لنقم بإنشاء مناطق آمنة في سوريا؛ بغية إيقاف تدفق اللاجئين إلى أوروبا والولايات المتحدة، وعلينا أن نجعل دول الخليج تدفع ثمنها، فهم يملكون أموالاً طائلة، ولا يفعلون شيئًا، وتلك هي منطقتهم، لذا علينا أن نجعلهم يدفعوا من أجل ذلك.

يبدو أن هذه الكلمات التي قالها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال إحدى حملاته الانتخابية في يونيو/حزيران 2016 قد تتحقق، على الرغم من الصعوبات التي تحيط بهذه المسـألة القديمة المتجددة.


التحول الأمريكي

http://gty.im/465788664

بدايةً توجد حقائق ثابتة حول المنطقة الآمنة، وهي أنها تُفرض بقرار من مجلس الأمن الدولي لحماية مجموعة لا تستطيع حماية نفسها، ويتم تكليف دول معينة بتنفيذ هذا القرار، كما يُمنع تحليق أي طائرات عسكرية حول هذا المكان، وتهدف المناطق الآمنة إلى توفير التدخل الإنساني.

طرح ترامب إقامة مناطق آمنة للسوريين مرارًا خلال حملته الانتخابية، وعاد الآن ليكرر نفس التصريحات،فأعلن، في 25 يناير/كانون الثاني الماضي، أنه سيقيم مناطق آمنة في سوريا لحماية الأشخاص الفارين من العنف، وقال في مقابلة أجرتها معه قناة ABC: «أعتقد أن أوروبا ارتكبت خطأً جسيمًا بالسماح لهؤلاء الملايين من الأشخاص بدخول ألمانيا وعدة دول أوروبية أخرى».

وتنكشف رغبة ترامب في إقامة المنطقة الآمنة أنه يهدف إلى الحد من وصول اللاجئين إلى بلاده أو دول أوروبا، وبالتالي ينظر إلى المنطقة الآمنة على أنها ستمنع الشر والإرهاب عن بلاده، وليس الهدف من إنشائها حماية السوريين من أعمال القتل، وإنما إبعادهم عن بلاده.

واستغل ترامب التغيرات العسكرية الأخيرة التي أحدثتها روسيا على الأرض، ويسعى الآن لفرض التقسيم كأمر واقع من خلال المنطقة الآمنة، وبالتالي إنهاء الأزمة المستمرة لأن الولايات المتحدة فشلت منذ سنوات في حسم الأمر لصالحها، وبعد التدخل الروسي من المستحيل أن توجه إدارة ترامب الأمور لصالحها فليس أمامها سوى التوافق مع روسيا ومن ورائها القوى الإقليمية.

وأظهر مؤتمر أستانة الأخير، والذي ضمنته روسيا وتركيا وإيران، أن موسكو أصبحت ذات النفوذ الأكبر في سوريا سواء في الضغط على القوى الإقليمية للقبول برؤيتها أو الضغط على فصائل المعارضة والنظام وإجبارهم على الدخول في مفاوضات مباشرة، ولم تشارك الولايات المتحدة في هذا المؤتمر رغم ترحيبها بنتائجه.

ويوجد سبب آخر قد يدفع ترامب ليعجل بالمنطقة الآمنة وهو إصداره مؤخرًا لقرار يحظر دخول مواطني 7 بلدان مسلمة إلى الأراضي الأمريكية، إلى جانب وقف طلبات اللجوء لمدة 4 أشهر، أما اللاجئون السوريون أبقاهم لحين إشعار آخر، وبسبب دخوله في سجال مع القضاء الأمريكي واحتمالية إلغاء هذا القرار فإنه قد يسرع في إنشاء المنطقة الآمنة كحل بديل.


ترامب يتحاشى الغضب التركي

الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» (يمين)، والرئيس التركي «رجب طيب أردوغان»

لإقامة المنطقة الآمنة ترامب بحاجة إلى تمويل، وقوات على الأرض، وقواعد عسكرية. أما فيما يخص عملية التمويل فإنه سيلجأ لدول الخليج في هذا الأمر، أما القوات على الأرض فستسبب له مشكلة؛ لأن إدارة أوباما كانت تعتمد على القوات الكردية على الأرض، وهو ما أغضب تركيا ودفعها للتوافق مع روسيا، وبالنسبة لقوات المعارضة فهي غير موحدة ويوجد بينها فصائل إسلامية لا ترغب واشنطن في التعامل معها.

