في قصة، تبدو وكأنها مستوحاة من أفلام الجاسوسية في هوليوود، ذاع مؤخراً صيت المجموعات المسلحة التابعة لشركة الأمن الروسية التي تُعرف باسم «فاغنر»، وبدأ يتردد اسمها في العديد من البلاد التي تشهد نزاعات عسكرية وحروباً أهلية.

أن تدفع أولاً

معنى أن تكون مرتزقاً هو ألا تتحرك للقتال بدوافع من قبيل الإثنية أو الأيديولوجية أو الديانة أو التوجهات السياسية، وألا يربطك بالطرف الذي تحارب نيابة عنه أكثر من الربح. فالارتزاق، بتعريف الأمم المتحدة والعديد من الدول:

هو نشاط غير قانوني، يحق للدول التي يتم على أراضيها ملاحقة المشاركين فيه بالاستناد إلى قوانينها الداخلية. علاوة على ذلك، فالمرتزقة مقاتلون غير شرعيين، ولا يُمنحون حقوق أسرى الحرب إذا ما تم أسرهم أثناء صراع دائر.

القتال في الخفاء وبدون شرف ولا كرامة، فقط القتال من أجل المال. هذا باختصار تعريف المرتزق. فكما أنه يهمه المال، كذلك فلا يهمه ماذا يفعل، فقط تنفيذ المهمة من أجل المكافأة المالية.

كانت التصريحات الأخيرة للرئيس التركي رجب طيب أردوغان بشأن وجود مرتزقة روس يحاربون في ليبيا أحدث ما قد ذُكر في أماكن عمل فاغنر، وقد أثار التكهنات مجدداً ونفض الغبار بشأن ما يُسمى «مجموعة فاغنر»، والتي بدأت تنال اهتماماً جماهيرياً متزايداً.

ولقد أشارت أصابع الاتهام لمجموعة فاغنر في عدد من الدول، أولاً في أوكرانيا لدعم الانفصاليين الموالين لروسيا هناك، ثم في سوريا لدعم القوات الموالية لبشار الأسد خاصة فيما يتعلق بتأمين المنشآت النفطية. كما صدرت تحقيقات تشير لدور فاغنر إبان فترة حكم الرئيس السابق للسودان عمر البشير، لكن السودان لم تكن الوحيدة في أفريقيا حيث لفاغنر دور كذلك في ليبيا وجمهورية أفريقيا الوسطى. كما كشفت وكالة «رويترز» أن مرتزقة روساً تابعين لمجموعة فاغنر قد سافروا إلى عاصمة فنزويلا (كاراكاس) من أجل دعم نيكولاس مادورو وإبقائه في سدة الحكم، خاصة بعد تصاعد موجة الاحتجاجات ضده في نهاية عام 2019.

ما هذا العملاق العسكري؟ وكيف لشركة أمن أن تتحول لما يشبه جيش نظامي مسلح ومدرب بالإضافة لدعم استخباراتي؟ إنه العملاق الروسي فاغنر، الذي لا يقتصر دعمه على التدريب فحسب، بل وصل مستوى الدعم العسكري في الشركة غير القانونية للدبابات والمركبات العسكرية والطائرات المُسيَّرة والأسلحة الثقيلة. إننا بلا شك أمام شركة ليست بالهينة ولا الواضحة، مما دعا البعض لإطلاق «بلاك ووتر» الروسية عليها، نسبةً لشركة بلاك ووتر الأمريكية، ودورها في النزاعات العسكرية التي تدخلت فيها الولايات المتحدة الأمريكية في السنوات الأخيرة.

البداية

أغلب المعلومات حول الشركة ونشاطها وتمويلها ومؤسسيها ليست على درجة عالية من الوضوح. هل هي جناح المخابرات الروسية السري للمهام الخاصة التي لا يمكن لموسكو أن تتدخل فيها مباشرة، أو كما يُطلق عليها «جيش الظل الروسي»؟ أم أنها -كما يشير محللون- خرجت عن السيطرة الحكومية الروسية وأضحت تعمل لحسابها الخاص، بعد أن أصبح السيطرة عليها شيئاً مستحيلاً؟ هل حقاً حصلت الشركة على حصة من منشآت نفط سورية في مدينة دير الزور مقابل مجموعة من المهمات الداعمة لجيش النظام السوري؟ هل حقاً كان لها دور في فض مظاهرات السودان إبان حكم الرئيس السابق عمر البشير؟ ما هي قصة الثلاثة الصحفيين الذين قُتلوا في ظروف غامضة بعدما كانوا يتتبعون عمل الشركة وتحركاتها في جمهورية أفريقيا الوسطى؟ وأخيراً ما علاقاتها بالقوات التابعة لخليفة حفتر في ليبيا؟

أسئلة عديدة، لكن الشيء الوحيد الأكيد أنها ليست مجرد شركة أمن خاصة عادية، بل إن هناك العديد من الشبهات تدور حول دورها الخارجي وطبيعة عملها وعلاقتها بالمؤسسات الرسمية في روسيا.

