في صيف صنعاء الماطر عام 2014 سيطرت جماعة الحوثي على المدينة،لتسيطر بعدها على اليمن. جاء تحالف السعودية مع الإمارات واستمرت الحرب وتبدلت عبر السنين استراتيجية الحوثي، التي آتت ثمارها، مؤخرًا، بانسحاب الإمارات.

والحقيقة أن الإمارات ما كانت لتستمر من البداية في تلك الحرب، لضعف إمكانياتها، وعدم قدرتها على دفع تلك التكلفة الباهظة، ولأنها تستهدف مصالح محددة؛ إقصاء الإخوان المسلمين والسيطرة على الموانئ والشواطئ والجزر اليمنية.

أتى انسحابها مفيدًا لاقتصادها الخدمي، الذي كان معرضًا للانهيار في حال تهديده المستمر من قبل ميليشيا الحوثي، وهو الوتر الحساس الذي لعبت عليه جماعة الحوثي، ونجحت فيه حتى هذه اللحظة منذ سيطرتها على صنعاء.

نقطة الانطلاق

انطلقت جماعة الحوثي منذ 2012 لتأمين محيطها في الشمال، وحاصرت السلفيين في دماج حتى دخلتها، ثم أحدثت تغييرًا ديموغرافيًا في المنطقة، هو الأول من نوعه في اليمن. انطلقت بعد ذلك إلى عمران فصنعاء تحت شرعية المطالب الشعبية، ومع دخولها صنعاء نقلت العديد من الصواريخ الباليستية إلى صعدة، هذه الصواريخ كانت ملكًا للدولة اليمنية حيث كانت مخزنة في جبل «فج عطان»، أغلبها جُلبت من كوريا الشمالية.

تتشكل الترسانة من صواريخ توشكا التي تصل إلى عمق 200 كيلومتر، وصواريخ هواسونغ5-6 التي تصل إلى عمق 600 كيلومتر، وصواريخ سكود السوفياتية التي كانت تمتلكها دولة الجنوب. استغلت استراتيجية الحوثي إمكانيات الدولة اليمنية، فقصفت عدن بالطائرات، مع الدفع بالإمدادات العسكرية الكثيفة لبسط النفوذ وفتح خط إمداد مع إيران عبر ميناء الحُديدة. هذه السيطرة على مخزون السلاح الضخم واستخدام الطيران أَجبر السعودية على خوض الحرب.

الحوثي: استراتيجية المواجهة

تمثلت استراتيجية التحالف في شلّ القدرات الجوية للحوثي، باستهداف المطارات والطائرات الحربية أولًا، ثانيًا بإحكام السيطرة على الجو من خلال حظر ومنع الطيران المدني، ثم من خلال فرض حصار بحري يقطع الإمداد عن جماعة الحوثي، وأخيرًا من خلال دعم قوات يمنية شعبية في قتالها مع ميليشيا الحوثي، مع غطاء جوي من التحالف.

ولكي يقوم الحوثي بكسر تلك الحالة وبعد خسارته جزءًا كبيرًا من الجنوب اليمني، عمد إلى استهداف جنوب السعودية بالصواريخ الباليستية، كلها كانت في مدى يتراوح بين 50 و190 كيلومترًا فقط، في جازان ونجران وعسير، ثم مع تطوير تلك الصواريخ بتقنيات إيرانية، بدأت تستهدف صواريخ أطول مدى في 2016.

أما التحول الكبير فكان في العام الثالث بعد سيطرتهم على صنعاء سبتمبر/ أيلول 2017، حيث أعلن عبدالملك الحوثي أنه سيستهدف الرياض وأبوظبي، وأن العام المقبل هو عام الطائرات المسيرة. وبالفعل استهدفت الجماعة الرياض – بعد ذلك بشهرين – بصاروخ قطع مسافة قدرها 920 كيلومترًا، ثم حدثت المفارقة حين استهدف الحوثي مطار أبوظبي منتصف العام الماضي بطائرة مسيرة، وفي الشهر الذي يليه استهدفت بوارج وسفن نفط سعودية بباب المندب، مع أن تلك الصواريخ غير دقيقة في إصابة الهدف البحري.

تمثلت استراتيجية الحوثي الفترة الماضية في تكثيف الردع الخارجي والضغط العسكري على الجنوب في الضالع والحُديدة وعلى الحدود الشمالية، لتفتح 12 جبهة قتال في وقت واحد، وذلك بسبب تحركات السعودية في دعم قبائل حجور يناير/ كانون الأول 2019، والتي كانت ستفضي لتسلل قوات موالية للشرعية إلى محافظة عمران، ومنها قطع طريق الإمداد بين صنعاء وصعدة، وانتهت في الأخير بإبادة ارتكبها الحوثي في المنطقة.

