حدث بحجم كأس العالم، تعمل المملكة العربية السعودية على تغيير الصورة النمطية عن الرياض عن طريق الاستعانة بصندوق الاستثمارات السعودي والهيئة العامة للرياضة اللذين يعتبران محركًا لنموذج «عام 2030»، الذي تسعى المملكة من خلاله إلى أن تتحوَّل لقوة استثمارية عالمية. 

وفقًا لهذه الرؤية، تهدف المملكة العربية السعودية إلى جعل الرياضة أحد المحاور الرئيسية التي تصبغ الهوية السعودية الجديدة، حيث تصبح السعودية بين الدول الرائدة رياضيًّا على نطاق إقليمي وعالمي على حد سواء. 

شد وجذب 

في الواقع، لم تخلُ العلاقة بين المملكة العربية السعودية وقطر من الشد والجذب في مساحة مثل الرياضة، حيث استخدم كل طرف أسلحته من أجل التفوُّق على الآخر. 

طبقًا لـ «سيمون تشادويك»، أستاذ المشاريع الرياضية في جامعة سالفورد، أثناء الأزمة السعودية/ القطرية الأخيرة، حاولت المملكة كبح التفوُّق القطري عن طريق استراتيجيات متعددة، خاصة أن دولة قطر كانت قد قطعت شوطًا طويلًا طوال السنوات الأخيرة. 

 تمارس المملكة العربية السعودية ضغوطًا مكثفة لتثبيط الاهتمام بقطر في كأس العالم، كما ركزت الانتباه العالمي بشكل خاص على طريقة معاملة المهاجرين أثناء بناء المنشآت التي يتوقع أن تستضيف نهائيات كأس العالم. 
سايمون تشادويك. 

وفي أوج اشتعال الخلاف القطري الخليجي ظهرت من العدم قناة تحمل اسم «BeoutQ»، زعم مسئولو قطر أنها مملوكة للسعودية، والتي قامت بقرصنة محتوى كأس العالم الذي أقيم في روسيا عام 2108، المملوك بالأساس لمؤسسة «Bein» القطرية. 

وعلى الرغم من إنكار مسئولي المملكة العربية السعودية ضلوعهم في هذا الأمر، استغلت الهيئة العامة السعودية للمنافسة هذا الاتهام -الذي يعتقد الخبراء أنه صحيح – لاتهام مؤسسة «Bein» بأنها تقوم بممارسات احتكارية، حيث تجبر المشتركين على الاشتراك بباقات غير رياضية من أجل الحصول على فرصة مشاهدة البطولات التي تبثها القناة القطرية عبر قنواتها. 

«أنا عملتها أجمد»

في الرابع من يناير/ كانون الثاني، وبرعاية كويتية أمريكية، تم توقيع «اتفاقية العُلا»، التي انتهت على إثرها الخلافات بين قطر والسعودية رسميًّا. بالتالي، أصبح من غير الممكن أن  يستمر الصراع في كل المجالات أعلى الطاولة. 

وبما أن المملكة العربية السعودية تمتلك هدفًا معلنًا بأن تتحوَّل لدولة لا تعتمد على النفط، وأن الاستثمار الرياضي أحد الطرق التي قد تؤدي إلى هذا الهدف، ربما تتوجَّه المملكة إلى تكريس جميع جهودها بالفعل نحو التفوُّق على كل الدول في المنطقة. وربما بدأ ذلك بالفعل، حين حصلت المملكة العربية السعودية على حق استضافة الألعاب الآسيوية الشتوية 2029. نعم ما قرأته صحيح، ستستضيف صحراء «تروجينا» السعودية ألعابًا شتوية! 

بالعودة للخلف قليلًا، كانت قطر قد فازت بحق استضافة كأس العالم 2022 في عام 2010، ذلك القرار الذي وصفه «سيب بلاتر»، الرئيس السابق للاتحاد الدولي لكرة القدم بالخاطئ؛ نظرًا لما تضمنه التقرير الفني الخاص بالـ «فيفا»، من تحذيرات حول ارتفاع درجة الحرارة في قطر. 

لكن المثير، كان فوز الملف القطري بحق الاستضافة في حين أنه لم يكن يتضمَّن منشآت موجودة على أرض الواقع آنذاك، على عكس الملفات المنافسة. 

وبغض النظر عن اتهام قطر بشراء أصوات 14 عضوًا من أعضاء اللجنة التنفيذية الـ 22، استطاعت قطر بناء الملاعب والبنية التحتية اللازمة من العدم، ثم تم التوافق على أن تستضيف الدوحة المنافسات في شتاء 2022 تجنبًا لمشكلة درجة الحرارة، التي كانت لتهدد حظوظ البلد الخليجي في استضافة المونديال بشكل حقيقي. 

