هذا المحتوى برعاية «مستقل»؛ أكبر منصة للعمل الحر في العالم العربي.

تشير الإحصائيات التي قام بها موقع CIB Insights إلى فشل 42% من الشركات الناشئة بسبب عدم وجود احتياج في السوق إلى المنتجات أو الخدمات التي تُقدمها، ولعل السبب في هذا الأمر يعود لأن الشركات تفترض أن منتجاتها تناسب العملاء. لذلك فعلى الشركات العمل دائمًا محاولة التأكد من ملاءمة ما تقدمه مع عملائها، وهذا يمكن أن يحدث من خلال استخدام نموذج «مخطط القيمة المقدمة (Value Proposition Canvas)»، والذي يساعد الشركة في التعرف على عملائها وفهم احتياجاتهم جيدًا.

كيف يمكنك الاستفادة من مخطط القيمة المقدمة في مشروعك؟

تمثل القيم المقدمة جزءًا رئيسيًّا من مخطط نموذج العمل التجاري (Business Model Canvas) للشركات، ويرتبط دائمًا مع الجزء الخاص بشرائح العملاء. وكلما كانت القيم تناسب العملاء واحتياجاتهم، ساعد هذا الشركة في إيجاد مصادر لتحقيق الإيرادات من العملاء، وهذا يعني ضرورة اهتمام الشركات بالتخطيط الجيد للقيم المقدمة وكيفية ملاءمتها لشرائح العملاء المستهدفين.

تتكون أداة «مخطط القيمة المقدمة» من جزأين رئيسيين، الأول هو الخاص بشرائح العملاء ويُسمى بـ «ملف العميل» ويمثل مجموعة من خصائص العملاء التي تفترضها ثم تحاول التأكد منها في السوق. والآخر هو «خريطة القيمة» ويختص بالقيم المقدمة التي تصممها لتناسب شرائح العملاء المستهدفين في فكرتك، ويتم بواسطة هذه الأداة التأكد من ملاءمة هذه القيم مع العملاء.

يمكنك تطوير مخطط القيمة المقدمة الخاصة بك بمفردك، أو بالاستعانة بخبرات المختصين في الاستشارات والأعمال الإدارية عبر موقع مستقل، حتى تضمن تحقيق الاستفادة القصوى من المخطط، وبالتالي تقطع شوطًا نحو التأكد من فاعلية القيم التي تقدمها للعملاء، وإمكانية تحقيق الربح من المشروع.

مخطط القيمة المقدمة Value Proposition Canvas

1. ملف العميل «Customer profile»

تأتي قوة مخطط القيمة المقدمة في قدرته على مساعدتك في فهم احتياجات عميلك بشكل كامل، حيث إن العميل هو محور نجاح الشركة، وكلما كان بإمكانك دراسته جيدًا ومعرفة الخصائص التي يتمتع بها، كنت أقدر على تطوير القيمة التي تقدمها له لتناسب احتياجاته كليًّا. ولهذا تكون البداية من ملف العميل، والذي يمثل وصف شريحة عملاء محددة من نموذج عملك التجاري، ويقسم حالة العميل إلى ثلاثة أجزاء: أعمال ومتاعب ومكاسب.

عند إعداد ملف العميل حاول ألا تمزج أكثر من شريحة عملاء في نفس الملف، لأن كل شريحة لها تفاصيل مختلفة حتى لو كانت القيمة المقدمة متشابهة في تصورك، وكذلك يجب ألا تجهِّز الملف بوضع قيمتك المقدمة في الحسبان، فلا تضع فقط متاعب ومكاسب تؤمن بأن مشروعك سيعالجها، بل تعمَّق في كل ما يخص العميل، فهذا يخلق فرصًا أكبر لتطوير القيم المقدمة في المشروع.

