مارس/ آذار 2015: حماس عربي منقطع النظير لبتر الذراع الإيرانية في اليمن، الأمير الشاب محمد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي حينئذ، يقود المعارك ويدير التحالفات تحت رايته، يخط بيده طريقًا إلى خلافة والده، ويرسم للمملكة السعودية موقعًا على رأس النادي العربي الممزق.

تركز الهدف من التحرك العسكري على دعم حكومة هادي ضد انقلاب الحوثي – صالح، والحفاظ على الوحدة اليمنية في ظل حكومة الرئيس هادي. لكن في أبريل/نيسان بعد عامين من التدخل، أعلن محافظ عدن المُقال عيدروس الزبيدي تشكيله المجلس الانتقالي الحنوبي. بهذا التحرك، ضرب الزبيدي بوحدة اليمن عرض الحائط. تدعمه دولة الإمارات وقوات الحزام الأمني التابعة لها وعلى رأسها نائبه هاني بن بريك.

شق بيانه التأسيسي الداعي لانفصال الجنوب صف التحالف العربي وحكومة هادي، لتبدأ أولى جولات الصراع العلني بين عبد ربه منصور هادي والإمارات العربية المتحدة، ثاني أكبر قوة عسكرية ضمن ما يسمى بتحالف دعم الشرعية. ورغم أن كثيرًا من التصرفات الإماراتية قبل هذه النقطة المحورية كانت لها دلالات حول مطامع الإمارات في اليمن، إلا أن انفصال الجنوب جعل القتال على عدن ومينائها صريحًا بين مجموعتين محسوبتين على التحالف العربي، الحزام الأمني المدعوم إماراتيًا وقوات عبد ربه منصور هادي، المفترض أنه يتمتع بدعم وتأييد التحالف العربي ليعود إلى السلطة.

قبل أيام، وبينما كان رئيس وزرائه أحمد بن دغر في زيارة إلى محافظة أرخبيل سقطرى الجنوبية، كانت الطائرات العسكرية الإماراتية تحوم فوق الجزيرة، وتحط بُعدتها وعتادها دون تنسيق مع دولة رئيس الوزراء، تصرفٌ له دلالته.

لمن تتبع هذه الجزيرة؛ للحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، أم لدولة الإمارات التي دخلت اليمن من بوابة إعادة الشرعية؟ تقول صحيفة الإندبندنت البريطانية إن الجزيرة الجنوبية باتت الإمارة الثامنة لدولة خليجية من دول التحالف، هي الإمارات، فإليكم تفاصيل الحكاية.


ملحمة إماراتية على الساحل الغربي

لا يخفى على أحد أن للإمارات أطماع جيوإستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط، عنوانها شركة موانئ دبي العالمية، التي تسعى الإمارات من خلالها لمناطحة الكبار، الولايات المتحدة الأمريكية والصين. وكما هو معروف ففي أتون معارك الكبار لابد من ضحايا، انتقت الإمارات ضحاياها بعناية، وهم من الدول الصغيرة، أو تلك الدول التي أحدث فيها الانقسام السياسي ضعفًا وتشظيًا.

جيبوتي أبرز دول القرن الأفريقي التي وضعتها الإمارات على خرائطها، لم تكن السيطرة عليها سهلة، حيث حصلت الإمارات على امتياز إدارة ميناء دورالي في 2005 لمدة 50 عامًا، إلى هنا يبدو الأمر طبيعيًا.

خريطة شبه الجزيرة العربية ومضيق باب المندب

ما لم يكن طبيعيًا أن تذهب 20% من أرباح الميناء إلى عبد الرحمن بوري (مدير الموانئ الجيبوتية السابق، ومهندس عملية السيطرة الإماراتية على الميناء عام 2005)، وسلطان أحمد بن سليم، مدير موانئ دبي العالمية، ولا يفوت الإمارات أن تُعد الخطة البديلة، فبدلًا من عقد الصفقات مع أنداد في الحكومة الحالية، ما المانع أن نزيح هذه الحكومة ونأتي بحكومة أتباع تضمن استقرار الأوضاع ودوام التبعية؟

وهو بالفعل الدور الذي يقوم به عبد الرحمن بوري من الخارج، حيث يقود جبهةً لمعارضة الحكومة من دولة الإمارات. عام 2012 حاولت الحكومة الجيبوتية رفع دعوى قضائية لرد حقها في الأرباح، لكن الإمارات ردت بأن توزيع الأرباح حق أصيل لإدارتها ولا شأن للحكومة الجيبوتية به.

عام 2014 بدا الميناء متدهورًا جدًا، بدأت السفن في مغادرته وصرف الأنظار عنه، حتى أخذت حكومة جيبوتي قرارها بفسخ التعاقد، لكن التحكيم الدولي عام 2016 كان مع صحة موقف الإمارات القانوني، ما أعاد الميناء لأبو ظبي وغرم حكومة جيبوتي ماليًا.

