هذا التقرير جزء من مشروع «الحج إلى واشنطن» الذي أنجزه فريق ساسة بوست لتغطية أنشطة لوبيات الشرق الأوسط في الولايات المتحدة بين 2010-2020. ومعظم المعلومات الواردة في التقرير تستندُ لوثائق من قاعدة بيانات تابعة لوزارة العدل الأمريكية، تتبع لقانون «تسجيل الوكلاء الأجانب (فارا)»، الذي يُلزم جماعات الضغط بالإفصاح عن أنشطتها وأموالها، وكل الوثائق متاحة للتصفح على الإنترنت.

يعتبر اللوبي التركي أحد أكبر جماعات الضغط السياسي القادمة من الشرق الأوسط في واشنطن، فيأتي –بجانب اللوبي الإماراتي– بعد اللوبي الإسرائيلي ذي الحجم والنفوذ الضخمين.

نستعرض في هذا التقرير جهود الضغط السياسي لمجموعة من الشركات الكبرى التي قدمت خدماتها لتركيا قبيل عام 2011 وحتى وقت قريب، وأدارت جهود الضغط السياسي التركي على مستويات مختلفة.

1. اللوبي التركي.. يميل أينما مال البيت الأبيض

سخّر اللوبي التركي الجزء الأعم من اهتمامه للحزب الديمقراطي، إثر فوز الرئيس الديمقراطي باراك أوباما بانتخابات الرئاسة عام 2008، ومجددًا في 2012، ثم جاء صعود دونالد ترامب بدعم الحزب الجمهوري لرئاسة أمريكا عام 2016 ومعه مالت دفَّة اللوبي التركي نحو الجمهوريين بالكامل.

يظهر هذا الميل نحو الديمقراطيين أو الجمهوريين بنوعية الشركات التي يتعاقد معها اللوبي وبالشخصيات التي يجتمع معها وانتماءاتها الحزبية. بدأت في 2008 علاقة تركيّة قوية مع «مجموعة جيبهاردت– Gephardt Group»، وهي شركة ضغط كبيرة أشرفت منذ ذلك الحين على عمليات اللوبي التركي، ونسّقت مع الجهات التركية لاستئجار عدة شركات أخرى وتمّت العقود بالكامل عبر مجموعة جيبهاردت.

قادت الشركة جهود تركيا في ملفات شائكة ومتعددة، منها: التحركات العسكرية التركية في شمال سوريا والعراق، والتحركات ضد الجماعات الكردية المسلحة في البلدين، وتابعت العمل بعد الانقلاب العسكري عام 2016 في تركيا.

وعملت الشركة على الملف الصعب في العلاقات بين أمريكا وتركيا، ألا وهو شراء منظومات الدفاع الجوية الروسية «إس–400»، وعملت على ملفات شائكة أبرزها الخلاف التاريخي حول إشكالية «مذابح الأرمن» مطلع القرن العشرين، والتشريعات الأمريكية التي عملَ بعضها على تحميل المسؤولية للدولة العثمانية، ووريثها القانوني المباشر الجمهورية التركية الحديثة ما حدث.

مؤسس الشركة ريشتارد جيبهاردت، كان نائبًا ديمقراطيًّا خدم في مجلس النواب لأكثر من 28 عامًا منذ 1977 وحتى 2005، وكان زعيمًا للديمقراطيين في المجلس على مدى 14 عامًا.

من الجدير بالذكر أن جيبهاردت مناصر صلب لإسرائيل في ملفاتها الخارجية، عدا عن دعمه للمجتمع اليهودي في قضاياه داخل أمريكا، ومع خروجه من الحياة السياسية نشرت «جويش تليجرافيك»، وهي من أبرز الصحف الأمريكية اليهودية، مقالًا بعنوان: «خروج جيبهاردت: اليهود خسروا صديقًًا لهم».

نافس جيبهاردت أيضًا على بطاقة الترشيح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة عام 2004، ضد المرشح الجمهوري جورج بوش الابن. وفي حملته الانتخابية، ندّد جيبهاردت بعلاقات الجمهوريين الوثيقة مع السعودية ودعا للعمل على التحرر الاقتصادي بالكامل من السعودية ونفطها.