محافظات اليمن

الإمارات بعد الانسحاب

تغريدة للأكاديمي عبدالخالق عبدالله، المقرب من محمد بن زايد

بعد إعلان تقليص عدد قواتها، وإعلان مقربين من ابن زايد بأن حرب اليمن أصبحت منتهية، أعلن محمد البخيتي بأن جماعة أنصار الله الحوثي تفكر في وقف استهداف العمق الإماراتي. يأتي ذلك في ظل تفاهمات إماراتية – إيرانية، لكن هل كان العمق الإماراتي في مرمى الحوثي؟

الوقائع التاريخية تؤكد أن الامارات لم يُستهدف عمقها الاستراتيجي إلا مرة واحدة في مطار أبوظبي، قطعت خلالها طائرة مُسيرة مسافة قدرها 1500 كيلومتر، مما يجعل مهمة استهداف الإمارات صعبة قليلًا.

الأهم هو وضع التفاهمات المسبقة بينهم وبين الإمارات، فقد دعمت الإمارات الجماعة بشكل مباشر قبيل سيطرتها على صنعاء بعامين، وذلك لمنع سيطرة حزب الإصلاح (إخوان مسلمين) على مفاصل الدولة في فترة عبدربه منصور هادي، فالإمارات تستضيف أحمد علي صالح في ظل تحالف والده مع أنصار الله، حتى أن خسائر القوات الإماراتية في اليمن أقل بكثير مما تعرضت لها القوات السعودية.

الأذرع الأخطبوطية للإمارات

يقول البردوني: «مسئولون في عدن وفراشون في بابك»، يقصد ولاء بعض المسئولين في اليمن لدول خليجية، وهو حال قوات النخبة التي تتبع الإمارات، وغالبيتها ذات نزعة انفصالية، ومع انسحاب الإمارات فاستراتجيتها ما زالت قائمة، بل إنها موشكة على الحدوث في انفصال الجنوب، الذي تدعمه لأنه يحمي مصالحها الاقتصادية في المنطقة، ويؤثر على العمق العماني، وصولاً إلى ترك السعودية تواجه مصيرها الصعب مع حدودها الجنوبية مع اليمن، والحديدة أصبحت تقترب من سيطرة الحوثي عليها كليًا.

تبدلت استراتيجية فأنصار الله لا تقبل بانفصال الجنوب كونه يحتوي على خامات اليمن، وهي في ذلك تتفق مع نفس الهدف السعودي في الوحدة وذلك اتفاق ظاهري، فقامت باستهدف معسكر الجلاء بالبريقة قرب باب المندب بمدينة عدن، وفي الغالب فإن العملية جاءت في صالح الانفصاليين، فتوجد شبهة تواطؤ مع الإمارات في تصعيد أزمة المجلس الانتقالي مع الشرعية. بعد تلك الأحداث تم طرد مواطنين من الشمال يقطنون عدن إلى بلدانهم، وذلك عبر ميليشيا هاني بن بريك الموالي للإمارات، في محاولة إلى تجذير ثقافة الانفصال مرة أخرى.

السعودية غدر الحلفاء

أطلقت جماعة الحوثي صاروخًا باليستيًا على الدمام، هو الأخطر منذ بداية حرب الصواريخ. الصاروخ من طراز بركان، بلغ مداه 1300 كيلومتر، ويستطيع حمل رأس متفجر يصل وزنه إلى 750 كيلوجرامًا، وأكثر دقة وإصابة للهدف، واستهدف منشأة عسكرية.

النقلة النوعية في استخدام الصواريخ تجعل المنطقة الشرقية السعودية الغنية بالنفط أكثر عُرضة للتهديدات، مما يهدد الأمن السعودي الداخلي، وفي الأثناء استُهدفت قاعدة الملك خالد ومطار نجران. استطاعت سياسة الحوثي الحالية وقف احتكار السماء لصالح التحالف، بل استطاعت نقل المعركة داخل السعودية باحتلال مناطق بالحد الجنوبي أكثر من مرة، كما تؤكد باستمرار أنها تقوم بذلك من خلال خدمات داخلية، لتضرب على وتر الشيعة الحساس داخل المملكة.

وبما أن السبب الرئيسي لانسحاب الإمارات هو التكلفة الباهظة من ناحية، ومن ناحية أخرى اعتماد سياسة دعم الأذرع الأخطبوطية المتمثلة في النخب لتحقيق استراتجيتها ومصالحها، وهي أزمة السعودية الفعلية في مواجهة التلاعب الإماراتي بالجنوب، حتى أننا نحن نشهد اللمسات الأخيرة لانفصال الجنوب.

أما الحرب مع الحوثي فالسعودية ما زالت تمتلك من الإمكانات والقدرات التي تمكنها من الاستمرار، إلا أن الحرب اليمنية كانت وما زالت حرب استنزاف لقدراتها ومواردها، وجماعة الحوثي لم تتوانَ في ضرب العمق السعودي من شرقه إلى جنوبه، بالتزامن مع التصعيد الإيراني.