في الواقع، يعطي الفيلم انطباعًا أن الكرة الذهبية تعني له أكثر من ميداليتي دوري أبطال أوروبا. هذا أمر محزن إلى حد ما، لكنه يعني أكثر من ذلك. بكل بساطة، جائزة الكرة الذهبية ليست تافهة، ولكنها خادعة. الجوائز الفردية ليست مجرد كرات صغيرة لا طائل من ورائها، بل إنها ضارة بكرة القدم الجيدة.
من مقال جوناثان ويلسون ل «Bleacher Report» في ديسمبر/ كانون الأول 2015، متحدثًا عن فيلم كريستيانو رونالدو.

لنكن منصفين، على الرغم من أن «جوناثان ويلسون» واحد من أهم الصحفيين الرياضيين حول العالم، لكنه معروف بحبه لميسي وجوارديولا وبالتالي ليس منطقيًا أن ننتظر منه أية مشاعر رقيقة تجاه رونالدو، لذا سنتولى بأنفسنا مهمة تعميم الصورة.

في عام 2018، لم يحضر الثنائي ميسي وكريستيانو حفل الكرة الذهبية عندما علما بفوز مودريتش. وفي عام 2019، كرر رونالدو فعلته عندما أدرك خسارته السباق لصالح ميسي وفان دايك. وعليه، يمكن القول إن الثنائي المصنف ضمن الأفضل في تاريخ كل الرياضات بات ينتظر هذه اللحظة من كل عام ليتناسى عمدًا أهم مبادئ الرياضة، تقبل الخسارة واحترام الفائز.

أي محاولة لتجميل تلك الصورة فهي محاولة بائسة تحركها عاطفتك تجاه نجمك المفضل، يترتب عليها محاولة أكثر بؤسًا للتلاعب بالألفاظ وخلط المفاهيم.

لذلك كان «جوناثان» محقًا في وصف الكرة الذهبية بالسامة «Toxic»، ليس فقط من خلال ردود الأفعال السلبية تجاه نتائجها، ولكن بتحويلها الجميع إلى مجموعات على استعداد للخضوع لكافة المعايير ما عدا الإنصاف.

لقطة تسليم مودريتش الكرة الذهبية لميسي، وهي لقطة لم يفعلها ميسي ولا رونالدو.

خريطة التحالفات

المجموعات أو بالأحرى التكتلات لا تقتصر على جيوش المشجعين على فيسبوك فقط، لكنها تشمل اللاعبين، والمدربين، والصحفيين وتحديدًا هؤلاء الذين يحق لهم اختيار الأفضل. فصراع ميسي وكريستيانو التاريخي كان كفيلاً بتقسيم خريطة العالم وكأنها الحرب العالمية الثانية؛ قوات الحلفاء، ضد دول المحور.

ووفقًا لهذه النظرية، تتبع «عمر شودري» رئيس قسم «Football Intelligence» بشركة «21st Club» عملية التصويت في جائزة الفيفا للاعب الأفضل (بما في ذلك سنوات الدمج مع الكرة الذهبية) من عام 2010 حتى 2019. بشكل عام، منح المصوتون الأفضلية لميسي في 45% من الأصوات، بينما تفوق كريستيانو في 43%. وكان عام 2013 هو الأكثر احتدامًا، حين تفوق رونالدو على ميسي في 48% من الأصوات، واكتفى ميسي بـ44%. أما بقية الأعوام، فكان يتفوق أحدهما على الآخر بفارق ملحوظ.

عند محاولة تتبع الأصوات مجمعة، سنجد أن قارة أمريكا الجنوبية تدين بالولاء لابنها «ليونيل» بمنحه الأفضلية في 63% من الأصوات على مدار العشر سنوات، تليها أمريكا الشمالية بـ 50%. وعلى الجانب الآخر، لم يحظَ رونالدو بتأييد قارة أوروبا، لتنقسم الأصوات بينهما ليحصل كل منهما على الأفضلية بنسبة 43%.