وبرزت هذه التوجهات في السنوات التالية لهجمات سبتمبر (أيلول) 2001 وما أحدثته من غضب أمريكي عام تجاه السعودية بشكل خاص، والعالم الإسلامي عمومًا، فكانت مثل هذه التصريحات شائعةً في الحملات الانتخابية للديمقراطيين.

ويعمل في الشركة أشخاص آخرون قادمون من الكونجرس، منهم توم أودونيل، شريك مؤسس للشركة، وعمل كبيرًا لموظفي جيبهاردت في الكونجرس لعدة سنوات، وعمل بشكل مركّز على التشريعات المالية وعلى الميزانيات، وله علاقات مع نواب يعملون في اللجان المالية بالكونجرس.

وانضمت للشركة جانيس أوكونيل، الموظفة السابقة في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ، ومستشارة السيناتور الديمقراطي كريس دود، الذي ترأس اللجنة البنكية بالمجلس.

قادت الشركة جهود تركيا ضدّ مشروع قرار في الكونجرس قدمه النائب الديمقراطي آدم شيف عام 2009، يقترح المشروع تقليص المساعدات الأمريكية لتركيا إلى أن تُقر بـ«مذابح الأرمن»، ويدعو الرئيس الأمريكي لوصف ما حصل بالإبادة الجماعية.

لم يكن هذا المشروع الأول ولا الأخير، إذ يعمل الكونجرس سنويًا على إصدار قرار توكيدي لموقفه من «المذابح الأرمنية» ويجدد ضغطه على البيت الأبيض وعلى تركيا للإقرار بالمذابح على أنها إبادة جماعية، وتحمّل هذه القرارات الحكومة التركية الحديثة مسؤولية ما حصل.

وأحيانًا يتبنّى مشروع القرار أعضاء بارزون، وهذا هو الحال في قرار عام 2014، الذي تبناه السيناتور الديمقراطي بوب مينينديز، زعيم الديمقراطيين بلجنة العلاقات الخارجية، واستطاعت تركيا في النهاية شطب الأجزاء التي تدينها من التشريع.

نسَّقت الشركة زيارات لمسؤولين أتراك بارزين، منهم وزير الخارجية –آنذاك– أحمد داوود أوغلو، ونسّقت اجتماعات له مع نانسي بيلوسي، زعيمة الأقلية الديمقراطية في الكونجرس، بالإضافة لستيني هوير، ثالث أرفع عضو ديمقراطي بالكونجرس، وذلك في 2012.

وفي 2011، نسقت الشركة اجتماعًا لإبراهيم كالن، مسؤول تركي ومستشار بحزب العدالة والتنمية آنذاك، مع لجان العلاقات الخارجية بمجلس النواب.

وفي مايو (أيار) 2013، نسَّقت الشركة لاجتماعاتٍ في الكونجرس لرئيس الوزراء التركي آنذاك رجب طيب أردوغان، بالإضافة لوفد برلماني تركي مرافق له. ونسَّقت الشركة لاجتماعات بين أفكان آلا، وزير الداخلية التركي حينها، وأعضاء بالكونجرس الأمريكي في يونيو (حزيران) 2014.

عملت الشركة على ملفات خارجية مختلفة، منها القضية الفلسطينية، ففي منتصف عام 2012 تواصلت مع أعضاء في الكونجرس بشأن «حماس» دون ذكر تفاصيل أخرى، ومع اندلاع حرب جديدة على غزة في 2014، اجتمعت الشركة برفقة السفير التركي للولايات المتحدة مع نواب أمريكيين لمناقشة تطورات الأوضاع في القطاع بعد أكثر من أسبوعين على اندلاع الحرب، وذلك في 30 يوليو (تموز) 2014.

عملت الشركة أيضًا على ملف العقوبات الأمريكية على إيران وعلى سوريا، وتواصلت لهذه الغاية مع اللجنة البنكية بمجلس الشيوخ، وهي لجنة معنية بفرض عقوبات على دول أجنبية منها إيران، وسوريا.

ومن الجدير بالذكر أن الشركة تواصلت مع موظفين بالكونجرس بشأن الاختراقات الروسية للمجال الجوي لتركيا والناتو، وذلك قبل شهر من إسقاط تركيا لطائرة سوخوي الروسية في 24 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015.