قانون الاتحاد الروسي يُجرِّم في مادته 359 أي تدريب أو تمويل أو دعم مادي لمرتزقة، وحدد عقوبة لذلك تصل للسجن ثماني سنوات، كما يمنع مشاركة المرتزقة في عمليات عسكرية مسلحة.  لذلك شركة فاغنر مسجلة قانونياً في الأرجنتين لتجنب الملاحقة القانونية داخل روسيا. لكن لا توجد معلومات كافية حول الشركة، لا عدد مقاتليها أو طبيعة عملهم في مناطق التدخل، أو حتى هيكلها التنظيمي. هناك حالة من التعتيم حول الشركة -إن جاز لفظ شركة في حقها- وهناك أيضاً غموض غير مفهوم حول علاقتها بالنظام الروسي. فلو كانت مجرد شركة أمن خاصة عادية فلماذا تعددت صور الدعم الحكومي لها بشكل غير رسمي؟ ولماذا يكتفي المسئولون الروس بنفي العلاقة فقط دون تقديم أي حجج مضادة أو ما يثبت هذا النفي؟

في تقرير لصحيفة «لوس أنجلوس تايمز» ذكرت أن تأسيس المجموعة كان عام 2014 على يد العميد السابق في الجيش الروسي «ديمتري أوتكينغرد» الذي يخضع لعقوبات أمريكية على خلفية دوره في الأزمة الأوكرانية؛ ديمتري الذي كوَّن مجمعته من عدد من الضباط السابقين في الجيش الروسي، لكن أغلبهم كانوا ضباطاً سيئي السمعة سبق ووُجهت لهم اتهامات جنائية وغيرها. وأطلق على المجموعة نفس الاسم الحركي الذي كان يُلقَّب به أوتكينغرد في المعارك التي خاضها ضمن صفوف القوات الحكومية الروسية في أوكرانيا «فاغنر».

كما تردد اسم «ييفيغني بريغوجين» كمُموِّل للشركة، وهو رجل أعمال روسي، يُعرف في مجال التزويد بالخدمات، وله علاقات تجمعه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين «طباخ بوتين»، ويُقال إن هذه العلاقة الوثيقة بالرئيس الروسي منحته عقوداً حكومية عدة، بما فيها خدمات تزويد للجيش الروسي من بين جهات أخرى. كما أنه يرتبط بـ «وكالة أبحاث الإنترنت» سيئة الذكر، التي اتُّهمت بإجراء عمليات تأثير سياسي.

لذلك جاءت الاتهامات بشأن تورط الروس في التأثير على الانتخابات الأمريكية، وقام صندوق الخزينة الأمريكية بفرض عقوبات على بريغوجين باستهداف عدد من أصوله المالية وأعماله التجارية. كما نقلت صحيفة «واشنطن بوست» عن مصادر استخباراتية لم تذكرها أن بريغوجين كان على اتصال وثيق بالكرملين في الفترة التي سبقت الهجوم على قاعدة قوات سوريا الديمقراطية العسكرية 2018 في دير الزور، والتي تقع فيها حقول النفط كدليل على شكل من أشكال التنسيق أو حتى الإدارة لمعارك تخوضها فاغنر في سوريا.

فها نحن أمام مثلث من ثلاثة أعضاء ديمتري أوتكينغرد وييفيغني بريغوجين والضلع الثالث هو ممثل رسمي للحكومة الروسية. هذا إن صحت علاقة الشركة بدوائر الحكم الروسية.

شركات وهمية

استخدمت شركة فاغنر منذ بدايتها شركات أخرى كواجهة لها ولا تربط نفسها بشكل مباشر بهذه الشركات. من بين هذه الشركات؛ شركة أدوية تحمل اسم «كونتور» التي سُجلت عام 2014 في سان بطرسبرغ برأسمال 10 آلاف روبل ويعمل بها 4 موظفين، وزاد رأس المال إلى 300 مليون روبل عام 2014، ثم 1.9 مليار روبل عام 2017. وكان هناك شركة أخرى تحمل اسم «كيو أم أس»، انطلقت ككيان قانوني عام 2014، وظلت كذلك لمدة عامين، ولكنها لم تعد مسجلة بعد ذلك. وكان مقر الشركة غرفة في مبنى وبجوارها مركز للشرطة بدون أي نشاط يُذكر وبرأس مال ضخم.

1. سوريا

بعدما لاح في الأفق إمكانية تدخل قوات برية روسية في سوريا عام 2015 لدعم حليف روسيا بشار الأسد، اتجهت الأبصار تجاه مجموعة فاغنر العسكرية. وسرعان ما تدفق عدد من الأفراد للانضمام لصفوف الشركة المشبوهة، وأُعطيت الأولوية للجنود السابقين في الجيش الروسي. كما نظر الأفراد للمرتبات المجزية والمكافآت التي وُعدوا بها، كما أنه لو قُتل فستحصل عائلته على تعويض مجزٍ بشرط عدم الحديث أو الخوض في ملابسات الوفاة؛ أين وكيف ولماذا ومع من كان يعمل.

