هدف وحيد كان كافيًا لكي يضمن لمانشستر سيتي فوزًا غاليًا على ضيفه تشيلسي، في المباراة التي كانت قمة الجولة الـ29 من الدوري الإنجليزي الممتاز، لكنه لم يكن كافيًا أبدًا لإيضاح كم السيطرة التي نفذها أصحاب الأرض طوال أحداث اللقاء، ولا يكفي ليُبين كم العمل الذي قدمه لاعبو «السيتي» في مواجهة استمر فيها ظهور لاعبي الـ«بلوز» بصورة باهتة تُشير إلى فقدانهم التدريجي لرغبة اللعب من الأساس.

في كل مرة نؤكد أننا اعتدنا على الشكل الجديد الذي يظهر به مانشستر سيتي هذا الموسم، لكننا نكتشف مع كل صافرة نهاية جديدة أننا ما زلنا نتفاجأ بكم السيطرة الذي يُنفذه لاعبوه على أرض الملعب. في كل مباراة نجد رقمًا جديدًا صادمًا يجعلنا نتوقف أمامه للدقائق في انبهار. أتذكر أن العديد كان يتساءل في الحقب الذهبية لبرشلونة تحت ولاية المدير الفني الإسباني، عما يمكن أن يحدث إذا تنافس برشلونة ضمن الدوري الإنجليزي الممتاز، وهل كانوا سيستطيعون فرض كل هذه السيطرة الميدانية واستخدام تقنية التمريرات المكثفة أم لا؟ أعتقد أن ما انقضى من هذا الموسم، وما دار في هذه المباراة بالتحديد قد أجاب عن هذه التساؤلات بإجابات قاطعة.


الشوط الأول: فريق الأحلام لـ«بيب جوارديولا»

تشكيلة مانشستر سيتي وتشيلسي وتقييم اللاعبين. «هوسكورد»

الضيوف قرروا الاستمرار باستراتيجيتهم الحديثة بـ3-4-3 منزوعة رأس الحربة الصريح لمرة جديدة، واستمر دفع «كونتي» بــ«هازاراد» في مقدمة خط الهجوم من أجل الحفاظ على الأجنحة الدفاعية «بيدرو» و«ويليان» على كل طرف. ومضطرًا، قد اختار شراكة خط الوسط بين «درينك ووتر» و«فابريجاس» في ظل غياب مفاجئ لـ«نجولو كانتي» بسبب المرض، الأمر الذي كان كفيلًا بخلع قلوب محبي تشيلسي قبل ضربة البداية حتى. كما احتفظ الثلاثي الدفاعي «أزبيليكوتا» و«كريستنسن» و«روديجير» بأماكنهم في الخط الخلفي مع وجود مستمر لكل من «ألونسو» و«موسيس» وعلى خط المرمى «كورتوا»

في حين استمر اعتماد «بيب جوارديولا» على 4-3-3 معتادة. «جوندوجان» في قلب وسط الملعب كارتكاز صريح بدلًا من «فيرناندينو» المستمرة إصابته، ليكن الضلع الثالث في تركيبة متوسط الميدان رفقة أهم عنصرين في الفريق السماوي: «دي بروني» و«سيلفا». «أوتاميندي» و«لابورت» كقلبي دفاع، «ووكر» و«زينشينكو» ظهير أيمن وأيسر على الترتيب، وخط هجوم مكون من «أجويرو» في القلب وعن يمينه «بيرناردو سيلفا» وعن يساره «ليروي ساني».

بعد دقائق قليلة من المباراة، يمكنك أن تكتشف بسهولة أن «كونتي» قد استحضر نفس النسخة التي واجهت برشلونة في دوري الأبطال، ليس فقط نفس التشكيل ولكن نفس الاستراتيجية. الفارق أنه يفقد رغباته الهجومية شيئًا فشيئًا، فبعد عدد شحيح من التصويبات جاءت عن طريق الصدفة أمام برشلونة، انخفض العدد أكثر أمام مانشستر يونايتد، حتى وصل حد الانعدام أمام مانشستر سيتي.