ووفقًا لملفات الشركة في وزارة العدل الأمريكية، ارتفعت رسوم الشركة من مليون و400 ألف دولار سنويًا إلى مليون و700 ألف دولار، منذ عام 2015 حتى منتصف عام 2016، وهي أعوام ساخنة في تركيا، انفجرت فيها أزمة اللاجئين السوريين داخليًا ورافقتها أزمة دبلوماسية مع روسيا بعد إسقاط طائرتها، وشهدت تركيا عدّة انتخابات، ففي أغسطس (آب) 2014 عقدت الانتخابات الرئاسية، وتلتها انتخابات برلمانية في يونيو ثم في نوفمبر 2015.

وعملت الشركة على ملف اللاجئين السوريين مع مجلس الشيوخ، وتواصلت لهذه الغاية مع شيوخ بارزين منهم السيناتور الديمقراطي كريس ميرفي، عضو في لجان العلاقات الخارجية، والمخصصات، وهي لجنة معنية بالمساعدات الأمريكية وحجمها وتمويل العمليات الخارجية ضد تنظيمات «إرهابية» مثل «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)»، الذي استهدف تركيا بعدة هجمات منها «تفجيرات أنقرة» التي ألمحت السلطات التركية بمسؤولية التنظيم عنها.

الصورة من وثائق مجموعة جيبهاردت للضغط السياسي العاملة لصالح تركيا، وتُظهر الصورة تنسيق الشركة لاجتماعات لنائب مدير مكافحة الإرهاب التركي مع لجنة الأمن القومي في الكونجرس.

قبيل وبعد محاولة الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا اجتمعت الشركة أكثر من 12 مرة مع أعضاء في الكونجرس أو مع مكاتبهم، وجميعهم تقريبًا ديمقراطيّون، بالإضافة للاجتماع بموظفين بلجنة الخارجية بمجلس الشيوخ، معظمهم يعملون في لجان الخارجية أو القوات المسلحة أو الاستخبارات.

تُظهر وثائق الشركة في وزارة العدل الأمريكية تحصّلها من تركيا منذ 2010 وحتى نهاية 2016 على 9 ملايين و197 ألف دولار، وانتهت علاقتها بتركيا في 31 ديسمبر (كانون الأول) 2016.

2. تركيا مع كبار أعضاء الكونجرس

تعاقدت الخارجية التركية مع شركة «جرين بيرج توريج – Greenberg Taurig» للضغط السياسي في منتصف عام 2014، لتفتح لتركيا علاقات مع كبار أعضاء الكونجرس من رؤساء اللجان وزعماء الأحزاب.

وتعاقدت الشركة مرة ثانية مع الحكومة التركية في مارس (آذار) 2017، بعد فوز ترامب بالرئاسة، وتولّت منذ ذلك الحين الإشراف على عقود عدة شركات في اللوبي التركي لتصبح واحدة من أهم أذرعه، على شاكلة مجموعة «جيبهاردت».

من تعاقد السفارة التركية في واشنطن مع شركة «جرين بيرج توريج» للضغط السياسي، ويظهر في الصورة توقيع السفير التركي سيردار كيليتش.

وتركّزت أعمال الشركة على الكونجرس وفقط، دون التواصل مع الحكومة أو مع جهات أمريكية أخرى، وركزت تواصلها مع أعضاء الكونجرس العاملين في لجان الخارجية والمخصصات والقوات المسلحة.

كان أهم من عمل في الشركة في السنوات الماضية، منذ مطلع 2016 وحتى مايو 2018، الجمهوري رودي جولياني، حاكم نيويورك السابق الذي خرج من الشركة ليعمل مع ترامب في فريقه القانوني. وجولياني من أهم وجوه اللوبي التركي في واشنطن وداخل البيت الأبيض، وعملَ لتركيا على عدة ملفات أهمها تسليم فتح الله جولن، رجل الدين والسياسي التركي المطلوب في تركيا.

تضم كوادر الشركة مسؤولين سابقين يعملون أيضًا لصالح تركيا، منهم تيم هاتشينسون، وهو سيناتور جمهوري سابق من 1997 وحتى 2002، بالإضافة لألبرت وين، النائب الديمقراطي السابق الذي خدم بين أعوام 1993 و2008، وممن انضموا حديثًا للشركة، عام 2017، راندي فوربس، وهو نائب جمهوري عمل 16 عامًا بين 2001 و2017، وعملَ في لجان القوات المسلحة والقضائية.

