هل أتاك نبأ ما يحدث في مسلمي بورما، ألم يُصبك الصمت الدوليّ بالحيرة حول المعايير التي تختار الدول الغربية على أساسها التعاطف مع شعبٍ دون آخر، أو كيف تستطيع الحكومات الأجنبيّة أن تتعايش مع هذه الازدواجية المفضوحة؛ «حرب الأفيون» تُجيبك أنه ليس هناك ازدواجية في المعايير على الإطلاق، لأنها ليست معايير أصلًا، إنما معيارٌ واحد هو «المصلحة».

صدق أو لا تُصدق، الأسطول البحري الأكبر في العالم، والتابع للإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، يشق الأمواج المتلاطمة وسط طبول الحرب التي لا تهدأ، متجهًا إلى الإمبراطورية الصينية لكي يُلقنها درسًا جديدًا من دروس الحضارة البريطانية، ويعاقبها على قرارها بـ«تجريم تجارة وتعاطي الأفيون».


لا شيء يعلو فوق صوت «الميزان التجاري»

السفن المحملة بالمعادن التابعة لشركة الهند الشرقية تدمر قوارب حربية صينية (7 يناير/كانون الثاني 1941)

يبدو أن القيم الإنجليزية لم تكن قد نضجت بالشكل الكافي لجعل كِفتها ترجح أمام كِفة عجز الميزان التجاري الأجنبي، فمع دخول بريطانيا عصر الثورة الصناعية ازدادت القدرة الإنتاجية لعمالها، وصار لزامًا عليها أن تبحث عن أسواق لتصريف منتجاتها،فطلب الملك «جورج الثالث» من إمبراطور الصين «شيان لونج» فتح موانئ الصين أمام البضائع البريطانية. أجابه «لونج» بأن الإمبراطورية الصينية السماوية لديها كل ما تحتاجه، وأنّ بلاده ليست بحاجة إلى استيراد أي بضائع أخرى. واتبع «لونج» سياسة الانغلاق هذه خوفًا من تمدد أي نفوذ أجنبي داخل بلاده إذا اعتمدت عليه الصين في منتجات معينة.

وبهذا لم تستطع بريطانيا تصدير سوى عدد قليل جدًا من المنتجات إلى الجانب الصيني، إضافةً إلى اضطرار التجار البريطانيين لدفع ثمن ما يشترونه من الصينيين نقدًا بالفضة بدلًا من المقايضة التي اعتادوها، مما تسبب في فرار مخزون كبير من الفضة إلى الصين واستنزافها من الجانب البريطاني. هنا شعرت بريطانيا بالتهديد أمام هذه الإمبراطورية المُنغلقة، والتي تبتلع الفضة البريطانية دون أن تستطيع بريطانيا الاقتصاص منها، إلا أنّ حلًا سحريًا برق في الأذهان.

أوعزت بريطانيا إلى شركة «الهند الشرقية» التابعة لها والمُحتكرة الوحيدة للتجارة مع الصين بزراعة مساحات كبيرة من المناطق الوسطي والشمالية الهندية بالأفيون وتهريبه إلى الصين. وبدأت بشائر نجاح الخطة الجُهنميّة في الظهور؛ إذ تم تصدير أول شحنة من الأفيون عام 1817.

وبدأ الشعب الصينيّ في إدمان الأفيون شيئًا فشيئًا حتى ظهرت آثار الحالة الاجتماعية والاقتصادية للشعب الصينيّ، فكان 90% من الرجال دون سن الأربعين قد أدمنوا الأفيون، وصار إجمالي مُدمني الأفيون قريبًا من 12 مليون صيني، وصارت وارادت الأفيون تُمثل 57% من وارادت الصين، فاضطر الإمبراطور «يونغ تشينج» إلى إصدار مرسومٍ يقضي بتجريم استيراد المخدارت عام 1829، ولكن شركة «الهند الشرقية» لم تلتفت إلى هذا المنع، واستطاعت أن تحصد ما يُقدر بـ 34 مليون دولار من الفضة خلال فترة 1830-1840.

