ظهرت أخيرًا في إيران خريطة المرشحين لخوض انتخابات الرئاسة المقرر انعقادها في 19 مايو/آيار 2017، بإعلان مجلس صيانة الدستور عن قائمة من ستة مرشحين، سُمح لهم بخوض السباق الرئاسي، وهم: الرئيس الحالي حسن روحاني، سادن العتبة الرضوية إبراهيم رئيسي، عمدة طهران محمد باقر قاليباف، نائب الرئيس إسحاق جهانغيري، وزير الصناعة الأسبق مصطفى هاشمي، وعضو مجمع تشخیص مصلحة النظام مصطفى مير سليم.

وجاء اختيار هؤلاء الستة من بين 1636 مرشحًا تقدموا بأوراقهم لخوض الانتخابات، كان منهم 137 امرأة لم تُقبل أوراق أي منهن، كما لم تقبل أوراق نحو 30 شخصية سياسية معروفة على الساحة الإيرانية، كان أبرزهم الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد، الذي سبق أن حصل على مصادقة مجلس صيانة الدستور لخوض انتخابات الرئاسة لعامي 2005 و2009، وكذلك تم رفض أهلية حليفه حميد بقائي، ومحمد هاشمي شقيق الرئيس الإيراني الأسبق المتوفى هاشمي رفسنجاني، والمرشحين الإصلاحيين مصطفى كواكبيان، ومحسن رهامي، كما تم رفض ترشح النائب المحافظ السابق علي رضا زاكاني، رغم أنه واحد ممن رشحتهم الجبهة الشعبية لقوى الثورة الإسلامية، التي اختارت خمسة أسماء محافظة لتنافس روحاني في الانتخابات.

وذلك ما يلقي الضوء على الآلية التي تُمكن النظام من التحكم في قائمة المرشحين، وذلك من خلال مجلس صيانة الدستور، بل إمكانية تحديد المرشح الفائز نفسه من خلال خريطة المقبولين وانتماءاتهم السياسية، بجانب آليات أخرى يتبعها النظام وتتمثل في السيطرة على وسائل الإعلام وملاحقة المنابر المعارضة، وهي الإجراءات التي تزداد كثافتها قبيل الانتخابات، في محاولة لتوجيه أصوات الناخبين.


مجلس صيانة الدستور ودوره الوصائي

على الرغم من أن النظام في إيران لا يضع قيودًا في سبيل تقديم أي من الراغبين بأرواقهم لخوض الانتخابات، لكنه يمنح في المقابل مجلس صيانة الدستور صلاحيات مطلقة لاختيار القائمة النهائية للمرشحين لخوض الانتخابات، بما يسمح باستبعاد المجلس لأي من المشكوك في ولائهم للنظام، أو حتى من قد يحظون بشعبية كبيرة قد تهدد نفوذ الولي الفقيه نفسه في الدولة.

الكثير من الضبابية تفرض نفسها على آلية عمل مجلس صيانة الدستور، إذ لا أسباب واضحة وراء الاستبعادات، لاسيما وأن بعضها تكون بحق من سبق قبولهم!

ومجلس صيانة الدستور، أو مجلس الرقابة على القوانين، في إيران، هو مؤسسة دستورية تمارس دورا مشابها للمحاكم الدستورية في الدول الأخرى، مع اختلاف نسبي في التشكيل والصلاحيات؛ إذ يتشكل المجلس من 12 عضوا، ستة منهم متخصصون في فقه المذهب الجعفري والقانون الإسلامي، ويتم تعيينهم مباشرة من قبل المرشد الإيراني الأعلى، أما الستة الآخرون فهم من المحامین ذوي الخبرة، ويتم ترشيحهم من قبل رئيس السلطة القضائية، ويتم التصويت عليهم من قبل أعضاء مجلس الشورى الإيراني(البرلمان).

وتتمثل مهام مجلس صيانة الدستور في تفسير نصوص الدستور وتحديد مدى مطابقتها للشريعة الإسلامية، وكذلك الموافقة مسبقًا على كل القوانين الصادرة من مجلس الشورى الإيراني كشرط لصحتها، وذلك بجانب الإشراف على كل الاستفتاءات والانتخابات التي تشهدها البلاد، بدءًا من الانتخابات الرئاسية وانتخابات مجلس خبراء القيادة، انتهاءً بالانتخابات النيابية والمجالس البلدية، حيث يقوم المجلس بدراسة ملفات المرشحين، ومنحهم الإذن من عدمه بخوض الانتخابات، ثم الإشراف على إجراء الانتخابات ذاتها وعمليات إحصاء الأصوات.

