لون عين حبيبتك وقسمات وجهها، تكوُّنك جنينًا في رحم أمك والإنزيمات التي يفرزها كبدك، هذا كمٌ هائل من المعلومات، لكن أين يقع؟ كيف يعرف القلب مكانه؟ وكيف تصبح عينا حبيبتك بُنِّيةً كعيون والديها؟

أظن أنك سمعت عن المادة الوراثية أو الحمض النووي الذي يحمل تلك المعلومات وينقلها من الآباء إلى الذرية، لكن كيف ينبثق من تلك المعلومات بشرٌ مثلي ومثلك؟ فتلك المعلومات كتصميم سيارة تحتاج لآلات تصنِّعها طبقًا له، أو كرواية تحتاج من يخرجها فيلمًا سينمائيًّا. كيف يعمل هذا الجزيء المسمى بالحمض النووي، وكيف ترتدي المعلومات التي يحتويها لباس الوجود في هيئة كائن حي؟

كيف بدأ الأمر؟

ربما لن تجد موضوعًا في تاريخ العلم أمتع من الكيفية التي توصل بها العلماء للحقائق المختلفة التي باتت بديهية الآن، وإن لم تكن كذلك فيما مضى. كان في اعتقاد الأغلبية من علماء الأحياء حتى الثلث الأول من القرن المنصرم أن المادة المسئولة عن نقل الصفات الوراثية من الآباء إلى ذريتهم هي البروتينات لا الحمض النووي، ولكن تغيرت تلك النظرة عام 1944؛ عندما نشر الطبيب «أوزوالد أفري» وزميلاه ورقة بحثية هامة في دورية الطب التجريبي Journal of Experimental Medicine.

أثارت اهتمام أفري تجربة مدهشة قام بها عالم الجراثيم البريطاني «فريدريك جريفث»، فما الذي قام به جريفث؟[1]

حقن الفئران بأنواع مختلفة من البكتيريا المسببة للالتهاب الرئوي، فعند إحضار سلالة مميتة من البكتيريا وحقنها داخل الفأر (الدوائر البرتقالية في الصورة)، مات الفأر كما هو متوقع. وعند قتل تلك السلالة ثم حقنها لم يتأذَّ الفأر (البقع البرتقالية)، وعند حقنه بسلالة حية لكنها غير مميتة لم يتأذَّ أيضًا (أقصى اليسار)، لكن عند حقنه بالسلالتين: المميتة المقتولة والأخرى الحية غير المميتة مات الفأر المسكين (أقصى اليمين)! كيف حدث هذا؟ يوجد احتمالان لا ثالث لهما: فإما أن السلالة المميتة المقتولة بُعثت من الموت وهذا مستحيل! وإما أن صفات السلالة المميتة قد انتقلت للسلالة الحية غير المميتة لتصبح مميتة، وهذا ما حدث! أراد أفري معرفة تلك المادة التي نقلت الصفات المميتة من السلالة الأولى إلى الثانية، فقام بتجربة مع زميلين له نُشرت في دورية الطب التجريبي.[2]

قام أفري وزميلاه بتجربة شبيهة بتجربة جريفث، فقاموا بحقن الفئران بالسلالتين، ولكن لمعرفة المادة المسئولة عن نقل الصفات الوراثية قاموا بتدمير مكونات مختلفة من البكتيريا ثم حقنها داخل الفأر، فإذا مات علموا أن المكون الذي دُمِّر لم يكن هو المسئول عن نقل الصفات المميتة. ودمر فريق العلماء المكونات المختلفة ثم حقن الفئران بالبكتيريا فماتت في جميع الحالات إلا عند تدمير الحمض النووي، فعلموا أن الحمض النووي هو المسئول عن نقل الصفات المميتة، وعند تدميره لم تنتقل تلك الصفات فنجا الفأر سعيد الحظ![3]

تجربة جريفث

الأسفار الست والأربعون

إن قلب وعقل الخلية الحية هو ما يُعرف بالنواة، وتحتوي تلك النواة على الحمض النووي الذي يحتوي على الجينات حاملة الصفات الوراثية. تحتوي الخلية الواحدة في جسمك على حمض نووي يبلغ طوله حوالي مترين! كيف يمكن تكديس خيط يبلغ طوله مترين تقريبًا في خلية لا تُرى بالعين المجردة؟! يلتف ذلك الخيط حول بروتينات تُعرف بالهستونات (Histones)، كما يلتف حبلٌ حول مجموعة من البَكرات، فيتكون ما يُعرف بالكروموسومات أو الصبغيات التي تحتوي على الحمض النووي المتكدس داخل نواة الخلية. يحتوي كل نوع من الكائنات الحية على عدد مميز من الكروموسومات، فللشمبانزي 48 كروموسومًا داخل نوى خلاياه، وللكلب 78 كروموسومًا، ولذبابة الفاكهة 8 كروموسومات. أما نحن فلدينا 46 كروموسومًا في كل خلية من خلايانا.[4]