من الطريف أن الشركة عملت في فترات تعاقدها مع تركيا لصالح حكومة إقليم كردستان أيضًا، ولصالح مجمع ليبيا للدراسات المتقدمة، ومؤسسه السياسي الليبي عارف النايض المرتبط بدولة الإمارات.

التقى موظفو الشركة في السنوات الماضية بأعضاء الكونجرس مئات المرات لمناقشة الملفات التركية، ولكن أهم أنشطتهم تركزت في التواصل مع رؤساء اللجان وزعماء الحزبين الديمقراطي والجمهوري.

تواصلت الشركة مع جون بينر، زعيم الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب بين 2011 و2015، والمتحدث باسم المجلس لتلك الفترة. واجتمعت الشركة أكثر من مرة مع ميتش ماكونيل، زعيم الأغلبية الجمهورية بمجلس الشيوخ منذ يناير (كانون الثاني) 2015.

والتقت، عدة مرات، السيناتور الجمهوري بوب كروكر أثناء توليه رئاسة لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، واجتمعت مع شيوخ جمهوريين آخرين معه في اللجنة، من أبرزهم السيناتور جون ماكين، أحد أهم أعضاء الحزب الجمهوري ومرشحيه السابقين للرئاسة، وكان حينها رئيسًا للجنة القوات المسلحة وعضوًا في لجنة الاستخبارات بمجلس الشيوخ.

وإبان الانقلاب الفاشل عام 2016، تواصلت الشركة عشرات المرات مع الكونجرس، واجتمعت مع رؤساء موظفي لجان الشؤون الخارجية، بجانب تواصلها مع أعضاء الكونجرس في اللجان نفسها، بالإضافة للجان الاستخبارات والقوات المسلحة.

ضمَّت قائمة اللقاءات العديد من الشخصيات الأخرى البارزة، مثل السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام، رئيس اللجنة القضائية بمجلس الشيوخ، والمرشح السابق للرئاسة والصديق المقرّب لدولة قطر، وتواصلت تركيا مع مكتبه بشكل مستمر. بالإضافة إلى السيناتور الجمهوري رون جونسون، الذي كان حينها رئيسًا للجنة الأمن القومي والشؤون الحكومية.

ومع شراء تركيا لمنظومة الدفاع الجوية الروسية «إس–400» نسّقت الشركة حملة ضغط سياسي في الكونجرس مع أعضاء الكونجرس المذكورين، بالإضافة لغيرهم من العاملين باللجان المعنية بالأمن الأمريكي وصفقات السلاح، ليشرحوا دوافع تركيا لشراء منظومة الدفاع.

وأوصلت الشركة رسالةً كتبها السفير التركي لمجموعة من أعضاء الكونجرس، عن طلب تركيا المتكرر من الناتو وأمريكا للسماح لها بشراء منظومات دفاع جوية أمريكية، أو على الأقل تثبيتها في تركيا لحماية مجالها الجوي، دون استجابة أمريكية.

وباختصار، قدمت الشركة لتركيا تواصلًا مباشرًا مع أعضاء الكونجرس المهمين لمناقشتهم بشتى الملفات التركية، ولأن مثل هذه العلاقات توزن بالذهب في واشنطن، تظهر وثائق الشركة بوزارة العدل الأمريكية أنها تلقّت منذ منتصف 2014 وحتى أبريل 2020 ما يصل إلى 6 ملايين و400 ألف منذ بداية تعاقدها مع تركيا.

3. رئيس «سي آي ايه» سابق في خدمة مصالح تركيا

استطاعت تركيا أن تضع يدها على شركة ضغط سياسي يعمل فيها رئيس سابق لـ«وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (سي آي ايه)»، وهو بورتر جوس، الذي أدار الوكالة في الأعوام من 2004–2006، جمهوري كان نائبًا في الكونجرس وترأس لجنة الاستخبارات بمجلس النواب منذ 1997–2004.

وبدأت علاقة الحكومة التركية بالشركة، «ديكستين شابيرو – Dickstein Shapiro»، في فبراير (شباط) 2009، كما تظهر وثائق الشركة في سجلات وزارة العدل الأمريكية.