اكتفى الفريق بـ3 تصويبات فقط كانوا خارج حدود الـ3 خشبات. تلك الاستراتيجية السيئة تُسهّل عمل أي فريق هجومي يواجه أبناء العاصمة. لأنه في الغالب يملك كل فريق هجومي ثغرة ما تتضح فقط عندما يقرر الخصم مباغتته، لكن في ظل ارتكان كافة العناصر في منطقة الجزاء تُصبح المهمة أسهل مما يمكن توقعه.

أماكن تصويبات تشيلسي خلال المباراة. «سكاوكا»

بالنظر للتشكيل من البداية وقبل حتى الخوض في التفاصيل، يجب أن تُدرك أن وسط ملعب مثل الذي يفضله «أنطونيو» هو المفضل بالنسبة لوسط الملعب الذي ينتهجه «بيب». ثنائي ارتكاز متموقعين بشكلٍ مسطح، يعني وجود عنصر حر في تركيبة المحور الخاصة بالـ«سيتيزنس». ومع القرار الدفاعي الذي اختاروه الضيوف من البداية، سيتواجد 5 لاعبين في خط الدفاع، أي أن الرسم الخططي يتحول إلى 5-4-1. وفي ظل بناء اللعب من وسط الملعب من قبل أصحاب الأرض، يُصبح هناك لاعبان اثنان في دفاع تشيلسي بلا أي وظيفة تُذكر سوى إرباك خط الدفاع بالمساحات البينية التي تترك بينهم.

متوسط تمركز لاعبي الفريقين. «هوسكورد»

المؤكد أن آخر شيء يمكن أن تتمناه في مواجهة مانشستر سيتي، هو أن تظل في مناطقك في انتظار القدر يأتي بأرجل لاعبي «بيب». وللأسف، هذا هو ما قام به تشيلسي. حالة وحيدة التي نجح فيها لاعبو الإيطالي بقطع الكرة من مناطق المواطنين دون خطأ، في حين كانت باقي الحالات، مع وجود فشل فيها حتى، تقع في وسط ملعبهم. الأدهى أنه من بعد القطع يجد لاعبو «كونتي» أنفسهم بلا حلول في الحالة الهجومية فتكون النتيجة خسارة الكرة والعودة لانتظار القدر من جديد.

أماكن قطع الكرات من لاعبي تشيلسي، شبه انعدام في وسط ملعب السيتي. «سكاوكا»

الشوط الثاني: الاسم: مانشستر سيتي، المهنة: برشلونة

الخريطة الحرارية لتحرك ساني ودافيد سيلفا وفيكتور موسيس. «سكاوكا»

لمرة جديدة يتفق «جوارديولا» و«مورينيو» على نفس العمل التكتيكي. كل المدربين الذين تمكنوا من فرض سيطرة تنتهي بأهداف ومن ثم فوز على الأداء الدفاعي لتشيلسي، اختاروا العمل من على الأطراف الدفاعية للـ«بلوز»، لكن تحديدًا «سبيشال وان» و«بيب» يختارا الطرف الأيمن على وجه الخصوص. يتفق كلاهما على أن المسافة ما بين الظهير المهاجم، «موسيس»، وبين قلب الدفاع، تسمح ببناء اللعب وبأريحية تامة. وفي ظل غياب لـ«كانتي» عن وسط الملعب فالمؤكد أن الأمور ستكون أكثر سهولة.

في المباراة الأخيرة تمكن «جوزيه» من خطف فوز غال في «أولد ترافورد» بهدفين لهدف وحيد. وقتها كان بناء اللعب يتركز على «بوجبا» من المساحة المذكورة، لحين تحرك «سانشيز» ومن بعده «لينجارد» على الطرف الثاني من الملعب أو في القلب. وفي هذه المباراة اختار «بيب» ثنائية «سيلفا» و«ساني» من أجل الإزعاج من ذات المنطقة وتركز بناء اللعب منها طوال أحداث المباراة. الجملة المحفوظة تكررت، اللعب يتجمع عند الطرف الأيمن بالتالي جذب جزء أكبر من كتلة تشيلسي الدفاعية لتلك النقطة، مما يُفرغ مساحة أكبر لصالح الجزء الهجومي المعاكس من مانشستر سيتي المتواجد بها «بيرناردو» وهي المساحة التي تسجل منها الهدف الوحيد.