وكانت «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)أعلنت عن وصول دفعة مدرعات أمريكية، لدعمها في مواجهة تنظيم داعش، وكشفت عن استمرار المزيد من الدعم من قبل إدارة ترامب، لكن نفت وزارة الدفاع الأمريكية، يناير/كانون الثاني الماضي، هذا الأمر مؤكدةً ثبات سياستها تجاه القوات الكردية المتواجدة في سوريا، وأن الأسلحة التي تم تسليمها كانت قد أقرتها إدارة أوباما ولن يتم الاستمرار في هذه السياسة.

وتحاشيًا للغضب التركي، أكدت صحيفة واشنطن بوست أن إدارة ترامب قررت وقف العمل بخطة تقديم المساعدات العسكرية لقوات سوريا الديمقراطية، وأكد مسئولون بإدارة ترامب أن الخطة التي أعدتها إدارة أوباما «هامشية ومتناقضة وغير كافية».

وهذا يوضح التراجع الأمريكي ويكشف حرص ترامب على علاقته مع أنقرة، وكان رئيس الوزراء التركي بن علي يلدرم قد أكد أن دعم وتزويد الولايات المتحدة لـ«قوات سوريا الديمقراطية» بالأسلحة ينعكس بالسلب على العلاقات بين البلدين، وقال: «لا يليق بدولة كبرى مثل واشنطن تحارب وتعطي أهمية لمحاربة الإرهاب، أن تتعاون مع تنظيمات إرهابية».


القبول السعودي والتردد الإماراتي

تلقى الملك السعودي سلمان بن عبد العزيز يوم 29 يناير/كانون الثاني الماضي اتصالًا هاتفيًا من ترامب، وتم التوافق على دعم إقامة مناطق آمنة في سوريا وتعزيز الجهود المشتركة لمكافحة «متشددي تنظيم داعش»، إلى جانب الاتفاق على الحاجة لمواجهة أنشطة إيران التي تزعزع استقرار المنطقة.

وكذلك أجرى ترامب في الوقت ذاته اتصالًا هاتفيًا مع ولي عهد أبو ظبي محمد بن زايد آل نهيان، واتفقا خلاله على التعاون في مكافحة الإرهاب، لكن لم يتم الحديث بشأن المنطقة الآمنة، فالإمارات تخشى التورط في سوريا ويبتعد موقفها كثيرًا عن رؤية السعودية. ويوضح ذلك ما أعلنه وزير الخارجية الإماراتي من تردد وعدم الانجرار وراء الموقف السعودي وقال: «الوقت مبكر لإعلان موقف الإمارات بشأن مقترحات الرئيس الأمريكي حول إنشاء مناطق آمنة في سوريا».

ويمكن القول إن اتصال ترامب بدول الخليج والسعي لعقد شراكة معها يعتبر فرصة جيدة لدول مجلس التعاون لتبدأ في بناء شراكة واسعة مع الإدارة الجديدة انطلاقًا من سوريا، وذلك لتحقيق الهدف الأساسي وهو مواجهة إيران.


روسيا تخشى «السيناريو الليبي»

تتخوف روسيا من أن ينخرط ترامب في الأزمة فيضيع كل ما فعلته بتقديم الدعم للفصائل المعارضة للنظام، لتبدأ الأمور من جديد وكأن شيئًا لم يكن، بل سيكون الأمر أصعب، لذا تسعى روسيا إلى اختبار نوايا ترامب في طرح المنطقة الآمنة، وعلقت أن الأمر مرتبطٌ بموافقة النظام السوري وبتنسيق معه وبالطبع هذا النظام رهينة لإرادة موسكو، ولن يفعل شيئًا إلا بأمرها.

وخففت موسكو من تصريحاتها عن السابق فيما يتعلق بالمنطقة الآمنة ولم ترفضها بشكل قاطع كما كان خلال فترة إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ولكن أبدت تجاوبًا وطلبت تفاصيل إضافية من ترامب بشأن المنطقة، في بادرة منها من أجل تهدئة الرئيس الجديد حتى لا ينسف جهودها العسكرية والسياسية وآخرها مفاوضات أستانة التي استطاعت فيها جمع معظم أطراف الأزمة على طاولة واحدة.