وفيما يشترط الدستور الإيراني أن يحمل المرشح للانتخابات الجنسية الإيرانية، وأن يكون شخصية سياسية أو دينية مرموقة، ولديه سجل لا تشوبه شائبة في الورع والإخلاص للجمهورية الإسلامية، فإن المجلس لا يسمح بناء على ذلك لغير المسلمين، بل لغير الشيعة الإمامية الإثني عشرية، بالتقدم للانتخابات، وكثيرًا ما ألغى المجلس أيضًا ترشح الشيوعيين والقوميين والأكراد وكل من لا يؤمن بمبدأ ولاية الفقيه.

وربما الأهم أن المجلس لا يحتاج لحُجة معينة، كي يقوم بإقصاء مرشح ما من السباق الانتخابي، وكثيرًا ما رفض طلبات ترشيح للكثير من الرموز السياسية الفاعلة في داخل النظام نفسه، وأبرزهم الرئيس الأسبق ورئيس مجمع تشخيص مصلحة النظام، علي أكبر هاشمي رفسنجاني، الذي تم رفض خوضه مجددًا الانتخابات الرئاسية لعام 2013. أما خلال الانتخابات الرئاسية لعام 2017، فقد كان الأبرز رفض ترشح الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد، رغم أنه ورفسنجاني سبق قبولهما مرتين من خلال المجلس نفسه وتوليا منصب الرئاسة لـ 8 سنوات، لكل منهما.

ورغم أن معظم التحليلات ربطت رفض ترشح نجاد بمخالفته نصيحة المرشد الأعلى له بعدم الترشح، ولتلافي الانقسام السياسي في البلاد، فإن المتحدث باسم مجلس صيانة الدستور، عباس علي كدخدائي، نفى وجود علاقة بين الأمرين، وقال في تصريح صحفي: «عدم تأييد صلاحية محمود أحمدي نجاد لا علاقة لها بقضية نصيحة المرشد الأعلى له بعدم خوض الانتخابات»، ليضيف تصريحه للواقع الإيراني مزيدًا من الضبابية، حول السبب الذي تم بموجبه استبعاد نجاد من خوض السباق الانتخابي.

كذلك دأب مجلس صيانة الدستور على رفض جميع النساء المتقدمات للترشيح، بالرغم من أن وزارة الداخلية تسمح لهن بالتقدم بأوراقهن، ورغم تصريح المتحدث باسم المجلس علي كدخدائي، حول السماح للنساء بالترشح للانتخابات الرئاسية، موضحًا أن المجلس لا يعارض تسجيل النساء في الانتخابات. ولكن في الحقيقة، تنصّ المادة (155) من دستور إيران على ضرورة أن يكون المرشح للرئاسة «أحد رجال الدين، وسياسيًا (رجل دولة)»، وهذه المادة محل خلاف، خاصة فيما يتعلق بكيفية تفسير مصطلح «رجال»، وهل تعني هذه الكلمة الرجال والشخصيات، أم تترجم حرفيًا على أنها تخص الذكور فقط.


رسم خريطة المرشحين بناءً على توجهاتهم السياسية

الرئيس الإيراني المنتهية ولايته، حسن روحاني

الملاحظ أن الأمر لا يتوقف فقط عند حد صلاحيات مجلس صيانة الدستور في قبول ورفض المرشحين، بل يتعداه إلى محاولة رسم خريطة المرشحين بحسب اتجاهاتهم السياسية، الأمر الذي قد يتيح لمرشح معين -يختاره النظام مسبقًا- تحقيق الفوز، ولكن من خلال أصوات الناخبين.

فعلى سبيل المثال؛ وبالعودة إلى الانتخابات الرئاسية لعام 2013، والتي تمكن خلالها الرئيس روحاني من تحقيق فوز كبير من الجولة الأولى للانتخابات؛ فالملاحظ أنه كان المرشح المعتدل الرئيسي الذي دخل في منافسة مع 4 من المحافظين اختارهم مجلس صيانة الدستور، وانقسمت بينهم أصوات المتشددين، وهم: سعيد جليلي، ومحمد باقر قاليباف، ومحسن رضائي، وعلي أكبر ولايتي. فيما نجح روحاني في الحصول على جُلّ أصوات المعتدلين والإصلاحيين في إيران، وخصوصًا أن المرشح الإصلاحي الذي خاض معه الانتخابات، سيد محمد غرضي، كان بعيدًا عن المشهد السياسي منذ عام 1997، ولم يكن يحظى بدور كبير أو شعبية كبيرة على الساحة الإيرانية.

