إن الالتزام الأعمى بالنظرية ليس فضيلة فكرية، إنما هو جريمة فكرية.

إمري لاكاتوش

يمكن القول إن فلسفة العلم عند المجري إمري لاكاتوش Imre Lakatos تقف في منتصف الطريق بين «نظريات» كارل بوبر وآلياته المعيارية Normative و«نماذج» توماس كون الإرشادية وآلياته الوصفية Descriptive، بحيث تجمع بين عقلانية المنهجية العلمية واستمرارها على مدى تاريخ العلم فتضعها في مركز العملية العلمية مرة أخرى من جهة، وبين الحاجة لبرنامج بحث أكثر عمومية تنطلق منها النظريات العلمية من جهة أخرى.

فرغم أن لاكاتوش يتفق مع توماس كون حول دور مجتمع العلماء في تحديد مسيرة العلم فإنه يختلف معه حول درجة هذا الدور.


برامج البحث

يتمركز مشروع لاكاتوش الفلسفي حول اصطلاح «برامج البحث Research Programs»، وهي تشبه الباراديجمات –النماذج الإرشادية– التي تتضمها فلسفة توماس كون بدرجة ما. فهي مجموعة من العناصر الأساسية التي يعتمد عليها العلماء في أثناء وضع نظرياتهم، تلك الأفكار الموجودة في المراجع ويستخدمها الباحثون دون الحاجه إلى مُراجعة، والتي تتغير من فترة لأخرى بعد تراكم حالات الشذوذ غير المحلولة.

يبدأ الاختلاف بين وجهتي نظر كون ولاكاتوش في تكوين برنامج البحث نفسه، حيث إنه من وجهة نظر لاكاتوش يتكون برنامج البحث من جزأين: نواة صلبة Core من المعتقدات والأفكار السائدة أو البديهيات والتي لا مجال لانتقادها أو الخروج عليها أو إخضاعها للتكذيب، وحزام واقي periphery من النظريات التي تتلقى الانتقادات لتمنعها من الوصول للنواة الصلبة. يشبه الأمر أن يقوم العلماء بوضع عساكر الشطرنج – النظريات والفروض – حول الملك لحمايته، فالمساس به هو مساس باللعبة ككل، ببرنامج البحث ككل.

أحد الأمثلة هنا هو برنامج البحث التطوري مثلا،فنظرية التطور تقوم على مبدأ «السلف المشترك»، حول ذلك المركز تنشأ عدة آليات لحمايته، كالانتخاب الطبيعي مثلا، وراثة الجماعات، الانتواع، التطبيقات المندلية، التطور النمائي، تدفع جميعها ضد أي خروج على الفكرة المركزية التي تقول بوجود سلف مشترك لكل كائن حي. هنا يبذل العلماء جهودهم للعب حول تلك الفروض التي تقع في الحزام الواقي، دعمها بفروض جديدة بحيث تتلقى هي الضربات النقدية بدلا من المركز.

يقسم لاكاتوش قواعد برنامج البحث المنهجية إلى نوعين من الموجّهات المساعدة على الكشف، موجه سلبي Negative heuristic يحمي المركز الصلب ويوجه طريق الانتقادات فقط ناحية الحزام الواقي، وآخر إيجابي يقوم على مجموعة من التوجيهات والاقتراحات التي تساعد على تطوير الحزام الواقي والتي تزود النواة الصلبة بفروض إضافية تدعمها.

لتحقيق فهم أفضل لأفكار لاكاتوش دعنا ندرس برنامج البحث الأرسطي في علم الكون من وجهة نظر بوبر، كون، لاكاتوش. يقوم هذا البرنامج في نواته الصلبة على أفكار ثلاثة:

  • الأرض لا تتحرك
  • الشمس تدور حول الأرض
  • كل حركات الشمس، النجوم، الكواكب دائرية

يتعارض مع صحة تلك الأفكار مجموعة من الظواهر التي يمكن رصدها، وهي الحركة التراجعية للكواكب، وتغير مسافات الكواكب بين بعضها البعض وسرعاتها في السماء ليلًا. بالنسبة لوجهة نظر توماس كون فإن تلك الظواهر التي يتم رصدها تمثل حالات من الشذوذ Anomalies غير محلولة، والتي سوف تؤدي بهذا النموذج الإرشادي إلى مرحلة الأزمة/الكرثة Crisis، والتي بدورها ستقود لثورة تنقل العلم من نموذج إرشادي لآخر جديد.

