مازالت أحداث التوتر الخليجي-القطري والحرب الإعلامية بين الجانبين تزداد حدة، يومًا بعد الآخر، على خلفية التصريحات المنسوبة لأمير قطر، تميم بن حمد آل ثاني، والتي تحدث فيها بشكل إيجابي عن العلاقة مع إيران، ودافع من خلالها عن حركة «حماس» و «حزب الله» اللبناني، حيث ينتظر أن تتصدر المشهد محاولة كويتية للوساطة بين الجانبين.

وفي ظل توالي الأنباء تباعًا عن تفاصيل الزيارات المتبادلة بين الكويت وقطر لحل الأزمة، تزداد التساؤلات حول مستقبل هذه الوساطة وخفاياها وموقف الجانبين القطري والخليجي منها، وماذا عن مستقبل منطقة الخليج في ظل هذا التوتر، الذي لم تبرز معالم نهايته بعد؟


زوبعة في فنجان أم دخان لنار كامنة؟

أمير قطر، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ووزير الخارجية الأمريكي السابق، جون كيري

بدايةً؛ يمكن القول بأن الخلاف بين الدوحة ودول الخليج خاصة السعودية يمتد إلى تاريخ نشأة قطر، حيث نشأت العديد من النزاعات على الحدود بينهما إلى أن وقّع البلدان عام 1995 اتفاقية ترسيم للحدود، انسحبت منها قطر فيما بعد إلى أن عاود الطرفان عام 1996 بترسيم الحدود بينهما، وفي ديسمبر/كانون الأول 2008 أعلنت الدولتان أنهما توصلتا لاتفاقية لتسوية الحدود البرية والبحرية تم التوقيع عليها عام 2009.

فيما استمرت الخلافات القطرية الخليجية والتي وصلت إلى حد اتهام قطر في فبراير/شباط عام 1996، لكلٍ من السعودية والإمارات والبحرين بتدبير محاولة تدخل فاشلة للإطاحة بحكم أميرها السابق حمد بن خليفة، وإعادة والده، وهو الأمر الذي نفته السعودية، إلا أن الدوحة لم تقتنع بذلك ومن هنا بدأت الأزمة الحقيقية التي شهدت الكثير من الإشكاليات التي كانت الحرب الإعلامية أبرز إرهاصاتها.

كما جاءت الأزمة الكبرى في مارس/آذار 2014 عندما سحبت الإمارات والسعودية والبحرين سفراءهم لدى قطر، متهمين إياها بالإخلال باتفاق الرياض والذي تم توقيعه في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 2013، على خلفية مخالفة الدوحة للتوجه الخليجي العام وخاصة حيال الموقف المصري بعد انقلاب الثالث من يوليو/تموز 2013.

وفي هذا الإطار قامت الكويت بمحاولة للوساطة بين الجانبين استمرت حتى نهاية أغسطس/آب 2014، عندما عُقد اجتماع لوزراء خارجية دول التعاون في جدة، لتخرج تصريحات إلى العلن حول إيجاد حلول للأزمة الموجودة وإمكانية لعودة سفراء الدول الثلاث إلى الدوحة، وبالفعل عاد السفراء في 17 نوفمبر/تشرين الثاني2014، في القمة الخليجية بالرياض حيث تم التأكيد على التزام قطر بتنفيذ بنود «اتفاق الرياض»، الذي يحدّد آلية إنهاء الخلاف مع الدول الخليجية وفتح صفحة جديدة في العلاقات بينهم.


ما أشبه الليلية بالبارحة: الوساطة الكويتية بين النجاح والإخفاق!

هكذا نجحت الكويت من قبل في حل الأزمة، فيما تكرر المشهد اليوم مع محاولتها للوساطة بين الجانبين الخليجي والقطري مرة أخرى عبر عدة زيارات متبادلة بينها وبين الدوحة، إذ قام الشيخ صباح خالد الحمد الصباح، وزير الخارجية الكويتي بزيارة إلى قطر التقى خلالها أمير دولة قطر، يوم الـ 26 من مايو/آيار الماضي. كذلك طار أمير دولة قطر إلى الكويت يوم الـ 31 من الشهر ذاته، في جولة ظاهرها التهنئة بمناسبة حلول شهر رمضان، وباطنها مناقشة حلول للأزمة الآخذة في التفاقم!

وعلى الرغم من النجاح السابق للكويت فإن مهمتها اليوم تبدو أصعب بكثير، إذ خرجت الأزمة من أطر الشاشات إلى البيانات الرسمية والقطيعة الدبلوماسية وما يشبه إعلانات الحروب، البحرين والسعودية ومصر والإمارات -على الترتيب- تُعلن القطيعة وإغلاق الحدود مع دولة قطر، مع مهلة زمنية لإجلاء رعاياها!!

جولة سريعة في الصحافة السعودية والإماراتية، نجد أنها رأت في زيارة تميم للكويت في هذا الوقت، تقزيم للأزمة، وتسطيح للخلاف، كما أكدت أن معطيات هذه الوساطة غير متوفرة، وأن المطلوب أكثر من الاعتذار أو التوقف عن التصريحات المستفزة، وكان الأمر قد وصل إلى حد التحريض إعلاميًا وتداول أنباء -خاصة من جانب الإمارات- عن وجود معارضة داخل الأسرة القطرية الحاكمة لسياسات تميم، في إشارة إلى إمكانية الانقلاب على تميم.