اللقطة التي سجل منها بيرناردو سيلفا هدف اللقاء الوحيد

بعد هذا الهدف تتعاظم قيمة السؤال الذي يُطرح طوال المباراة، ماذا ينتظر «كونتي» حتى يُغير ما يجري على أرض الملعب؟ المفترض أن مانشستر سيتي متصدر الترتيب بفارق مُريح جدًا، بالتالي الخسارة أو التعادل لن يُعطلا من مسيرتهم نحو اللقب الذي يعتبره الكثيرون في أحضانهم منذ فترات بعيدة، لكن ماذا ينتظر جانب تشيلسي حتى يتحرك للحفاظ على فرصة اللعب في دوري الأبطال للموسم المقبل؟

صحيح أن السيتي تمكن من تحقيق رقم قياسي في عدد التمريرات بأكتر من 900 تمريرة صحيحة مكتملة خلال 90 دقيقة، وهو ما يُحتم علينا إعطاءهم حقهم الكامل، لكن الـ«بلوز» قد ساعدوا في ذلك بل كان لهم نصيب الأسد فيه. التقهقر والتراجع غير المبرران حتى بعد الهدف يُعدان تصريحًا ضمنيًا لأصحاب الأرض من أجل تناقل الكرة بلا أي ضغط أو طموح في ضغط أو حتى نية فيه.


هل يتحرك برشلونة لضم ليروي ساني؟

مانشستر سيتي, تشيلسي, بيب جوارديولا, أنطونيو كونتي, الدوري الإنجليزي الممتاز,

الصورة التي شاهدناها خلال أحداث هذا اللقاء، والذي سبقه، والذي سبقه أيضًا، تؤكد أنها ستستمر خلال مواجهة برشلونة المقبلة في دوري أبطال أوروبا: المباراة التي يمكن أن تُنسف البقية القليلة المتبقية في موسم تشيلسي. إقصاء الـ«بلوجرانا» حتى لو لم يُتبع بحمل اللقب الأوروبي سيُعد إنجازًا يُشكر للمدير الفني الإيطالي.

الكتلان لم يُظهروا حسن تعامل ضد النسخة الدفاعية المطلقة من الجانب الإنجليزي في المواجهة الأخيرة،التي انتهت بالتعادل الإيجابي بهدفٍ لهدف، بل كانوا أقرب للخسارة لولا الخطأ الذي تسبب في الهدف الوحيد الذي سجلوه. فحتى في ظل غياب شبه كامل لأبناء «أنطونيو» عن الجانب الهجومي، كان هناك غياب واضح للفرص من قبل رجال «فالفيردي». السبب الظاهري في ذلك هو افتقار برشلونة لتنوع الحلول، فعدا «ميسي» والعمل الذي يقوم به في صناعة اللعب من قلب الملعب، يظل الفريق في حالة بائسة للغاية.

وإن جاز التعبير، فيمكن القول إن الألماني «ليوري ساني» قد قدم إلى «ليو» ورفاقه الحل الأمثل لمواجهة الدفاع المتكتل عند تشيلسي: المراوغة.

أماكن المراوغات التي قام بها الألماني ليوري ساني، المصدر: www.squawka.com

نجح الألماني الشاب في 8 من 9 مراوغات قام بها خلال 90 دقيقة لعبها ضد التكتل الدفاعي لـ«بلوز». أخطأ التمرير في خمس مرات فقط وبدقة وصلت إلى 86%. صنع فرصتين للتسجيل وسدد 5 مرات على مرمى الحارس «كورتوا». حصل «ساني» على تقييم 7.9 من موقع «هوسكورد»، كثاني أفضل لاعب في المباراة بعد الأسباني «سيلفا».

كل الأرقام تُشير إلى أن «ليوري ساني» يقدم موسمًا من أفضل ما يُمكن يجعله الآن أحد أفضل الأجنحة على مستوى العالم، وفي ظل خسارة برشلونة لـ«نيمار» والإصابات الدائمة لـ«عثمان ديمبلي»، يمكن التوقع بأن «ليوري» سيكون أحد العناصر التي سيرغب فيها إدارة الـ«بلوجرانا» من الموسم المقبل، لكن الأهم الآن هو ضمان وجود لاعب مهاري على أحد أطراف الملعب في مواجهة الإياب المقبلة، ليُسبب ذات الأرق الذي قدمه الألماني في لقاء اليوم.