الفصل الثالث والأخير من السجال الإماراتي الجيبوتي،أُسدل ستاره فبراير/ شُباط الماضي بعدما أصدرت الحكومة الجيبوتية قرارها بطرد العمالة الإماراتية وسحب الامتياز الإداري من يد موانئ دبي، لتفتح صفحة جديدة من النزاع القانوني الذي توعدت الإمارات بالعمل عليه في قادم السنوات.

ما حدث مع جيبوتي تكرر في الصومال.وقّعت الإمارات مع جيبوتي مذكرة تفاهم بموجبها تقوم الإمارات بتدريب القوات الصومالية في إطار تعزيز الجهود العسكرية بين البلدين، لكن الإمارات لم تحفظ هذا التعزيز وذهبت للاتفاق مع إقليم أرض الصومال (مناطق شمالي الصومال أعلنت انفصالها من جانب واحد منذ العام 1991) على إدارة ميناء بربرة، في البحر الأحمر.

الاتفاق تم بين الإمارات وإقليم أرض الصومال الانفصالي وإثيوبيا كدولةٍ ضامنة، على أن توزع الأرباح بنسب 51% : 30% : 19% على الترتيب. الاتفاق تم بعيدًا عن الحكومة المركزية في مقديشيو، ولدى اعتراضها تبجح سلطان أحمد بن سليم، مدير موانئ دبي العالمية، بقوله إن أرض الصومال دولة مستقلة منذ 1991، وأن اعتراض الحكومة المركزية مجرد تصريح لن يؤثر على خطط بلاده الاستثمارية.

ضاقت الصومال ذرعًا بهكذا تصرف لانتقاصه من السيادة الصومالية، وفي الشهر التالي ضبطت الحكومة حقيبتي أموال في طائرة إماراتية خاصة، يبلغ إجمالي ما فيهما 10 ملايين دولار، لا تعلم عنهم الحكومة الفيدرالية أي شيء، ما حفزها للتحفظ على الأموال ودعوة الجنود الإماراتيين لمغادرة الأراضي.

لدى خسارتها في حيبوتي مع بدء التوتر بين الحكومة الفيدرالية وحكام الإمارات، صُرفت أنظار الأخيرة إلى إريتريا، وليس أسهل من الدخول إلى دولة محاصرة دوليًا، ومحظورٌ توريد الأسلحة إليها، فضلًا عن سفر مسؤوليها الكبار إلى الخارج، بسبب ممارسات نظام أسمرا في الداخل والجوار الأفريقي، من دعمٍ لحركات التمرد في الصومال وجيبوتي.

حصلت دولة الإمارات على عقد إيجار لمدة 30 عامًا للاستخدام العسكري لميناء عصب العميق ذي الموقع الإستراتيجي، ومطار عصب المجاور له مع مدرج بطول 3500 متر، يمكن لطائرات النقل الكبيرة الهبوط عليه، وتأتي المساعي الإماراتية في ظل تزايد الأهمية الإستراتيجية لميناء باب المندب، كممر رئيسي للنفط المنقول بحرًا.

كانت هذه أبرز محطات التفاعل الإماراتي على الساحل الغربي للميناء، الساحل الأفريقي الفقير والممزق، قصةٌ أخرى سطرتها الإمارات هناك على الشاطئ الشرقي، في اليمن الذي كان ذات يومٍ سعيدًا.


الطريق إلى سقطرى كان طويلًا

«دم العنقاء» شجرة نادرة في سقطرى

بعيدًا عن عدن ومينائها اللذين هما منذ أشهر موضع للخلاف اليمني الإماراتي، وموطن لصراع عسكري تحت راية التحالف العربي، بين قوات الحزام الأمني الإماراتية الدعم وقوات الرئيس هادي وحكومته، ثمة أخبار جديدة وبؤرة نزاع أخرى تبرز على الساحة اليمنية، في محافظة أرخبيل سقطرى الساحلية.

تتألف المحافظة من 6 جزر بالقرب من ميناء عدن، سقطرى هي أكبر هذه الجزر وأكبر الجزر العربية عمومًا، بمساحة إجمالية طولها 125 كم وعرضها 42 كيلو مترًا. وهي الجزيرة المصنفة كأحد مواطن التراث العالمي، حتى اختارتها صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية كأجمل جزيرة في العالم لعام 2010.

لم يكن المشروع الإماراتي للسيطرة على الجزيرة وليد اليوم، فقبل عشر سنوات زارها رجل الأعمال الإماراتي محمود فتح علي آل خاجة، لمباشرة نشاطاته الخيرية لسكان الجزيرة، من بناء المساكن الجديدة ودعم الحاجيات اللوجيستية من مياه وكهرباء وشبكات للاتصالات مستغلًا حاجة أبناء الجزيرة في ظل انصراف الحكومة المركزية عنهم إلى محافظات الشمال اليمني.