ويمكن لترامب أن يفكك تحالفات موسكو الأخيرة، فبدايةً بتركيا التي توافقت مع روسيا سياسيًا وعسكريًا وافقت على إقامة المنطقة الآمنة لأنها ستتيح لها التخفيف من عبء اللاجئين وإقامة حزام سني في المنطقة الحدودية مع سوريا، فتركيا لا يهمها أن تظل سوريا موحدة بقدر ما يهمها أن تمنع قيام دولة كردية على حدودها وتنشىء حزامًا أو دويلة موالية لها في سوريا.

وتتخوف موسكو بشكل كبير من أن يعيد ترامب السيناريو الليبي في سوريا، حينما قبلت روسيا بفرض حظر طيران ومناطق آمنة في ليبيا لكن استغلتها واشنطن في إسقاط معمر القذافي وتحويل الأمور لصالحها وخسرت موسكو كثيرًا بسبب هذه المسألة. وعبر عن ذلك صراحة وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف حينما أكد أنه يجب على ترامب أن يكون أكثر دقة في شأن اقتراحه بإقامة مناطق آمنة بسوريا، واعتبر أن محاولات تنفيذ مثل هذه السياسة في ليبيا كانت مأساوية.

وبالتالي لا مناطق آمنة بدون موافقة روسيا لأن الولايات المتحدة لن تقدم على إسقاط الطائرات الروسية، وكذلك تمتلك موسكو منظومة صواريخ هي الأحدث في سوريا «إس 400»، والآن كل ما يمثل معضلة لترامب هو اللاجئين والإرهاب ولهذا من المتوقع أن تساعده موسكو في هذه المسألة بإجبار النظام على تقليل عمليات استهداف المدنيين منعًا لنزوحهم خارج سوريا.


مجرد كلام أم تحولات إستراتيجية؟

دونالد ترامب، رجب طيب أردوغان، تركيا، أمريكا

يعتبر البعض أن تصريحات ترامب بشأن المنطقة الآمنة أو اتصالاته بدول الخليج لتمويل المنطقة، إلى جانب لقائه بالملك الأردني والذي بحث معه ذات المسألة، لن تفضي إلى تحولات حقيقية في الموقف الأمريكي من سوريا؛ لأن المنطقة الآمنة مكلفة سياسيًا وعسكريًا وماديًا، فماليًا قد تتكفل دول الخليج التكلفة، ولكن الأمر سيكلفها عسكريًا إن دخلت في مواجهة مع روسيا.

ويوضح ذلك ما أعلنه أحد المسؤولين في البيت الأبيض، 28 يناير/كانون الثاني الماضي، أن إدارة ترامب لا تدرس حاليًا بشكل مكثف إقامة مناطق آمنة في سوريا، ولكن هذه الفكرة ستجري دراستها في الوقت المناسب، وانتقدت كذلك الأمم المتحدة الخطة، وأكدت استحالة تنفيذها بسبب كثرة الجماعات الإرهابية وإمكانية استغلالها لهذه المنطقة في تنفيذ أعمالها.

وإلى جانب ذلك هناك خلاف على من يتولى إدارة المنطقة الآمنة على الأرض وأين ستكون؛ هل ستكون على الحدود التركية أم الأردنية، ومع الرفض التركي لتولي الأكراد إدارة المنطقة وغياب طرف سوري قوي موالٍ لأمريكا فإنه من الصعب الاستمرار في هذه المسألة، ولهذا لا منطقة آمنة بدون موافقة تركيا؛ لأن المنطقة في الغالب ستقام على حدودها وهذا يوضح سبب تراجع ترامب عن دعم الأكراد.

ومن المرجح أن لا يقدم ترامب على إنشاء المناطق الآمنة في سوريا وإنما قال ذلك للضغط على روسيا من أجل التعاون معه في معالجة ما يقلقه حاليًا في سوريا، وستستغل موسكو هذه الفرصة لتفتح صفحة جديدة من التعاون مع الإدارة الأمريكية.