ومع نجاح روحاني في تحقيق الفوز ضمن النظام بذلك استيعاب غضب الإصلاحيين وأنصار الحركة الخضراء، مع تحجيم الطموحات الإصلاحية في البلاد من خلال روحاني نفسه الذي كان في الواقع مرشحًا للنظام، ونجح على الجانب الآخر في التوصل إلى الاتفاق النووي مع القوى الدولية، في فترة احتاج فيها النظام إلى المهادنة نسبيًا مع القوى الدولية.

وهندسة خريطة المرشحين على النحو السابق الإشارة إليه، لا يُستبعد أن تتجدد هذه المرة، وأيضًا لصالح روحاني الذي تجنب الدخول في أي مواجهة مع المرشد الأعلى للنظام -رغم ما يقال عن خلاف بينهما- وذلك بالنظر إلى الخلفيات السياسية للمرشحين الذين تم قبولهم.

فإلى جانب الرئيس روحاني الذي يمثل التيار المعتدل المدعوم من الإصلاحيين، تم قبول ترشح نائبه الأول إسحاق جهانغيري، وهو داعم رئيسي لسياساته، وغالبًا قد ترشح كمرشح ظل للرئيس، ويتوقع انسحابه لصالح روحاني بعد ضمان قبوله من خلال مجلس صيانة الدستور؛ إذ إن دخول الرجل الانتخابات الحالية يعد دخولًا تكتيكيًا، تمهيدًا للدورة المقبلة في عام 2021، بحسب ما يرى البعض.

وهناك أيضًا وزير الصناعة السابق، الإصلاحي المغمور مصطفى هاشمي طبا، وهو من كوادر البناء معتدل، ولكن ليس له شعبية كبيرة، وخصوصًا أن ميوله السياسية تتسم بالتناقض النسبي، فقد كان عضوًا في حزب مؤيد للإصلاح، ودعَم المرشحين الإصلاحيين في الانتخابات المتنازع عليها عام 2009، إلا أنه في الوقت نفسه كان أحد أبرز المؤيدين لغلق الصحف وقمع المعارضين وفرض المزيد من القيود على الحريات في السنوات الأولى من الألفية الثالثة.

ومقابل جهانغيري وهاشمي طبا اللذين ليس لهما غالبًا حظوظ حقيقية في الانتخابات القادمة، وبما يصب لصالح استحواذ روحاني على أصوات الكتلة الإصلاحية المعتدلة، تنقسم أصوات المحافظين بين ثلاثة مرشحين بارزين.

المرشح الأول: حجة الإسلام والمسلمين، سادن (خادم) العتبة الرضوية إبراهيم رئيسي، وهو محافظ أصولي، مقرب من المرشد علي خامنئي، الذي عيّنه عام 2016 رئيسًا للمؤسسة الخيرية التي تحظى بنفوذ كبير «آستان قدس رضوي». ورغم أن خبراته السياسية قليلة، يرى مراقبون أنه قد يشكل تحديًا حقيقيًا لروحاني، ومن شبه المؤكد أن يجبره على خوض جولة ثانية من الانتخابات الرئاسية، بعكس ما كان عليه الحال في انتخابات عام 2013، ولكن مع الوضع في الاعتبار أن رئيسي ليس المرشح الوحيد للتيار المحافظ.

المرشح الثاني: عمدة طهران الأصولي المحافظ، محمد باقر قاليباف، والذي سبق أن شارك في الانتخابات الرئاسية لعام 2005، لكنه خرج مبكرًا من السباق بسبب عدم حصوله على الأصوات اللازمة، كما أنه فضل عدم خوض انتخابات الدورة التالية في عام 2009، ولكنه في عام 2013 قرر خوض الماراثون الانتخابي ليحل في المرتبة الثانية بعد حسن روحاني بإجمالي نحو 6 ملايين صوت.

المرشح الثالث: عضو مجمع تشخیص مصلحة النظام، مصطفى مير سليم، وهو أصولي محافظ متشدد، وكان أول من تقدم بأوراق ترشحه للانتخابات الرئاسية، وهو مرشح حزب المؤتلفة الإسلامي المتشدد في إيران، وسبق أن تولى منصب وزير الثقافة في الولاية الثانية من رئاسة هاشمي رفسنجاني بين عامي 1993 و1997.


إسكات المعارضة بالقوة

الاستبعاد والقبول الذي يمارسه مجلس صيانة الدستور يعيد بدوره تشكيل خريطة التصويت بما يخدم مرشحا على حساب آخر، وهو الأمر الذي يعيب العملية الديمقراطية بشكل بالغ

بجانب دور مجلس صيانة الدستور، ومحاولة هندسة خريطة المرشحين، تشهد الساحة الإيرانية في الفترة السابقة لإجراء الانتخابات، حملات قمع مكثفة واعتقالات ضد الصحفيين وكذلك موجة حجب لمواقع وشبكات وقنوات التواصل الاجتماعي، من خلال أجهزة الأمن الإيرانية، وعلى رأسها جهاز الاستخبارات التابع للحرس الثوري الإيراني.