أرى أن هذه الحرب شريرةٌ إلى درجة اعتبارها خطيئة وطنية من أعلى الدرجات، وهي تصيبني بهذا الأسى العميق. فهل هناك أي شيءٍ يمكن فعله لإيقاد عقول الناس إلى هذا الذنب المروع الذي نقترفه؟ أنا فعلاً لا أذكر أني قرأت في التاريخ كله عن حرب اشتملت على هذا القدر من الظلم والخسة مثلما اشتملت عليه هذه الحرب
توماس أرنولد – مؤرخ بريطاني

ضريبة حماية الأرض

ضاق الإمبراطور الصينيّ بما آلت إليه الأحوال، فأرسل أحد قاداته «لين زي شو» ومنحه تفويضًا كاملًا بفعل ما يشاء لإيقاف هذه الجريمة. حين وصل الضابط الشاب إلى ميناء «كانتون» الموطن الرئيسي للسفن البريطانية ومنبع التهريب، رفع تقريرًا مباشرًا إلى الإمبراطور بأن الأوضاع إذا ما ظلت كما هي فإن الصين لن تكون قادرةً في غضون عدة أعوام على تجهيز جيشها ماديًا، وإن فعلت فلن تجد جنودًا.

فقام «شو» باعتقال 1600 شخص، ومصادرة 11 ألف كيلوجرامًا من الأفيون، ووضع جميع تجار الأفيون تحت الإقامة الجبرية حتى اضطروا إلى تسليم ما قيمته 9 ملايين دولار من المخدرات قام بحرقها علنًا، وأعلن المنطقة منطقةً محظورةً عليهم. وهنا تخلت بريطانيا عن كامل أقنعتها وقررت أن تخوض حربًا صريحةً من أجل إجبار الصين على فتح أبوابها مرةً أخرى لتجارة الأفيون،فقام الأسطول البريطاني بالتحرك إلى السواحل الصينيّة في بدايات عام 1840، في 42 سفينة حربية ضخمة و4000 جندي، ليواجه 880 ألفًا جنديًا صينيًا، تحت شعار «الحفاظ على حرية التجارة».

ورغم الكثرة العديدة إلا أن الأسطول البريطاني استطاع في فترة وجيزة أن يحتل ميناء «كانتون» لتفوقه العسكريّ التخطيطي، ولتفوقه من حيث الآلات والمدافع المُتطورة، وبسبب خيانة الضابط «كي شان» الذي حل محل «لين شو» والذي ترك الدفاع عن الميدان مقابل 6 ملايين دولار من الفضة. وفي يناير/كانون الثاني 1841 أضحى الأسطول مسيطرًا على أراض مرتفعة حول الميناء، ومن ثم اكتسح عددًا من المدن الصينية حتى صار على مشارف القصر الإمبراطوريّ، فاضطرت السلطات الصينية إلى توقيع عدد من الاتفاقيات المُذلة وغير المتكافئة في أواخر عام 1842.


الحرية، الإخاء، المساواة

عدد من الصينيين يدخنون الأفيون

اضطرت الإمبراطورية السماوية بموجب «معاهدة نانكينج» (29 أغسطس/آب 1842) إلى التخلي عن جزءٍ كبير من الساحل الغربي الصيني، ليخضع للسلطة الأجنبية، ثم بموجب مُعاهدة تكميلية اضطرت إلى التخلي عن «هونج كونج» لصالح بريطانيا، وقامت بفتح 5 موانئ بحرية للتجارة الخارجية، ودفعت الصين 9 ملايين دولار كتعويض للتجار الذين أُحرق أفيونهم، وقامت كذلك بتخفيض الجمارك إلى 5% فقط. وذهبت بريطانيا إلى أبعد من ذلك وحصلت على تحصينٍ للتجار التابعين لها من الخضوع أمام القضاء الصيني.