تعددت مهام المجموعة في سوريا من تدريب قوات النظام إلى المواجهة في خطوط القتال الأولى، كما تشير BBC إلى مهمة جديدة لمجموعة فاغنر في سوريا، وهو أنهم كانوا يقاتلون مكان الجيش الروسي النظامي الذي يتدخل رسمياً في النزاع السوري، وكانت مهمتهم الأساسية هي رفع معنويات الجيش السوري وكفاءته، وتجنيب القوات الروسية النظامية الخسائر البشرية.

وكانت المواجهة مع قوات أمريكية قد كلفت فاغنر خسائر بشرية ثقيلة. حيث حدثت المفاجأة عندما وجد أفراد فاغنر أنفسهم وجهاً لوجه أمام القوات الأمريكية التي كانت تدعم القوات الكردية في ذلك الوقت. فقدت جماعة فاغنر عدداً من مقاتليها نتيجة الهجوم الأمريكي المباغت. فظهر الاضطراب الروسي بعد معركة دير الزور، حيث نفى الكرملين أن تكون هناك أي قوى عسكرية روسية منظمة لها علاقة بتلك العملية. لكن منذ مواجهة دير الزور باتت فاغنر في صلب الاهتمام، خاصةً أن واشنطن قد أعلنت أنها قتلت ما لا يقل عن مائة مقاتل موالٍ للنظام في منطقة دير الزور، رداً على هجوم استهدف المقر العام لقوات سوريا الديمقراطية التي تدعمها الولايات المتحدة.

وبعد صمت استمر بضعة أيام، أقرت موسكو بمقتل خمسة من مواطنيها في تلك الهجمات وسقوط عشرات الجرحى، موضحة أنهم جميعاً «توجهوا إلى سوريا بمبادرة منهم».

لا يمكن أن نترك دور فاغنر في سوريا -الذي تطرقنا له باختصار- دون أن نذكر واقعة وفاة صحفي روسي ساعد في نشر قصة المرتزقة الذين قُتلوا على يد الجيش الأمريكي في دير الزور في فبراير/شباط 2018، بعد سقوطه في ظروف غامضة من شرفة منزله، وتوفي على إثر هذا السقوط في الحال.

2. ليبيا

كما قال المبعوث الأممي في ليبيا «غسان سلامة» إن طرفي النزاع في ليبيا يتلقون إمدادات عسكرية من أطراف خارجية، كما تم رصد تدفق مقاتلين روس للقتال في صفوف اللواء المتقاعد خليفة حفتر لمساعدته في معركته لدخول العاصمة طرابلس. كما أدانت واشنطن أكثر من مرة الدور الروسي في ليبيا، حيث قال مسئول في وزارة الخارجية الأمريكية إنه رصد تصاعد أعداد المقاتلين الروس التابعين لشركة فاغنر الروسية، مما قد يساهم في اشتعال الصراع الليبي وزيادة تعقيده. أما الحكومة الروسية وكالعادة فأنكرت وجود أي مقاتلين نظاميين في ليبيا، على الرغم من دعمها الواضح للواء خليفة حفتر.

دور ثانٍ لفاغنر في دول النزاعات المسلحة، لكن هذ المرة ليبيا، حيث ظهرت العديد من الصور ومقاطع الفيديو لمرتزقة روس يُعتقد أنهم ينتمون للشركة سيئة السمعة «فاغنر»، وزاد الشكوك حضور «يفغيني بريغوجين» -رجل الأعمال الروسي الذي يُعتقد أنه مالك فاغنر- اجتماعاً بين حفتر ووزير الدفاع الروسي «سيرغي شويغو».

وقد تواصل التتبع لنشاط فاغنر في ليبيا، حيث كشفت صحيفة «لي بونت» الفرنسية أن عدد المرتزقة الروس في قوات اللواء حفتر يبلغ 300 مرتزق، وقُتل منهم نحو 35 حتى الآن، جلهم من مرتزقة فاغنر. كما قالت الصحيفة الفرنسية إنه من بين المصابين في الضربات التي وجهتها حكومة الوفاق هو القيادي بشركة فاغنر «ألكسندر كوزنتسوف» أثناء مشاركته القتال في معارك جنوب طرابلس، وأضافت الصحيفة أن كوزنتسوف المُلقب بـ «راتيبور» نُقِل إلى المستشفى العسكري بمدينة سان بطرسبورغ الروسية بسبب إصابته الخطرة.

هذا وقد تمركزت قوات فاغنر في ليبيا حول حقول النفط الهامة، خاصة منطقة فزان، كما تواجدت في ميناءي طبرق ودرنة. فهي باختصار أهم ما يجب أن تسعى له هذه الحركة المشبوهة النفط والمال ليس إلا.

مقالات الرأي والتدوينات لا تعبر بالضرورة عن وجهة نظر هيئة التحرير.