ويعمل كبيرًا لمستشاري الشركة دينيس هاستيرت، الجمهوري الذي كان رئيس مجلس النواب منذ 1999 وحتى 2007، وهو واحد من أكثر الشخصيات الجمهورية نفوذًا في تلك الفترة، وفور خروجه من الكونجرس بدأ العمل بمجال الضغط السياسي مع الشركة. ومن الجدير بالذكر أن هاستيرت أدين عام 2015 بتهم تحرش بالأطفال في الثمانينيات، وسجن إثر ذلك.

عملت الشركة على كافة الملفات المذكورة سابقًا في هذا التقرير، خاصةً ملف «المذابح الأرمنية» السنوي. لكنَّ أهمية الشركة تأتي من المناصب السابقة للعاملين فيها، التي سمحت لهاستيرت على سبيل المثال أن يتواصل مع كبار أعضاء الكونجرس، ومنهم نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب وزعيمة الديمقراطيين فيه، التي تواصلت الشركة مع مكتبها لمناقشة قضايا مختلفة.

ويلاحظ أن الشركة نفَّذت خدماتها على كافة مستويات الكونجرس، واستهدفت الموظفين والمديرين العاملين في لجان الخارجية بمجلسي النواب والشيوخ، بالإضافة للجنة الخدمات المالية، لإيضاح قضايا متعلقة بالنظام المصرفي التركي.

وعملت الشركة على جلسات الاستماع في الكونجرس التي تخص تركيا، فتواصلت مع المشاركين بهذه الجلسات قبل انعقادها وبعدها، مثل جلسة عن «الاتجاهات الجديدة للسياسة الخارجية التركية: آثارها على العلاقات التركية الأمريكية»، في يوليو 2010.

وراسلت الشركة عدة أعضاء في الكونجرس بشأن تظاهرات جيزي بارك عام 2013 في تركيا ضد الحزب الحاكم، حزب العدالة والتنمية، وناقشت في المراسلات جلسات الاستماع المرتبطة بالتظاهرات.

لكنّ الشركة عملت على ملفات خارجية تركية أخرى، مثل الشأن الليبي، وتُظهر وثائق الشركة أنها تتابع الملف الليبي منذ 2011، إذ تابعت جلسات الاستماع حول أحداث بنغازي عام 2012 التي قتل فيها السفير الأمريكي في ليبيا مع ثلاث أمريكيين آخرين و10 رجال أمن ليبيين.

وتواصلت الشركة تحديدًا مع السيناتور الجمهوري راند باول، الذي سأل هيلاري كلينتون في جلسات التحقيق بالقضية إذا ما كانت الولايات المتحدة أو أحد أذرعها منخرطةً في عملية شراء أو بيع أو نقل أسلحة من ليبيا لدول خارجية، وعلى وجه الخصوص تركيا، وجاوبت هيلاري بعدم معرفتها، ولاحقًا أصدرت الخارجية الأمريكية بيانًا ينفي أي علاقة للولايات المتحدة بعمليات نقل أسلحة بين ليبيا وتركيا.

ونسقت الشركة لمسؤولين أتراك كبار اجتماعاتهم بالمجلس، مثل اجتماع لإبراهيم كالن مع السيناتور الجمهوري جون ماكين، وزيارة لوزير الخارجية آنذاك، أحمد داوود أوغلو، مع أعضاء كونجرس جميعهم جمهوريون، في 2012، ورافقه في الزيارة عاملون في الشركة.

وعملت الشركة على تنسيق رحلات لأعضاء الكونجرس لزيارة تركيا، واحدة منها في الفترة بين 27 و30 أبريل 2013، وقد رافق هاستيرت الوفد في كامل الرحلة.

الملف الكردي

بالطبع لا يمكن لشركة بهذا الحجم أن تفوّت العمل على الملف الكردي، واحد من أكثر الملفات التي استنزفت وشغلت الدولة التركية داخليًا وخارجيًا، وتظهر أهميته في حضوره بأنشطة ضغط اللوبي التركي بواشنطن.

في هذا الملف، ضغطت الشركة في مشروع قرار للكونجرس لتمويل وتدريب قوات حكومة إقليم كردستان وشمال العراق وتسليحها، ولكن القرار يشترط عدم تدريب أي عناصر لا تتبع مباشرةً حكومة الإقليم. قُدِّم مشروع القرار في مارس 2015، لكن دون إقراره في النهاية.

