قرر أخيرًا أن يشاهد بنفسه العرض الذي يلعب من خلاله دور صديق البطل. لقد سمع من المقربين حوله الكثير من الإشادة والثناء على أدائه، وخاف أن يكون ما سمعه محض مجاملات. توسط الجالسين في ظلام دار العرض وهدوئه غير مبالين بالعرض من الأساس، لكنه كان يسترق السمع لهمهمات وردود فعل المشاهدين كلما ظهر هو على الشاشة.

إنه أفضل من البطل. لولاه لما كان هذا العرض ينجح. لقد استطاع أن يخلق لنفسه خطًا دراميًا أقوى وأكثر تأثيرًا من البطل. أنا لا أعرف اسمه في الحقيقة، ولكنه رائع ويستحق دور البطولة. لقد سمع كل ذلك بأذنيه، كان يريد أن يصرخ في الجميع باسمه. أن يقف ويحجب الشاشة ويحيي الجماهير. لكنه بمجرد خروجه من صالة العرض التف الجميع حول البطل ولم يلتفت إليه أحد.

تلك مأساة صديق البطل المعتادة. مأساة بقعة الضوء التي لا تحتمل اثنين أبدًا. ذلك الرجل الذي يبقى في الظل رغم اعتراف الجميع بأهميته وبجودة أدائه. وفي اللحظة التي يقرر فيها أن ينتزع بقعة الضوء التي تناسب إمكاناته، يكتشف أن الأمور لا تسري بهذه البساطة.

يبقي ساديو ماني لاعب ليفربول الغاني حبيس تلك الدائرة المنغلقة، يتصدر صلاح المشهد فيؤكد الجميع أن تألق صلاح بفضل من حوله وأهمهم ساديو ماني، يحاول ماني أن يتصدر المشهد ولو قليلًا فيتهمه الجميع بتفضيل مصلحته الشخصية وبأن دور البطل لا يصلح له.


البداية: ثلاثي هجوم ليفربول والبطولة الجماعية

بدأ يورجن كلوب حقبة جديدة في تاريخ نادي ليفربول بعد توليه المسئولية الفنية للنادي الإنجليزي في أكتوبر 2015. حاول كلوب أن يستخدم ما لديه من أوراق خلال الموسم. كان النجم الأبرز حينئذ هو كوتينهو ثم فيرمينيو من بعده. أنهى ليفربول الدوري في المركز الثامن، فتيقن كلوب أن عليه استقدام لاعبين قادرين على نقل الفريق الإنجليزي إلى ما هو أفضل من ذلك. فبالرغم من وجود 10 بدائل حينها ليورجن كلوب في الثلث الأمامي لم يتمكنوا إلا من تسجيل 21 هدفًا وصنع 11 آخر.

إحصائيات لاعبي الثلث الأمامي في ليفربول موسم 2015/2016

استقدم ليفربول ماني من ساوثهامبتون الإنجليزي موسم 2016/2017. استطاع النادي أن ينهي الدوري في المركز الرابع واحتل ماني صدارة هدافي الفريق هذا الموسم برفقة البرازيلي كوتينهو وفي جعبة كل منهما 13 هدفًا.

نجح لاعبو الثلث الأمامي في ليفربول في تسجيل 39 هدفًا وصنع 22 آخر لزملائهم في هذا الموسم. التطور في الثلث الأمامي كان جديرًا بالإعجاب بالطبع بعد قدوم ماني.

إحصائيات لاعبي الثلث الأمامي في ليفربول موسم 2016/2017

بدأت تتشكل ملامح الفريق الحالية بداية من موسم 2017/2018. حيث أتم ليفربول التعاقد مع المصري محمد صلاح من نادي روما الإيطالي في بداية الموسم. وفي منتصف الموسم تحديدًا رحل كوتينهو إلى برشلونة حيث آمن الجميع حينئذ أن الثلاثي صلاح ماني فيرمينيو قادر على سد الفراغ الذي سيتركه كوتينهو تمامًا.

تصدر صلاح للمشهد كان بشكل تصاعدي، لكن السمة الغالبة للقوة الضاربة لفريق ليفربول كانت الجماعية. ثلاثي هجوم ليفربول هو الأقوى، هذا العنوان أو ما يشابهه كان المتصدر للصحف بشكل دائم. كان الأمر يشبه البطولة الجماعية، وكان الثلاثي الهجومي ذلك هو الأكثر غزارة في الدوري الممتاز ودوري أبطال أوروبا خلال موسم 2017/2018. هذا قبل أن ينفرد صلاح بالمشهد بشكل كامل عن استحقاق.


صلاح البطل وصديقه المؤثر

تصاعدت الأحداث وأصبح محمد صلاح هو بطل الفريق. تلاحقه الكاميرات تنهال عليه الجوائز والترشيحات. كل ذلك كان عن استحقاق كامل. فمن بين الثلاثي الهجومي برز صلاح كهداف الدوري وصاحب النصيب الأكبر في وصول الفريق لنهائي دوري أبطال أوروبا. حتى خسارة النهائي أرجعتها الجماهير لإصابة صلاح في بداية المباراة.