1. أعمال العميل «(Customer job(s»

تصف أعمال العميل المهام التي يحاولون إنجازها في حياتهم والاحتياجات التي يقومون بإرضائها من خلال استخدامهم لمنتج معين، وبالتالي من المهم معرفة جميع الأعمال التي تتعلَّق بالمنتجات أو الخدمات التي تنوي تقديمها للعملاء. يمكن تقسيم الأعمال إلى ثلاث أجزاء رئيسية:

  • أعمال وظيفية: المهام الفعلية التي يحاولون القيام بها وتنفيذها.
  • أعمال اجتماعية: الكيفية التي يرغب العملاء في أن يراهم بها المجتمع من حولهم.
  • أعمال عاطفية: الحالة العاطفية التي يحاول العملاء الوصول إليها، مثل الشعور بالراحة والأمان.

لا توجِّه اهتمامك للأعمال الوظيفية فقط، بل حاول كتابة مزيج من الثلاثة طبقًا لمشروعك. في مشروع مثل Uber سنجد الأعمال التي يشملها ملف العميل الخاص بهم تتركز في الآتي: التواصل مع خدمة تاكسي جيدة، التحكم في تكلفة الرحلة، انتظار فترة غير محددة لحين وصول الكابتن، دفع ثمن الرحلة.

2. متاعب العميل «Pains»

تصف متاعب العميل الأشياء التي تزعجه خلال محاولة إنجاز الأعمال المختلفة، سواء كان ذلك قبل البدء في تنفيذها، أو خلال عملية التنفيذ، أو بعد الانتهاء منها. قد تشمل المتاعب مجموعة من الصعوبات في أعمال العميل الوظيفية (عدم فاعلية المنتج)، أو الاجتماعية (شعور العميل بأنه يبدو سيئًا عند قيامه بالشكل الحالي من الأعمال)، أو الشعورية (نقص الشعور بالأمان والراحة عند تنفيذ هذا العمل). تضم المتاعب أيضًا العقبات التي تحيل دون البدء في تنفيذ العمل، مثل قلة الوقت المتاح لتنفيذه.

اجعل المتاعب ملموسة قدر الإمكان، حتى يمكنك تحديد إلى أي مدى ستكون قادرًا على معالجتها في مشروعك، وكذلك يجب التأكد من درجة الأولوية أو الأثر لهذه المتاعب على عميلك، فمع كونها تؤثر عليه سلبًا، لكنَّها قد تكون خارج محور اهتمامه حاليًّا، أو أنَّها لا تؤثر عليه بدرجة كبيرة، وبالتالي فهو لن يهتم بالبحث عن حلول أخرى في الوقت الحالي.

في أوبر، متاعب العميل تتلخص في أربع نقاط رئيسية: نقص نسبة الكباتن المتوفرين لتقديم الخدمة، الحاجة إلى حجز كابتن مقدمًا، التجارب السيئة المحتمل حدوثها مع الكباتن في الرحلة، حدوث مشاكل في الدفع للخدمة.

3. مكاسب العميل «Gains»

من المهم إدراك الفارق بين المتاعب والمكاسب، فكثيرًا ما يحدث الخلط في تصور أن المكاسب هي حلول للمتاعب دائمًا، في حين أن العميل يتوقع حل جميع متاعبه كجزء من الخدمة، فلا تصبح مكسبًا بالنسبة له لمجرد حدوث الحل. على سبيل المثال، تخيَّل أنك ذهبت لطلب قهوة قبل ذهابك للعمل، وتوقعك أنَّها ستصل إليك في 5 دقائق من وقت الطلب.

لو أن الأمر استغرق 10 دقائق، فهذا يسبب ألمًا لك، أما إذا حدث هذا خلال 5 دقائق فعلًا، فإنك لا تعتبر هذا مكسبًا، لأن هذه هي الفترة المتوقعة من الأساس، بينما لو حصلت على القهوة في دقيقتين فقط، فهنا قد يُعد هذا مكسبًا، نتيجة أنك حصلت على ميزة إضافية وهي توفير الوقت.