 

بالنظر إلى الدول منفردة، فسنجد نفس النمط. دول كإيطاليا، إنجلترا، مصر، غينيا بيساو (وضعت رونالدو فوق ميسي في 90% من إجمالي أصواتها)، كاب فيردي (83%)، جامبيا (71%) وغيرها تنحاز لرونالدو. في حين دول كأوروجواي (68%)، الباهامز (76%)، تركمنستان (73%)، أوزباكستان، أندورا، باراجواي، الجزائر (65%)، بيرو، بورتريكو، وغيرها تنحاز لميسي.

ونتيجة لهذه التكتلات، تم إحباط أي محاولة جادة من أي لاعب آخر لزحزحة هذا الثنائي، والأهم من ذلك أنها زادت عملية التصويت غموضًا، لأن لا أحد يستطيع توقع المعايير التي تحكم هذا النمط.

بمَ تفسر؟

يمكننا البدء بتفسير الاختيارات في الدوائر القريبة، والتي تخضع لمبدأين لا ثالث لهما: إما مبدأ «صاحب صاحبه» أو مبدأ «كل واحد حر في رأيه». لنبدأ بالأخير، حيث يعد مدرب المنتخب الألماني «يواكيم لوف» أبرز مستخدميه. فلم يضع رونالدو أبدًا في اختياراته الثلاثة الأولى طوال عشر سنوات كاملة «2010 : 2019»، فيما اكتفى بوضع ميسي مرتين فقط في عامي 2010، و2011.

يليه الصحفي الأرجنتيني المخضرم «ماكايا ماركيز هينريكي»، والذي قرر وضع مواطنه ميسي في المركز الثالث عام 2018، خلف جريزمان وفاران، اللذين أخرجا منتخب بلاده من كأس العالم. ولم يتوقف تجرده من الوطنية عند هذا الحد، بل إنه يرى ميسي – ابن بلده – أقل من بيليه ودي سيتفانو وكرويف ومارادونا لأنه يفتقر للقيادة.

وفي حالة مشابهة سار الصحفي المصري «هاني دانيال» على نفس الدرب في عام 2019 ووضع مواطنه محمد صلاح ثالثًا بعد ساديو ماني وكريستيانو رونالدو. وبناءً على ذلك، كان هذا العنوان من موقع يالاكورة «جائزة «ذا بيست».. ممثلو الميديا اختاروا «ولاد بلدهم» باستثناء الصحفي المصري». واتهم هاني بعدم الوطنية، ثم تطور الأمر للبحث خلف الديانة، وإلى آخره من الكليشيهات السخيفة.

أما مبدأ «صاحب صاحبه» فهو الأكثر ظهورًا، بفعل الشفافية المطلقة بعملية التصويت، والتي تكشف تفاصيل كل اختيار. وهنا تظهر أهمية العلاقات والتربيطات، إما مدفوعة بالعلاقات السياسية بين بعض الدول، أو بعلاقات اللاعبين ببعضهم البعض. على سبيل المثال، حصول رونالدو على العلامة الكاملة من تصويت كابتن منتخب إسبانيا، لأنه بالطبع كان أحد زملائه في ريال مدريد؛ راموس أو كاسياس.

نفس المبدأ يمكن تطبيقه على لاعبي أندية أخرى وعلى الجماهير أيضًا، لأنه يمثل شعورهم تجاه ناديهم ونجمهم المفضل، وعليه يتحتم عليهم مساندته دائمًا حتى لو تطلب الأمر المطالبة بمنحه مركزًا لا يستحقه.

أما بقية الأصوات، فتتكفل بتوجيهها بعض الحملات الإعلانية، مع بعض القناعات الشخصية التي يمكن إدراجها أيضًا تحت بند «كل واحد حر في رأيه»، حيث تختلف القناعات الشخصية للتقييم، ومعها يبحث كل شخص عن شيء مختلف، أفضل أداء فردي في المطلق، أم أكثر لاعب مؤثر في فريق فائز؟ وبما أنه لا يوجد طريقة موحدة لحساب استحقاق البطولات أو تأثير كل لاعب حسب مركزه، فإن الجوائز الفردية قد نجحت بإلحاق الضرر.