هنا تحديدًا انتزع صلاح بقعة الضوء على المسرح. ووجد ماني نفسه في الظل أو تحديدًا تحت ضوء أقل توهجًا من الهالة التي أنيرت حول صلاح وأخذت في التوهج.

نال ماني إشادات من نوعية: يجب ألا ننسى دور ماني في صناعة اللعب، ولولا دور ماني في تحريك اللعب لما ظهر صلاح بتلك الحرية في الملعب وهذا التأثير. برع ماني في دور صديق البطل، ولأن كرة القدم لعبة جماعية فكل عنصر هو عنصر مؤثر تمامًا. هذا في عقول المدربين والمتابعين، لكن كادر الكاميرا لا يستوعب سوى وجه واحد كالعادة. ذلك ربما ما تفهمه ماني خلال الموسم التالي، وطالما أن الثلاثي الهجومي صنع لصلاح تلك الهالة فلماذا لا ينقلب الحال، ويبرز هو من خلال العمل الجماعي لذلك الثلاثي الهجومي.

بدأ الحديث عن كون ماني يشعر بالغيرة من محمد صلاح، وهو ما نفاه الاثنان، وأكد نفيه المدرب كلوب مرارًا وتكرارًا.

تصريح محمد صلاح لفرانس فوتبول حول علاقته بماني وفيرمينيو


الموسم الحالي: فلنقر القواعد الجديدة

نحن أصدقاء، نتحدث كثيرًا، وبشكل عام نجلس نحن الثلاثة في غرفة تغيير الملابس بعد المباريات مباشرة. هناك تضامن حقيقي بيننا، حيث إننا لا نهتم بمن يسجل أكثر وأكثر.

خلال الموسم الحالي، بدأ الثلاثي في مرحلة وضع قواعد جديدة. فلنقم بما يسمى بلعب جماعي وننظر من سيتألق من خلاله ويسحب بقعة الضوء. لا يوجد ما يلزم لكي يهيئ الجميع الكرة لصلاح لكي يحرز الهدف. كون صلاح هو رجل العرض الأساسي أصبح محل إعادة نظر من ماني.

خلال الجولة الخامسة تحديدًا في مواجهة ليفربول ضد الفريق اللندني توتنهام، كانت تشير النتيجة إلى تقدم الليفر بهدفين . سنحت هجمة مرتدة الفرصة لماني لكي يمرر لصلاح الذي كان في وضعية أفضل لإحراز هدف وقتل المباراة، لكنه قرر أن يمرر لفينالدوم صاحب الوضعية الأكثر صعوبة ليسجل الهدف بنفسه، وهو ما لم يحدث.

ساديو ماني يفضل التمرير لنابي كيتا بدلًا من محمد صلاح

أصبح الحديث واضحًا الآن، فإيان رايت مهاجم أرسنال السابق تحدث عن كون ماني يشعر بالغيرة من صلاح. ما أكد الأمر بعد المباراة قيام اللاعب الهولندي لفريق ليفربول فينالدوم بالإعجاب بتعليق على موقع انستجرام يفيد بأن هذا الموسم لا يتسم بالجماعية التي كانت تميز الموسم الماضي خاصة من قبل ماني، الأمر أصبح جديًا إذن.

اكتشف ماني أن الأمور لا تسري بتلك البساطة تمامًا مثلما يكتشف الممثل الذي يبرع في دور صديق البطل أن دور البطولة ليس بتلك السهولة. أصبح على كلوب ضرورة التدخل مما دفعه لوضع صلاح في مركز المهاجم في بعض المباريات كرسالة صريحة بأن صلاح هو المخول له إنهاء الهجمات، أو ربما لانتشاله من حالة عدم التهديف التي لاحقته في بداية الموسم. إلا أن ماني بين الحين والآخر يحاول أن يقر قواعد جديده وينتزع بقعة الضوء.

قرر ماني أن يكون الاختيار الأول له هو التسجيل لا صناعة اللعب. محاولاته التسديد على المرمى خلال هذا الموسم أكثر، ومن أماكن أكثر صعوبة من على أطراف منطقة الجزاء، على عكس الموسم الماضي الذي حرص فيه على التواجد في عمق منطقة جزاء الخصم عند التهديف.

اختلاف أماكن تسجيل ماني للأهداف. في الموسم الماضي (يمين) والموسم الحالي (يسار).

قام ماني بصناعة 7 أهداف الموسم الماضي مقابل صناعة هدف واحد خلال الموسم الحالي. بينما أحرز 12 هدفاً خلال الموسم الحالي والذي يتبقى في عمره 12 جولة لم تلعب بعد، بينما أحرز 10 أهداف خلال الموسم الماضي.

لم يحسم ليفربول بطولة الدوري حتى الآن. حيث يلاحق جوارديولا وفريقه مانشستر سيتي فريق ليفربول بشكل مكثف وينتظر وقوعه في أي مباراة. بينما يحل ليفربول ضيفًا على العملاق البافاري بايرن ميونيخ في مباراة العودة دون أي أفضلية بعد أن انتهت مباراة الذهاب بتعادل سلبي. فهل يضيع ماني أحلام ليفربول في التتويج ببطولة خلال الموسم أم يفضل مصلحة الفريق تاركًا دور البطولة للمصري محمد صلاح؟