من أنشطة شركة «ديكستين شابيرو» لصالح اللوبي التركي، ويظهر في الصورة بعض الاجتماعات في الكونجرس.

وتواصلت الشركة أيضًا مع أعضاء كونجرس بشأن تشريع ينصّ على رفع حزبين كرديين من لوائح الإرهاب مع السماح باستصدار تأشيرات دخول لأعضاء فيها، أولهما حزب الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي من مؤسسيه جلال طالباني، سياسي عراقي كردي ورئيس العراق من 2005 حتى 2014.

الحزب الآخر هو الحزب الديمقراطي الكردستاني، ويترأسه الآن مسعود برزاني، الذي كان رئيسًا لإقليم كردستان العراق منذ 2005 وحتى 2017. وبالفعل رُفع الحزبان عن اللوائح وسمح لأعضائهما باستصدار تأشيرات دخول للولايات المتحدة.

وانتهت علاقة الشركة بتركيا في يوليو 2015، وتظهر وثائق الشركة في سجلات وزارة العدل الأمريكية أنها تلقت 2 مليون و295 ألف دولار مقابل خدماتها.

4. فتح الله جولن أولويّة اللوبي التركي

استأجرت تركيا شركة «ميركوري للعلاقات العامة – Mercury Public Affairs» للمساعدة في حملة إعلامية تستهدف فتح الله جولن، زعيم تنظيم «الخدمة» ورجل الدين التركي المطلوب بتهمة التدبير لمحاولة الانقلاب الفاشلة عام 2016 في تركيا.

185 مدرسة تمولها ضرائب الأمريكيين.. حرب اللوبي التركي على مدارس جولن في أمريكا

وعملت الشركة آنذاك على الترويج لتحقيق استقصائي بشأن أنشطة التنظيم في الولايات المتحدة، ومدارسه المنتشرة في عدة ولايات أمريكية وتشرف على آلاف الطلاب الأمريكيين وتوفر غطاءً لأنشطة التنظيم.

لم تقتصر خدمات الشركة على العمل الإعلامي فحسب، بل نسقت اجتماعات مع عدة أعضاء في مجلس الشيوخ ومع خمسة نواب، لمناقشة ما وصفته بالـ«شؤون العسكرية» معهم، ومن أهم الشخصيات السيناتور الجمهوري ثاد كوكران، رئيس لجنة المخصصات بمجلس الشيوخ آنذاك.

بدأت هذه العلاقة في مارس 2016 وانتهت سريعًا بكلفة 57 ألف دولار، كما تذكر وثائق الشركة في سجلات وزارة العدل الأمريكية. وتجددت العلاقة بين تركيا والشركة في أبريل 2018، ولكن بعقدٍ ضخم هذه المرة قيمته تتجاوز 866 ألف دولار سنويًا.

تواصلت الشركة، على خلاف الشركات السابقة، مع مراكز بحثية أمريكية مختلفة، من أبرزها مركز «راند»، التابع لوزارة الدفاع وأحد أهم المراكز البحثية الأمريكية، خاصةً في المجتمع الأمني الأمريكي. وتواصلت مع مراكز بحثية أخرى مثل مركز التقدم الأمريكي، الذي يضم باحثين مختصين بالشأن التركي كانوا من أشد الناقدين للسياسات التركية في السنوات الأخيرة.

التقت الشركة بالباحث التركي الأمريكي سونار شابتاي، وهو واحد من أهم الباحثين في الشأن التركي في واشنطن، وكتب أربعة كتب عن تركيا، اثنين منها عن الرئيس أردوغان بعناوين مثل: «السلطان الجديد: أردوغان وأزمة تركيا الحديثة»، والآخر بعنوان «إمبراطورية أردوغان: تركيا وسياسات الشرق الأوسط»، وهي منشورة باللغة الإنجليزية.

يمتلك شابتاي صوتًا مسموعًا في واشنطن، فوفقًا لحسابه الشخصي على منصة «لينكدإن»، بدأ شابتاي رحلته البحثية في أمريكا منذ عام 2002 في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى الذي ما زال يعمل فيه حتى الآن، وهو مركزٌ مؤيد بالكامل لإسرائيل.