في مرحلةٍ تالية انصبّ هم آل خاجة على تملك الأراضي، والسيطرة على المسؤولين من خلال ما يقدمه لهم من هدايا لضمان تسهيلاتٍ لنشاطاته المتعاظمة.ترصد جريدة العربي الجديد – وفقًا لما قالت إنها مصادرها – هدايا قدمها رجل الأعمال الإماراتي لمسؤولي المحافظة، تمثلت في سيارات فارهة، سيارتين من نوع «ستيشن لكسز» للمحافظين السابقين سعيد باحقيبة، وسالم السقطري، الذي أقيل عقب انضمامه للمجلس الانتقالي.

كذلك أهدت الإمارات سيارة من النوع ذاته للمحافظ الجديد أحمد عبد الله السقطري. وتجاوز شراء الذمم المحافظين إلى مدراء المرافق الحكومية وبعض القيادات العسكرية ومشايخ القبائل، فضلًا عن قيادات في الحراك الجنوبي. في هذا الصدد، تكفّلت الإمارات ببناء منازل المحافظين السابقين، السقطري وباحقيبة، فضلًا عن مدير عام مديرية حديبوه، عاصمة المحافظة، وقيادي آخر في الحراك الجنوبي.

زاد الاهتمام الإماراتي بالجزيرة مع دخول التحالف العربي إلى اليمن، ورغم أن الجزيرة بعيدة كل البعد عن مواطن الاشتباكات المسلحة إلا أن الجنود الإماراتيين وصلوها في نوفمبر/ تشرين الثاني 2015 من باب العمل الإنساني بعدما ضرب سواحل الجزيرة إعصاري تشابالا وميغ، معهم مندوب مؤسسة خليف الخيرية، خلفان مبارك المزروعي، المكنى بـ «أبو مبارك»، ويُعد أبو مبارك مذ وصل إلى الجزيرة بمثابة المندوب السامي الإماراتي على مقاطعة أرخبيل سقطرى.

بوتيرة متسارعة زاد النشاط الإماراتي على الجزيرة، وأمسك الجنود الإماراتيون بزمام أمن المحافظة ونقاط التفتيش، أنشأت الإمارات قوة عسكرية تحت المسمى «القوات الخاصة»، سيطرت على مطار سقطرى أمنيًا وإداريًا، ويديره حاليًا الضابط الإماراتي سعيد الكعبي، أبرز معاوني المزروعي.


محاولات هادي لمناكفة الإمارات

سقطرى, شجرة دم العنقاء, نباتات نادرة

انتقل الصراع مع إعلان عدن الانفصالي من ثنائية عبد ربه هادي – الحوثي، إلى عبد ربه هادي – الإمارات، ومع تزايد النشاط الإماراتي وجدت حكومة هادي نفسها مدفوعة لاتخاذ خطوات على الأرض لمجابهة النفوذ الإماراتي وتقويض مساعيه في الجنوب.

ويواجه المجلس الانتقالي الجنوبي بزعامة الزبيدي أزمة ثقة، حيث تراجعت إلى حدٍ كبير شعبيته في الجنوب بعدما فشل في تحقيق وعوده بإسقاط حكومة بن دغر التي عادت مؤخرًا إلى عدن بوصاية سعودية بعدما حُسمت المعركة العسكرية لصالح الحزام الأمني.

كذلك فإن أعضاء المجلس الانتقالي يبدون كدُمى تحركها الإمارات، وهي الثغرة التي تحاول حكومة هادي اختراقها وخلق كيان جنوبي موازٍ على أمل سرقة التمثيل من تحت أقدام المجلس الانفصالي، فكان تأسيس الائتلاف الوطني الجنوبي، كأول مكون جنوبي تألف قبل نحو شهر من 63 شخصية مؤيدة للرئيس هادي وللحكومة المعترف بها دوليًا، ورؤيتها لحل القضية الجنوبية، وبغض النظر عن فاعلية هذه الخطوة فإنها تَجلٍّ للصراع الذي بدا محتدمًا بين حكومة هادي ودولة الإمارات.

الصورة الأخيرة من صور الصراع تمثلت في زيارة رئيس الوزراء أحمد بن دغر لجزيرة سُقطرى الجنوبية، ما استفز الإمارات التي استقبلته بتحليق للطيران العسكري إبان زيارته والتصرف كما لو كانت سلطة احتلال بعملية إنزال لجنود ومعدات عسكرية في محيط مطار سقطرى دون التفاهم مع الحكومة أو السلطات المحلية، وهو التصرف الذي أعاد التوتر إلى الواجهة بين الحكومة ودولة الإمارات، فيما تدخلت السعودية للتوصل إلى تفاهمات بين الطرفين.

قد تنجح السعودية في التوصل لتهدئة بين الطرفين كما فعلت من قبل في عدن، بعدما نجح الحزام الأمني المدعوم إماراتيًا في السيطرة على الشارع وأقرت السعودية بقاء الحكومة في العاصمة المؤقتة، لكن المكوّن الإماراتي بات الأقوى في جنوب اليمن وهو ما يشكل عقبة كؤود في طريق التآم شطريها، الشمالي والجنوبي، غير أن التوترات في الجنوب ستؤدي إلى استقرار أوضاع الشمال في ظل سيطرة جماعة الحوثي.