حينها دخلت إلى الصورة فرنسا والولايات المُتحدة، وطالبتا بالمساواة ببريطانيا، وبالحرية في تجارة الأفيون، وبالإخاء بين الشعوب في صورة استرقاق مزيد من الخنازير – اللقب الذي كانت تطلقه الدول الغربية على العمال الصينيين – ولهذا اقترحتا تعديلًا على معاهدة «نانكينج» يمنحهم حقًا في حرية الدخول لأي جزءٍ من الإمبراطورية، بجانب الملاحة في نهر «اليانجستي» أطول أنهار الصين، إضافةً إلى تقنين تجارة الأفيون و«الخنازير»، كما طالبوا بإنشاء علاقات دبلوماسيةٍ مع بكين.

ولم تكن الصين لترضى بذلك، ولما كانت الصين فاقدةً للقدرة على الرفض لجأت إلى المماطلة عبر المحاكم لتأجيل تنفيذ الاتفاقية، طالت المماطلة أعوامًا، فأيقنت بريطانيا أنّها بحاجة إلى إقناع الصين بضرورة تنفيذ المعاهدة، وعلمت أن الحرب الأولى لم تكن مُقنعةَ بالشكل الكافي. اكتفت بريطانيا بإغراق الصين بالأفيون والحصول على الفضة في مقابله لعدة أعوام، ولكنّها في تلك الأثناء ظلت تبحث هي وفرنسا عما تكون الحجّة الجديدة لخوض حرب ثانية؟


الحرب الثانية

زعمت بريطانيا أن السلطات الصينية اعتدت على سفينةٍ تجارية تحمل علمها عام 1856. والحقيقة أن العادة آنذاك جرت أن تقوم السفن الصينية بتسجيل نفسها ضمن السجلات البحرية البريطانية كنوعٍ من الحماية، إذ كان القراصنة يهابون العلم البريطانيّ. وكانت السفينة المعنية والتي تحمل اسم «السهم» تُقل عددًا من المطلوبين للعدالة، فأمرت السلطات الصينية باعتقالهم، فتذرعت بريطانيا بذلك لخوض حرب جديدة. ودخلت فرنسا مرةً أخرى لكن هذه المرة من البداية، إذ زعمت أن مُبشرًا مسيحيًا كان ضمن الموجودين على السفينة وقامت السلطات الصينية بقتله، فتدخلت فرنسا لأجل الثأر له، ومن أجل ترسيخ مبدأ حرية الدعوة إلى المسيحية.

طالبت بريطانيا الإمبراطور بالاعتذار الرسميّ عما حدث، ولكن قُوبل الطلب بالرفض القاطع، فنشبت الحرب الثانية، حربٌ أشد ضراوة من الأولى، فسارع نائب الإمبراطور إلى عرض التفاوض، إلا أن بريطانيا رفضت؛ إذ كانت تريد التفاوض مع الإمبراطور شخصيًا، وأن توقع المعاهدة الجديدة في قلب القصر الإمبراطوري، وهو ما لاقى استهجانًا شديدًا من الجانب الصينيّ، إلا أن المدافع البريطانية – الفرنسية أقنعته أن الأمر ليس بالمشكلة الكبيرة، فوافق.

تم توقيع «معاهدة تيان-تسن» عام 1858، وحصلت الدول الأجنبية على ما حاربت لأجله عشرين عامًا؛ حرية تجارة الأفيون، وفتح أحد عشر ميناء صينيًا لذلك، وحق إنشاء السفارات في بكين، وحق فرنسا في إرسال بعثات تبشيرية، وحماية من يدخل في المسيحية من الشعب الصيني.


الضربة القاضية

عاد الصينيون إلى محاولات التملص من بنود الاتفاقية الجديدة ومنع التوقيع عليها من حكومة بكين، فعادت بريطانيا وفرنسا إلى طريقتهما المُعتادة في إسراع الأمور، فوافق الصينيون على منح الأجانب الذين يحملون جوازات سفر أجنبية حرية التجول مجانًا في الصين عام 1859.