نظرية «O-Ring»

يبدأ الضرر بالتأثير على علاقات اللاعبين ببعضهم البعض داخل الفريق الواحد نظرًا لتعدد الأهداف، حيث ينسل الهدف الفرعي الخاص بفرد واحد لمزاحمة الهدف الجماعي الأساسي الذي يوحد الجميع داخل المنظومة. وقد أكد «أرسين فينجر» مدرب أرسنال السابق ذلك في عام 2015، برفضه التام لمضمون الجوائز الفردية، باعتبارها تؤثر سلبًا على جماعية اللعبة.

تهميش أفضل لاعب بالدوري الإنجليزي جاريث بيل في ريال مدريد لصالح كريستيانو، خلاف صلاح وماني، وغيرها من الحالات التي قد تظهر مستقبلاً إذا اجتمع في مكان واحد أكثر من متنافس على نفس الجائزة.

وبعيدًا عن علاقات اللاعبين، فإن الجوائز الفردية جعلت الجماهير تنظر إلى كرة القدم وكأنها لعبة فردية، يُنسب الفوز فيها للاعب الأفضل فقط مع تهميش البقية. قدم موقع «four four two» نظرية أخرى تستحق النظر، قائمة على نظرية اقتصادية تسمى «O-ring Theory».

وتعني هذه النظرية أن نجاح المؤسسة يمكن تحديده بشكل أدق من خلال أداء العنصر الأضعف. شرح الاسم قد يوضح لك أكثر، حيث يشير إلى كارثة المكوك Challenger» 1986» والتي قُتل فيها أفراد الطاقم السبعة في مدار مكوك الفضاء التابع لناسا عندما انفجرت المركبة خلال 73 ثانية في رحلتها. سبب المأساة؟ حلقة دائرية يقل قطرها عن نصف بوصة تسمى «O-ring».

طبق «four four two» هذه النظرية على موسم ليستر سيتي التاريخي 2015/2016، مستعينًا بنموذج إحصائي يسمى «Anderson Sally Meta-Scout» لتحليل بيانات اللاعبين وتصنيف كل منهم وفقًا لمركزه. رقم +0.5 يعني جيد، +1 نجم، +2 سوبر، -0.5 مشكلة، -1 مشكلة تستدعى أن يستبدله المدرب بأحد ولو من فريق الشباب. يتم تقييم الـ11 لاعبًا الأساسيين، وتحديد العنصرين الأقوى والأضعف. وخلص التحليل إلى أن الـ 3 فرق التي احتلت المقدمة امتلكت عناصر ضعيفة فوق المتوسط.

استعان الموقع بتصريحات دييجو سيميوني مدرب أتلتيكو مدريد، والذي يؤمن بشدة أن كرة القدم هي لعبة أخطاء، كلما أخطأت أقل، اقتربت من الفوز. وبالتالي أصبح السؤال أكثر منطقية: هل يفوز فريقك لأنه امتلك اللاعب الأفضل، أم لأنه امتلك أفضل أسوأ لاعب «best worst player»؟

بالطبع، علينا استبعاد ميسي أولاً لأنه قادر على دحض هذه النظرية بامتياز، وبعدها نفكر في الإجابة. مجرد التفكير هو محاولة لإعادة الأمور لنصابها، ليس بتقديم بديل متناقض للجوائز الفردية، ولكن بتذكير الجميع بجماعية اللعبة، وأن كل محاولة للبحث عن الأكثر تأثيرًا – من وجهة نظر صاحبها – هي محاولة لبخس مجهود لاعب آخر. ومن يعلم؟ لو كانت معايير الاختيار أكثر إنصافًا وموضوعية، لما كنت تقرأ هذه السطور من الأساس.