ظهر هذا جليًا في صحيفة الاتحاد الإماراتية، والتي أوردت أنباء عن أن عضو في الأسرة الحاكمة القطرية، وهو سعود بن ناصر آل ثاني، يستعد للإعلان عن حزب سياسي معارض لنظام تميم سيكون مقره لندن، مبررًا ذلك بالممارسات غير العقلانية للنظام في قطر، والتي تعمل على شق الصف العربي على حسب توضيحه!

كما نشرت صحيفتي الرياض السعودية وإرم نيوز، أن آل ثاني – وهي أسرة حكام قطر وأبناء عمومة تميم – قد تبرأت منه على خلفية رسوم مسيئة إلى السعودية كانت قناة الجزيرة قد نشرتها وحذفتها لاحقًا، متوقعة حدوث انقلاب قطري قادم، الأمر الذي يشبه أحداث فبراير/شباط 1996.

هذا وقد زادت الصحف الخليجية، خاصة الإماراتية، من الضغط على قطر عبر إظهارها وكأنها في مأزق، وأنها قد استعانت بأنقرة لتحتمي بها، بتسريعها وتيرة بناء القاعدة العسكرية التركية في الدوحة، في ظل مخاوفها من إمكانية نقل قاعدة العديد الأمريكية منها، كما هي رغبة أبناء زايد.


أسباب الإخفاق ومآلاته

تميم بن حمد، جون كيري

في سياق مؤشرات التصعيد السابقة، فإن احتمالية إخفاق الوساطة أكبر من احتمالية نجاحها، الأمر الذي يسهل تفسيره من خلال تعنت الجانبين، فكلًا من السعودية والإمارات لن يتراجعا عن هذا التصعيد حتى ترضخ قطر لسياستهما، ويُقلَص نفوذها الإقليمي بالمنطقة ويُحجَّم دورها في اليمن وليبيا ومصر، وتُلجم منصتها الإعلامية المثيرة للقلاقل الإقليمية، كما جاء في إحدى رسائل يوسف العتيبة المسربة.

وفي المقابل -على الجانب القطري، فإن التضييق المتزايد على قطر قد يدفعها للعناد وتبني مواقف أكثر راديكالية من المشهد الخليجي المتمثل في المساعي الإماراتية السعودية، وربما يُتوج ذلك -إذا لم تهدأ الموجة الحالية- بتقارب أكبر مع إيران! إلا إذا كانت الإمارات قد سبق سيفُها بيانَها ورتبت لانقلابٍ على تميم!

وكنتيجة محتملة، فلا يبدو الأفق مفتوحًا أمام تسوية للأزمة قريبًا، بل يبدو أنه في الطريق لمزيد من التعقيد لاسيما بعد القطيعة التي أعلنت صباح اليوم.

وفيما يتعلق بتسريبات سفير الإمارات، ففي حين فسرتها وسائل الإعلام الإماراتية على أنها محاولة قطرية للتغطية على فشل وسائل الإعلام القطرية في تحسين صورة تميم بعد الهجمة الأولى، وتقديمه كأنه الضحية فيما حدث من تسريبات، كانت وسائل الإعلام القطرية تُقدم صورة مغايرة تمامًا لذلك، إذ وظّفت هذه التسريبات باعتبارها تدل على وجود مؤامرة خليجية ضدها، وجهد منسق لتشويه قطر وإعاقة دورها الإقليمي.

وعلى الرغم مما سبق فلا يزال هناك تساؤلًا رئيسيًا يطرح نفسه؛ وهو، ماذا عن مستقبل هذه الأزمة، هل سيستمر الوضع هكذا؟ وهل ستترك دول الخليج قطر للتقارب مع طهران كأثر عكسي للتصعيد من قِبلهم؟ وماذا لو حدث ذلك، هل يمكن أن يكون بداية لانقسام مجلس التعاون؟، لننتظر الكويت وعُمان.

وفي هذا السياق يمكن الحديث عن تصورين؛ أولهما أن تتم تسوية الأزمة بعد أن يتم الضغط على الدوحة لتقليص نفوذها بالمنطقة وأخذ تعهدات منها بعدم المخالفة للإجماع الخليجي الذي يقرره الثنائي (السعودي-الإماراتي)، بناءًا على اتفاق الرياض الذي سبق الإشارة إليه، وهو ما أشارت إليه بعض المصادر والتي أوضحت تمسك الرياض بهذا الاتفاق مع خطوات جدية لتنفيذه، وهذا بالطبع يتوقف على مدى التنازل الذي يمكن أن يقدمه كلا الجانبين.

أما السيناريو الثاني فهو استمرار التوتر على المدى البعيد وما يتبعه ذلك من تداعيات خطرة على رأسها تحول الدوحة المحتمل لفتح قناة اتصال معلنة مع طهران، الأمر الذي يهدد وحدة مجلس التعاون الخليجي فعلًا.

الساعات القادمة حُبلى بالكثير..