في المقابل سوف يرى بوبر أن رصد تلك الظواهر الثلاثة هو تجارب تكذيبية لتلك المسلمات الأرسطية، وبالتالي تحتم أن تزح المسلمات فورا من الطريق. لكن ما حدث بالفعل هو أن تلك المجموعة من الأفكار الأرسطية الأساسية لم تنهر أمام تلك الظواهر على مدى ألفي سنة وأكثر، وهنا يفسر إمري لاكاتوش ذلك بأن ما حدث هو أنه تمت حماية هذا المركز الأرسطي الصلب بحزام واقي من مجموعة أفكار، وهي:

  • اللامركزية Eccentrics: بحيث تقع الأرض بداخل الدائرة لكن ليس في مركزها
  • أفلاك التدوير Epicycles: وهو القول أن بعض الأجرام بينما تدور حول الأرض، فهي أيضًا تدور في دوائر أصغر خاصة بها
  • مُعدِّل المسار Equants: حل هذا المفهوم مشكلة حساب الحركة غير القياسية للكواكب

تمكنت تلك الفروض المضافة Ad-hoc عبر تلقي النقد بدلا من النواة وعبر التطوير، على حد سواء، من العمل كحزام واقٍ في مقابل الإبقاء على النواة دون مساس. برنامج البحث بجزأيه (نواة صلبة + حزام واقٍ) إذن هو ما يفسر الظواهر بشكل أفضل من طريقتي بوبر وكون.

يرى لاكاتوش أن هناك عددا غير نهائي من حالات الشذوذ يمكن أن يظهر كلما دققنا النظر في برنامج البحث القائم، ويرى أنه لا مشكلة من أن تتكيف الأجزاء المكونة للحزام الواقي مع تلك الحالات، ثم يُلقي لاكاتوش إلى طاولة النقاش الفلسفي بفكرة أخرى ثقيلة تختلف مع بديهياتنا عن النظرية العلمية، فيقول إن المشكلة ليست في مناسبة النظرية مع البيانات، فكل نظرية – بسبب ما سبق أن عرضناه – لها درجة ما من درجة عدم الاتفاق مع البيانات، وما يحدث حينما نقول إن برنامج بحث ما «فشل» أو «نجح» قد يكون فقط ذا علاقة بمجتمع العلماء القائم وتركيزهم على استخراج حالات شذوذ من برنامج محدد دون غيره.

لكن حينما نسأل عن نقطة الفصل الحقيقية بين برامج البحث، يجيب لاكاتوش أنها قدرتها على التنبؤ.


متى تنتصر النظرية؟

فلسفة العلم عند إمري لاكاتوش

يضيف لاكاتوش إلى نواة البرنامج الصلبة شرط آخر هام لاستمراريته، وهو وجوب أن يمتلك القدرة المستمرة على وضع تنبؤات مستقبلية خاصة به يمكن تأكيدها بالتجربة أو الرصد. فإذا كان برنامج البحث قادرا على وضع تنبؤات جديجة واضحة فهو متقدمًا progressive problem shift أما إذا كان وضع الفروض الإضافية للحزام الواقي يقلل من قدرة البرنامج على وضع تنبؤات مستقبلية واضحة فيمكن القول هنا أن البرنامج البحثي يتراجع regressive problem shift. في هذه الحالة يتجهز برنامج البحث القائم للرحيل ويحل مكانه آخر نشأ منه، وهو ما أدى في النهاية إلى دخول النموذج الكوبرنيقي مكان الأرسطي حينما تراجع الآخير عن وضع تنبؤات جديدة واضحة.

تلك إذن نقطة انفصال واضحة للاكاتوش عن كون، فهو يرى أن الانتقال من برنامج بحث لآخر لا يتم عبر آليات عشوائية غير ذات علاقة بالعلم نفسه، ولكن مجتمع العلماء. لكنه يصر على أن العلم ينمو بشكل عقلاني عبر برامج البحث التي تزيح بعضها البعض لأنها أكثر قدرة على وضع تنبؤات جديدة واضحة من غيرها المتراجعة، نقاط التحول في تاريخ العلم عند لاكاتوش إذا هي نقاط عقلانية.