كل كروموسوم من تلك الكروموسومات هو بمثابة سِفر أو مجلد بحد ذاته والجينات فصوله. بأي لغة كُتبت تلك الفصول وكم عدد حروفها؟ ومن أو بالأحرى ما الذي يترجم تلك اللغة لإنسان يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويقرأ ويكتب ويحب ويكره؟

الكرات الزرقاء هي الهستونات والكروموسوم شكل حرف X

جزيء الحياة

يحمل الحمض النووي أو الـ DNA بين دفتيه لغة الحياة. يشبه الـ DNA درجًا لولبيًّا له مسندان، أو ما نطلق عليه درابزين، ولذلك سمي باللولب المزدوج أو Double Helix، وفي حالة الحمض النووي يكون المسندان هما عمودي الـ DNA الفقريين، ويبرز من كل عمود فقري ما يُعرف بالقواعد النيتروجينية أو النوكليوتيدات (Nucleotide) وترتبط كل نوكليوتيد مع نوكليوتيد من العمود الفقري المقابل مشكِّلتان درجة من درجات ذلك اللولب المزدوج.

هذه النوكليوتيدات هي الأحرف التي خطت بها لغة الحياة، ولتلك اللغة أربعة أحرف هي الأدينين (A) والثيامين (T) والجوانين (G) والسايتوزين (C). كل حرف له حرف يقابله لا يرتبط كيميائيًّا إلا به، فالأدينين لا يألف إلا الثايمين، والجوانين لا يأتنس إلا بالسايتوزين. تلك أحرف لغة الحياة لكن ما هي كلماتها؟ وما معناها؟ ماذا سنجد عند البحث في قاموس تلك اللغة؟[5]

عمودا الـDNA الفقريان باللون الرصاصي ونوكليوتيد الأدينين (الأخضر) يقابله الثايمين (الأحمر) والسيتوزين (الأزرق) يقابله الجوانين (البرتقالي)

للغة الحياة اسمٌ آخر هو الشفرة الوراثية أو الجينية (Genetic Code) والتي تتكون من 64 كلمة أو ما يُعرف بالكودون، وتتكون كل كلمة من ثلاثة أحرف من أصل أربعة كما ذكرنا. كل كلمة يقابلها حمض أميني يدخل في تصنيع جزيء بروتين. إذن فكل جين يتكون من مجموعة من الكلمات أو الكودونات وكل كودون يرمز لحمض أميني، فالكودون CAC يرمز للحمض الأميني الهيستيدين، والكودون CAG يرمز للجلوتامين وهكذا.

نستنتج مما سبق أن كل جين يقوم بإنتاج بروتين، والبروتينات هي المسئولة عن تحديد صفات الكائن الموروثة من الوالدين بالاشتراك مع عوامل أخرى، ومن البروتينات ما يُعرف بالإنزيمات، وهي آلات حيوية مسئولة عن الأنشطة المختلفة داخل الخلية الحية، ومنها ما يشكل وحدات بنائية لجميع خلايا الجسم بالاشتراك مع مركبات أخرى. كيف يُبْنَى البروتين طبقًا للتعليمات الموجودة في الجين تبعًا لذلك القاموس الحيوي؟[6]

رسول الحياة

يوجد الجين على خيط واحد من الخيطين المكونين لجزيء الـ DNA اللذين أطلقنا عليهما عمودي الـ DNA الفقري، والجين مكون من عدد من الكودونات كما ذكرنا. تبدأ عملية تصنيع البروتين بعملية النسخ أو Transcription. الـ DNA هو لوح الخلية المحفوظ، ولذلك يجب أن يبقى مصونًا داخل النواة، ولهذا يُنسَخ الجين المطلوب وتُرسَل تلك النسخة خارج النواة لتصنيع البروتين المنشود.