والسؤال الحالي: كيف تستطيع السعودية تنظيم ألعابًا شتوية؟ الإجابة هي منطقة «تروجينا» بمدينة «نيوم».

 

ستصبح صحارى وجبال المملكة العربية السعودية قريبًا ملعبًا للرياضات الشتوية!
المجلس الأولمبي الآسيوي.

يُعد مشروع «نيوم» أحد أهم مشاريع الأمير السعودي «محمد بن سلمان»، ولي عهد المملكة العربية السعودية، والذي يعتبر ركيزة «رؤية 2030» الخاصة بالمملكة. 

على مساحة نحو 26 ألف كيلومتر مربع، وبتكلفة تقترب من الـ 500 مليار دولار أمريكي، تعد المملكة العربية السعودية ببناء مدينة ذكية متكاملة، تحتوي على موانئ ومقرات للمؤسسات ومراكز البحوث وأماكن رياضية وترفيهية. 

يعد «نظمي نصر»، الرئيس التنفيذي لشركة نيوم، بأن الشركة ستتكفَّل ببناء منطقة «تروجينا»، بمنطقة «تبوك» الجبلية، ببنية تحتية مناسبة لتهيئة الأجواء الشتوية في قلب الصحراء، لجعل دورة الألعاب الشتوية عام 2029 حدثًا عالميًّا غير مسبوق. 

قوبل قرار منح المملكة العربية السعودية حق استضافة الألعاب الأولمبية الشتوية باستهجان منطقي؛ لسبب بسيط، وهو أن المنطقة التي يتوقَّع أن تستضيف فعاليات المسابقات نادرًا ما تشهد تساقط الثلوج. بالتالي، يعتقد أن تهيئة المناخ ستكون مصحوبة بتدخل بشري

سيتم استخدام الثلج الاصطناعي كجزء من المشروع بالإضافة إلى الثلج الطبيعي. 
جان باترسون، عضو شركة نيوم المنتدب. 
أنا عاجزة عن الكلام؛ لأننا نسير في طريق نحو الاستدامة، والمملكة العربية السعودية تريد أن تبني هذه الكاتدرائية في الصحراء. هذا شيء غير واقعي وسريالي. 
الإيطالية صوفيا جوجيا، بطلة التزلج على المنحدرات الثلجية.
هذا القرار ضد كل الجهود لمكافحة تغيُّر المناخ. نحن بحاجة للنظر إلى العواقب. كيف سيكون هذا ممكنًا؟ نرى أن العالم يحترق، وسوف يسوء في النهاية إذا لم نفعل أي شيء. لإنتاج الثلج، أنت بحاجة إلى الماء، والماء يمثل مشكلة أيضًا في هذه المنطقة. 
المتزلج النرويجي ألكسندر آمودت كيلدي.

وبعيدًا عن إشكالية المناخ والطاقة، التي يتم الرد عليها بتأكيدات حول مدى صداقة مشاريع المملكة للبيئة، والتي تعد أحد أولويات رؤية التنمية 2030. طبقًا للناشطة السعودية «علياء هائل»، دفعت قبيلة «الحويطات» ثمن مشروع مدينة المستقبل، بعد تهجير آلاف من سكان المنطقة الحدودية، والذين لا يمكن توقع مصيرهم في المستقبل. 

في النهاية، يعتقد «عبد العزيز بن تركي الفيصل»، وزير الرياضة السعودي، أن الحصول على حق استضافة الألعاب الآسيوية الشتوية «تروجينا 2029» يعد بمثابة انتصار للسعودية ودول الخليج العربي؛ لأن المملكة كانت الممثل الوحيد للمنطقة بين المرشحين لاستضافة هذا الحدث. 

يمكننا الآن ضمنيًّا أن نتخيل الصورة كاملة. هل تتذكر قصة النرجسية التي تدفع الجماعات ذات الخلفيات المتشابهة للتنافس حول أفضلية إحداها على الأخرى؟  

بالضبط، ربما تبحث المملكة العربية السعودية عن شيء مشابه. إذا ما كانت دولة صغيرة مثل قطر قادرة على إقناع العالم بقدرتها على تنظيم المونديال، فكيف لا تستطيع أخرى بحجم السعودية بإقناع نفس العالم بقدرتها على تنظيم ألعاب شتوية في الصحراء؟