ينقلنا ذلك إلى نقطة مهمة تتعلق بالمشكلة الأساسية في فلسفة العلم، وهي الفصل بين ما هو علمي وما هو غير علمي Demarcation Problem، ليقول إن برنامج البحث يبدأ يافعا محملًا بالعديد من التنبؤات الواضحة، لكنه مع الوقت قد يتراجع ليتوقف عن إعطاء توقعات جديدة، هنا يقول لاكاتوش أن برنامج البحث الذي يتوقف عن إعطاء توقعات جديدة واضحة لم يعد علميًا Pseudoscience.

يضيف لاكاتوش هنا أن البرامج التقدمية تُفضل عقلانيا على البرامج المتراجعة، لكن برنامج البحث لا يُزاح فور أن يبدأ بالتراجع فقد يتعافى لسبب أو لآخر. كذلك يقول –على عكس كون- إنه يمكن لعدد من برامج البحث أن تتواجد معا في نفس الفترة دون مشكلات، نلاحظ هنا أن ما يريده لاكاتوش هو أن يقول إن الأمور ليست بالبساطة التي يعرضها كارل بوبر أو حتى توماس كون، فهناك دائما حالة من الجدل، التوتر، الأمور غير المتوقعة في خط سير العلمليات.

يفتح ذلك الباب لنقاش مشكلة أخرى، حيث يرى لاكاتوش أنه لا يوجد هناك ما يمكن أن نسميه «عقلانية لحظية»، ما يعني أنه لا يمكن لنا قياس عقلانية، تقدم، برنامج بحث ما بنظرة واحدة الآن. فلا يمكن لنا اليوم أن نحدد خط سير برامج البحث القائمة كنظرية الأوتار مثلًا، ولا يمكن لنا بشكل آني تحديد إن كان ما يحدث الآن في المعامل هو خاطئ أم صحيح. لاكاتوش إذن لا يعطي نصائح عملية للعلماء لكنه يتخذ طريقا له علاقة بتاريخ العلم.

إن مهمة فيلسوف العلم عند لاكاتوش هي أن يهتم فقط بإعادة بناء تاريخ العلم بشكل عقلاني، لذلك يدور اهتمام لاكاتوش حول ثلاثة موضوعات أساسية تتعلق بتلك الفكرة:

  • فلسفة العلم تزودنا بمنهج معياري، قواعد تؤدي بنا إلى حلول مقترحة للمشكلات العلمية، المنهج الذي بدوره يساعد المؤرخ في أن يعيد بناء التاريخ الداخلي للعلم كتفسير عقلاني لنمو المعرفة الموضوعية في تاريخه.
  • بمساعدة هذا التاريخ المفسر بصورة معيارية يمكن لنا تقييم برامج البحث أيها متقدم و أيها متراجع/متدهور.
  • يتطلب ذلك كله أن يتزود العالِم بالتاريخ الخارجي للعلم، وهو التاريخ الذي يمثل الجانب السوسيو سايكولوجي (الاجتماعي النفسي).

يميز لاكاتوش إذن بين تاريخين للعلم إذن، داخلي يتعلق بما يسميه «الشروط الضرورية لنشأة العلم»، وخارجي يتعلق بالظروف الخارجية -سوسيولوجيا العلم- التي تؤثر في نشأة العلم وتطوره. تستند العقلانية العلمية عند لاكاتوش على تاريخ العلم لكنها تعطي القيادة التاريخ الداخلي له، فإذا لم يتلاءم برنامج بحث ما مع الممارسة الفعلية للعلم، أن يتقدم بوضع تنبؤات جديدة واضحة، فإنه يتم رفضه أو تعديله.

يطارد إمري لاكاتوش – مثل أستاذه بوبر – العقلانية من جديد عبر تاريخ العلم، ويحاول أن يجد حلولا لمشكلات النموذج البوبري بتوفيقها جزئيا مع نموذج توماس كون واضعا نظرية عن المنهجية/الميثودودلوجيا العلمية في قلب مشروعه. لكنه يتخذ من الوعي بتاريخ العلم نبراسا وحيدا ليؤكد أن «فلسفة علم دون تاريخ علم خواء، وتاريخ علم دون فلسفة عماء».

المراجع
  1. فلسفة العلم في القرن العشرينن – يمنى طريف الخولي
  2. العقلانية العلمية، دراسة نقدية – خالد قطب
  3. إمري لاكاتوش – موسوعة ستانفورد الفلسفية