تفصل مجموعة من الإنزيمات خيطي الـ DNA عن بعضهما البعض، كما تفك سحاب مِعطفك، ثم يصنع إنزيم يطلق عليه بوليميراز RNA Polymerase نسخة من الجين عن طريق ربط النوكليوتيدات بالنوكليوتيدات المقابلة، مُكونًا نوعًا آخر من الأحماض النووية اسمه الـ RNA. أطلق العلماء على هذا الاسم messenger RNA، وهو رسول النواة لمصانع البروتين خارجها.[7]

كيف تُحل شفرة الحياة؟

من منا لم يسمع عن الشفرات اللاسلكية التي تُستخدم لإرسال معلومات عسكرية من قِبل الجواسيس خلف خطوط العدو أو بين الوحدات المختلفة لجيش من الجيوش؟ يقوم أحد الأطراف بتشفير الرسالة وإرسالها للطرف الآخر الذي يقوم بفكها للحصول على الرسالة الأصلية عبر ما يُعرف بمفتاح الشفرة، وإذا اعترض العدو الرسالة المشفرة فلن يستطيع حلَّها؛ لأنه لا يمتلك المفتاح. أشهر مثال على هذا هو آلة التشفير Enigma التي استخدمها جيش ألمانيا النازية في الحرب العالمية الثانية.

يلعب الـ RNA المرسال دورًا مشابهًا لتلك الرسالة المشفرة والطرف المُرسِل هو النواة. عند خروج الـ RNA المرسال من النواة، يجد مصانع البروتينات أو ما يُعرف بالريبوزومات في انتظاره، والتي تعمل كحاضنة تحتوي الـ RNA المرسال.

لدينا الآن الرسالة المشفرة فأين هو مفتاح الشفرة؟

يأتي الآن دور نوع آخر من الـ RNA يُدعى transfer RNA، وهو حامل مفتاح شفرة الحياة. لكل كلمة أو كودون على الـ RNA المرسال RNA ناقل يقابلها، فللكودون (CCC) ناقل يحمل الكودون المقابل وهو GGG والذي يرتبط به أحد الأحماض النووية وهو البرولين. وللكودون التالي RNA ناقل خاص به يرتبط به حمض أميني آخر وهكذا، وعند انتهاء الكودونات نجد لدينا مجموعةً من الأحماض الأمينية التي تشكل جزيء بروتين.[8] يطلق على تلك العملية الترجمة أو translation.

عملية نسخ الجين وعملية ترجمته لبروتين – تصميم: دينا عماد

كلٌّ ميسر لما خُلق له

أحب أن أشير إلى أنه لا يُعبَّر عن جميع الجينات أي ترجمتها إلى بروتينات في الخلية الواحدة، فالجينات التي تُترجَم إلى إنزيمات الكبد مثلًا لا تُتَرجَم في الخلايا العصبية، والجينات المسئولة عن كمية الميلانين الذي يحدد لون قزحية العين لا تعمل في الخلايا العضلية، إذن فعملية التعبير الجيني Gene Expression هي المسئولة عن اختلاف أنواع الخلايا داخل أجسادنا.[9]

تختلف وظيفة البروتين تبعًا لتركيبته الكيميائية وشكله ثلاثي الأبعاد، ولهذا تتفاوت أدوار البروتينات، فمنها الإنزيمات المسئولة عن توليد الطاقة من الغذاء، والهيموجلوبين المسئول عن حمل الأوكسجين وإيصاله إلى خلايا الجسم، والكيراتين الداخل في تكوين شعر الرأس، والناقلات العصبية مثل الدوبامين وهكذا.

إن الحمض النووي هو لوح الحياة المحفوظ، كُتِبت فيه دقائقها وتفاصيلها، وما الحياة إذا أردنا التبسيط إلا تجليًا لما سُطر فيه وللعوامل المشتغلة عليه.

المراجع
  1. Stephen C. Meyer. “Signature in the Cell: DNA and the Evidence for Intelligent Design”. Published by HarperCollins Publishers. Printed in the USA. 2009. P 66.
  2. Ibid., p 66ز
  3. Ibid., pp 66-68.
  4. Bruce Alberts, Alexander Johnson, Julian Lewis, David Morgan & Martin Raff. “Molecular Biology of the Cell”. Published by Garland Science, Taylor & Francis Group. Printed in the USA. 2015. P 180.
  5. Ibid., p 176.
  6. Ibid., p 334.
  7. Ibid., p 302.
  8. Ibid., p 340.
  9. Ibid., p 371.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.