بالإضافة للمراكز البحثية، قابلت الشركة موظفين بجهات إعلامية أمريكية للرد على استفسارات تخص تركيا، أو لتنسيق نشر مقالات رأي وفرص ظهور إعلامي لمسؤولين أتراك، فنسّقت مثلًا مقابلة لسيردار كيليتش، السفير التركي إلى واشنطن، مع «بلومبيرج».

وللمفارقة، عملت الشركة على نشر مقال رأي يردّ على جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق لترامب. الذي تحدث في كتابه المثير للجدل «الغرفة التي شهدت الأحداث» عن تقديم ترامب «خدمات شخصية» لعدة سياسيين منهم أردوغان.

الكتاب الذي حاول ترامب منعه.. قراءة شاملة في كتاب بولتون المثير للجدل

ومن اللافت للنظر أن الشركة عملت على تنسيق عشرات الاجتماعات مع أعضاء في الكونجرس لصالح بيرات البيرق، وزير المالية والخزانة التركي، ولم نستطع التأكد من أن الاجتماعات تمت أم لا.

بالإضافة لما سبق ذكره، تواصلت الشركة مع لجان محددة بالكونجرس، منها لجان الخارجية والمالية، ولجنة الطاقة والتجارة، وتواصلت أيضًا مع وزارة التجارة الأمريكية.

وما زالت العلاقة بين الشركة وتركيا مستمرة حتى الآن، وتُظهر ملفات الشركة أنها تلقت 2 مليون و366 ألف دولار مقابل خدماتها، حتى منتصف عام 2020.

ولم تعمل الشركة فقط لصالح الخارجية التركية، إذ عملت لصالح مجلس الأعمال التركي الأمريكي (TAIK)، التابع لوزارة التجارة التركية، ويرعى المجلس مؤتمرًا سنويًا يحضره مسؤولون أتراك وأمريكيون رفيعو المستوى، ووقعت العقد مع الشركة لتوفر تغطية إعلامية وخدمات علاقات عامة لصالح المجلس ومؤتمره السنوي.

بدأ هذا التعاقد في فبراير 2018، وتواصلت الشركة هذه المرة مع جهات معنية بالتجارة والطاقة في الحكومة الأمريكية، فبدأت أنشطتها بالتواصل مع وزارة التجارة الأمريكية ومكتب التمثيل التجاري للولايات المتحدة. وتواصلت مع هيئات اقتصادية محليّة أمريكية بهدف التشبيك المباشر بين مجلس الأعمال التركي وبين الشركات في تلك المدن.

عملت الشركة على ملف التجارة في تواصلها مع الكونجرس، فقامت بتوزيع رسالة باسم مجلس الأعمال على أعضاء بالكونجرس لتشرح لهم أهمية العلاقات التجارية بين تركيا وأمريكا وضرورة التخلص من العقوبات والضرائب المتبادلة بين البلدين. جاءت هذه الرسالة في سياق فرض الرئيس ترامب لعقوبات اقتصادية على تركيا، منها ضريبة خاصة على الحديد والصلب أعلن عنها في 10 أغسطس 2018.

وتواصلت الشركة أيضًا مع عدد من أعضاء الكونجرس، مع تركيز على العاملين منهم بلجان التجارة والطاقة والأعمال. وتحصلت ميركوري نظيرًا لخدماتها لمجلس الأعمال على مليون و670 ألف دولار.

5. «إس–400».. «صداع» تركيا في الكونجرس

يأتي هذا التعاقد في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، مع شركة «كابيتول كاونسل – Capitol Councel» للضغط السياسي، ليوسع اللوبي التركي تواجده في مختلف مستويات صناعة القرار بالكونجرس. ومفتاح هذا التعاقد عند تاونر فرنش، وهو شريك في الشركة عمل سابقًا مع النائب الجمهوري بيتي سيشنز، رئيس لجنة القواعد التي تنظم جدول أعمال وأجندة مجلس النواب بالكامل.

عمل سيشنز رئيسًا لتكتّل الأتراك الأمريكان في الكونجرس ورئيسًا لتكتّل العلاقات التركية – الأمريكية. ويُلاحظ في ملفات الشركة في سجلات وزارة العدل الأمريكية أن فرنش تواصل بشكل مستمر مع رئيسه السابق سيشنز ومع زملائه في مكتب النائب الجمهوري، واجتمع بهم بين الحين والآخر.