تزاداد القبضة الأمنية إحكامًا مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية في إيران، ومن غير الصحي أن يبقى الوضع هكذا، ما يضر بالمرشحين وحملاتهم الدعائية

وقد أعلن المدَّعي العام الإيراني محمد جعفر منتظري، في تصريحات له في الخامس من أبريل/نيسان الفائت، أنه أصدر أوامر للدوائر المعنية في أنحاء البلاد لمراقبة شبكة الإنترنت لحظة بلحظة خلال فترة الانتخابات.

وأشار منتظري خلال لقاء مع القضاة وموظفي القضاء إلى أن أي مخالفة من قِبل مستخدمي الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي سيتم التعامل معها فورًا، معتبرًا أن هذا الإجراء يأتي في إطار توفير الأمن للأجواء الانتخابية، لكن لا يُغفَل أن هذه تعتبر إحدى أدوات النظام للتحكم في الدعاية الانتخابية، سواء كانت تلك الدعاية إيجابية لصالح مرشح معين، أو سلبية ضده.

وكان الاتحاد الدولي للصحفيين ندد بموجة القمع والاعتقالات التي تشنها أجهزة الاستخبارات الإيرانية ضد الصحفيين والناشطين الإعلاميين مع قرب الانتخابات الرئاسية في البلاد، ودعا الاتحاد إلى وقف عمليات ترهيب الصحافيين والناشطين، مؤكدًا أن إيران بدأت موجة جديدة من القمع ضد الصحفيين ووسائل الإعلام، عبر حملة اعتقالات واسعة.

وقال الاتحاد الدولي: «إن ظروف الصحفيين في إيران حاليًا تشبه إلى حد كبير ظروفهم خلال الاحتجاجات التي اندلعت عام 2009 على خلفية ما قيل إنه تزوير بنتائج الانتخابات الرئاسية»، محذرًا من حرب شاملة ضد الصحفيين ووسائل الإعلام مع بدء العد التنازلي للانتخابات المقبلة.

وذلك فيما وجّهت السلطات الإيرانية تحذيرًا شديد اللهجة من مغبة محاولة تكرار أحداث الحركة الخضراء الاحتجاجية التي نفذها إصلاحيون خلال انتخابات عام 2009، وهذا التحذير جاء على لسان مدعي عام العاصمة طهران، عباس جعفري دولت آبادي، الذي قال إن إيران «شهدت قبل سنوات من الآن إقامة انتخابات مغايرة ومختلفة، وكذلك هو الحال في الانتخابات القادمة التي يتوجب أن تقام في أجواء آمنة وتنافسية وصحيحة». وحذّر دولت آبادي من مغبة التحرك في الشارع قائلًا: «إن السلطة القضائية سوف تتعامل قانونيًا مع أي إجراء غير قانوني قد يقوم به المرشحون بعد منحهم الأهلية، أو مسئولو الحملات الدعائية»، مضيفًا أن قوى الأمن كُلفت باتخاذ الإجراءات اللازمة للتعامل مع أي خرق للقوانين خلال المرحلة الانتخابية.

ومن ثم ما يمكن قوله في الختام: وبعد رفض أوراق الكثير من المرشحين من خلال مجلس صيانة الدستور، وأبرزهم الرئيس السابق أحمدي نجاد، مع التحذير من مغبة تكرار الحركة الاحتجاجية لعام 2009، فضلًا عن حالة الانقسام الواضحة في تيار المحافظين، فقد بات الطريق إلى ولاية ثانية ممهدًا إلى حد كبير أمام الرئيس روحاني، ولكن مع عدم استبعاد أي مفاجأة قد تشهدها المراحل الأخيرة للانتخابات، وخصوصًا إذا اتفق المرشحون المحافظون على دعم مرشح بعينه وانسحاب الآخرين لصالحه، ليكون التحدي حقيقيا في مواجهة روحاني.

ولكن في تلك الحالة أيضًا، وفي حال فوز أي من الرموز المحافظة التي اختارها النظام لخوض الانتخابات، فإنها ستعمل هي الأخرى لصالحه، بعد أن حظيت بدعم المرشد الأعلى لخوض الانتخابات، وتم تمرير قبولها من خلال أصوات الناخبين، وفي تلك الحالة لا يتسنى لأنصار التيار الإصلاحي الاعتراض، خصوصًا بعد قبول أوراق مرشحهم روحاني لخوض الانتخابات.