لكن رفض الصينيون إقامة أي سفارات أجنبية في بكين، فتحرك الجيش المُشترك هذه المرة دون الاهتمام بإيجاد قناع للاختباء وراءه، كما لم يخض الجنود حربًا حقيقة هذه المرة، بل حاربوا كالعصابات. دخلت القوات المٌشتركة القصر الإمبراطوري عام 1860، ففر الإمبراطور «شيان»، وترك أخاه «قونج» ليحل محله، واستمرت أعمال النهب أربعة أيام كاملة، انتهت بإحراق القصر. ولتضع الحرب أوزارها بشكل نهائي اضطر الإمبراطور «قونج» في 16 أكتوبر/تشرين الأول 1860 إلى توقيع إتفاقية أشد إذلالًا من كل ما سبقها، دفع بموجبها أموالًا طائلة للحكومتين، ومن أشد ما جاء فيها فجاجةً هو الموافقة الصريحة على تصدير الخنازير –العمال الصينين- إلى الأمريكتين.

دخلت العصابتان البريطانية والفرنسية كاتدرائية آسيا. أحدهما قام بالنهب، والآخر قام بالحرق‏. وأحد هذين المنتصرين ملأ جيوبه والثاني ملأ صناديقه، ورجعا إلى أوروبا أيديهم في يد بعضٍ ضاحكين‏.‏ إن الحكومات تتحول أحيانًا إلي لصوص ولكنّ الشعوب لا تفعل ذلك‏
فيكتور هوجو

وبحلول عام 1861 كانت البعثتان الرسميتان البريطانية والفرنسية قد وصلتا إلى الصين، وتبعتهما بعثة روسيا ثم الولايات المُتحدة، لتتحول الصين بذلك من إمبراطورية مستقلة ذات اكتفاء ذاتي إلى مستعمرة تحكمها الدول الأربعة. وأيضًا وصل عدد المُدمنين إلى 120 مليون مُدمن بحلول عام 1878.


«الخنازير» في الجحيم العائم

لكي نرى وجهًا آخر من حقارة الحرب التي كافحت فيها فرنسا وبريطانيا والولايات المُتحدة ما يُقارب العشرين عامًا، دعنا نلقي نظرةً على المطلب الحيويّ للجيش المُشترك وهو «تجارة الخنازير». فبجانب العنصرية والخسة الواضحة التي تبرز من اختيار مصطلح «الخنازير» ليدل على شعب كاملٍ، تأتي مُلابسات النقل والتعامل مع العمال الصينيين؛ إذ كان يتم نقل العمال الذين تم الحصول عليهم إما بالخطف أو بالإغراء الكاذب، عبر سفن كبيرة إلى المناجم والمزارع ليحلو محل العبيد، رغم اعتراضات الحكومة الإمبراطورية الدائمة.

وبلغ عدد العمال الذين تم نقلهم إلى سان فرانسيسكو وحدها 100 ألف عامل، وكانت البرتغال وأستراليا وغيرهما من الدول تستقبل «الخنازير» عبر مقاولين يتقاضون نسبة على كل «رأس» يحضرونها. كانت عمليات النقل تتم في ظروف حيوانية، بلغت معدلات الوفيات فيها 50% من المنقولين، حتى عرفت تلك السفن باسم «الجحيم العائم».

ولم تهدأ الصين بعد ذلك يومًا، وظلت حالة من الغضب تغلي في نفوس المُتيقيظين من الشعب الصينيّ، ولكن كانت الأوضاع قد آلت تمامًا إلى ما أرادته الدول العظمى من أن تكون الصين تابعة للنفوذ الأجنبي، محتاجةً إليه، عاجزةً عن سد حاجاتها دون الاستيراد من غيرها.

وستبقى حرب الأفيون صفحةً من أشد صفحات التاريخ عامةً، وتاريخ الدول المُشاركة فيها خاصةً، سوادًا. سواء كانت سوداء بدخان المدافع، وطلقات البارود، أو سوداء بدخان الأفيون الذي رَعت بريطانيا وفرنسا والولايات المُتحدة وروسيا توزيعه ووصوله إلى أيدي شعبٍ كامل.