ويعمل في الشركة أيضًا جيم ماكري، وهو المسؤول عن تنسيق العمل مع الأتراك. وكان ماكري عضو كونجرس جمهوري سابق منذ 1988 وحتى 2009، وعمل في لجنة الوسائل والطرق طوال هذه الفترة.

ووفرت الشركة اتصالًا بأعضاء كونجرس رفيعي المستوى لم توفره الشركات السابقة، منهم النائب الجمهوري إدوارد رويس، رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب، الذي اجتمعت الشركة معه على الأقل مرتين، وهو ناقد للسياسات التركية ولأردوغان، ونقلَ في واحدة من جلسات الاستماع باللجنة أن أردوغان قال: «الديمقراطية مثل الحافلة، وسأترَجَّل منها حالما أصل لمحطتي»، وقدّم في 2013 مشروع قرار لحماية الممتلكات المسيحية في تركيا وفي قبرص الشمالية «المحتلّة من قبل تركيا»، بحسب تعبيره.

يتحدث التشريع عن مواقع مقدسة للمسيحيين مذكورة في الإنجيل، في الأناضول وعموم تركيا، ويطالب وزارة الخارجية الأمريكية بعمل قائمة شاملة للممتلكات المسيحية التي صادرتها الدولة التركية وأن تضغط لإرجاعها. وقد ضغطت مختلف أذرع اللوبي التركي في ذلك العام لإبطال القرار ولكنه مر ووافقت عليه لجنة الشؤون الخارجية التي يرأسها رويس بنفسه.

اجتمعت الشركة ثلاث مرات على الأقل مع النائب الجمهوري مايكل ماكول، الذي كان حينها رئيسًا للجنة الأمن القومي، ومنذ 2019 صار زعيم الأقلية الجمهورية في لجنة الشؤون الخارجية وشارك في صياغة مجموعة قرارات لفرض عقوبات على تركيا لردعها عن نيتها بشراء المنظومة الدفاعية الروسية «إس–400»، وتتضمن العقوبات منع تركيا من المشاركة في برامج تصنيعية لأجزاء من طائرات «إف–35» المقاتلة. عدا عن عقوبات أخرى ردًا على الاجتياح التركي لشمالي سوريا.

شاركه في رعاية هذه العقوبات أحد أبرز النواب الديمقراطيين، إليوت إنجل، المؤيد الشرس لإسرائيل وخادم أجندتها في الكونجرس، ولو كان ذلك ضد توجهات الحزب الديمقراطي، فقد عارض الاتفاق النووي الإيراني الذي عملت عليه إدارة أوباما في توافق مع موقف الجمهوريين والموقف الإسرائيلي بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. ويُذكر أن الشركة اجتمعت لمرة واحدة مع إنجل.

واجتمعت الشركة مرتين مع السيناتور الجمهوري رون جونسون، رئيس لجنة الأمن القومي بمجلس الشيوخ، وعضو بلجنة الخارجية، وربما كانت نتيجة التواصل فيما نقلته وكالة الأناضول من أن جونسون صوّت ضد تشريع لفرض عقوبات على تركيا بمجلس الشيوخ.

وعلى كل حال مرّ التشريع بموافقة أغلبية أعضاء اللجنة، وبعد عام من تمريره خرجَ جونسون بتصريحات نفاها البنتاجون قال فيها إنّ الولايات المتحدة تفكر بنقل قواتها خارج قاعدة إنجرليك الجوية في تركيا، إلى قاعدة أخرى على جزيرة يونانية.

وأخيرًا، عقدت الشركة عدة اجتماعات مع بول رايان، النائب الجمهوري البارز والمتحدث باسم مجلس النواب في أعوام 2015–2019.

ويُلاحظ في سجلات الشركة تواصلها المستمر مع الموظفين والمديرين العاملين بلجان الكونجرس، وبشكلٍ خاص لجان القوات المسلحة والخارجية والمخصصات. ومقابل هذه الخدمات والعلاقات، حصلت الشركة على مليون و940 ألف دولار وما زالت علاقتها مستمرةً بتركيا.

هذا التقرير جزءٌ من مشروع «الحج إلى واشنطن»، لقراءة المزيد عن «لوبيات» الشرق الأوسط اضغط هنا.