إذًا فالمكاسب تصف النتائج والفوائد التي يريدها العملاء، لا مجرد الأعمال التي يتم تنفيذها، فبينما الأعمال هي المهام التي يجب القيام بها (مثل تناول الطعام)، فالمكاسب هي النتائج التي يرغبون في تحقيقها عند تنفيذ الأعمال (مثل الاستمتاع بالطعام)، وتشمل المكاسب فوائد في أعمال العميل جميعها، لا في جانب واحد فقط. تقسم المكاسب إلى أربعة تصنيفات رئيسية:

  • المكاسب المطلوبة: وهي التي من دونها لن يتوصل العميل إلى الحل، مثل تناول الطعام.
  • المكاسب المتوقعة: مكاسب أساسية نوعًا ما، حتى لو كان بالإمكان نجاح العمل من دونها، كوصول طلب الطعام إلى المنزل في وقت سريع.
  • المكاسب المرغوب فيها: مكاسب تتجاوز توقعات العميل من الحل، لكنَّه يرغب في وجودها إذا أمكن ذلك. في مجال الهواتف يذكر العملاء بأنهم يودون لو يحدث تكامل بين هاتفهم مع الأجهزة الأخرى التي يستخدمونها.
  • المكاسب غير المتوقعة: مكاسب تتخطى توقعات ورغبات العميل، حتى إنه لا يذكرها في توقعاته، فقبل ظهور شاشات اللمس في الهواتف، لم يكن العميل يتخيَّل وجود هذه الخاصية من الأساس.

كما هو الحال بالنسبة للمتاعب، فمن المهم جعل المكاسب ملموسة قدر الإمكان، حتى يمكنك تعريف درجة الرضا التي ستحاول تقديمها في مشروعك، مع النظر في الأولوية الحالية للمكاسب التي يرغب العميل في الحصول عليها، وكذلك الأثر الذي ينشأ عنها، حتى يمكنه قبول الحل المقدم في المشروع.

في أوبر تتلخص مكاسب العميل في أربع نقاط رئيسية: تتبع الكابتن لمعرفة توقيت وصوله، طلب الخدمة أو إلغائها بسهولة بضغطة زر، الدفع السريع، كباتن موثوق فيهم في الرحلة.

2. خريطة القيمة «Value Map»

بعد الانتهاء من إعداد الوصف الخاص بالعميل والتأكد من فهم احتياجاته، يمكنك البدء في تجهيز القيمة المناسبة لإرضاء هذه الاحتياجات، وإذا كنت تملك فكرة مسبقًا، فهنا يتم تطويرها للتأكد من أنها تلائم العميل، فالهدف هو الابتعاد عن الافتراضات، والعمل طبقًا للحقائق والمعلومات.

تشمل خريطة القيمة المنتجات والخدمات التي سيتم تقديمها للعميل، فقد يشمل المشروع على أكثر من منتج أو خدمة، فالمهم هو الوصول إلى الشكل الأمثل لتقديم القيمة للعملاء، مثلما تفعل أوبر التي تعرض مجموعة متنوعة من المنتجات والخدمات من بينها: تطبيق الهاتف لحجز الرحلات، UberX، UperPOP، Black Cap.

هذا لا يعني ضرورة توجيه الاهتمام إلى جميع متاعب ومكاسب العميل ومحاولة إرضائها في الوقت ذاته، بل يجب استهداف قيم محددة لتقديمها من خلال مشروعك بناءً على كونها تناسب واحدة من الفئات المستهدفة، وكذلك لكونها تأتي ضمن الأولويات الخاصة بالعملاء، بحيث يكون لديهم الرغبة في الحصول الحل الذي تقدمه لهم.

تقسم الوظائف التي تقوم بها منتجاتك وخدماتك إلى جزأين رئيسيين: مزيلات المتاعب «Pain Relievers» وهي تصف الكيفية التي ستخفف بها من متاعب العميل الواردة في ملفه، ومحققات المكاسب «Gain Creators» وهي تصف الكيفية التي ستقدم لعملائك من خلالها النتائج والفوائد التي يرغبون فيها.

فمن من ناحية مزيلات المتاعب لعملائها، تقدِّم أوبر في منتجاتها الخصائص التالية: توفِّر الكباتن في جميع الأوقات، التنبؤ بوقت الوصول والرحلة، نظام دفع بلا عيوب، معرفة تقييم السائقين. أما المكاسب فتتوفر في الخصائص التالية: تتبع مسار الرحلة على الخريطة، إضافة كارت للدفع من خلاله، نظام للتقييم، إمكانية إدارة جميع تفاصيل الرحلة في منصة واحدة.

3. الملاءمة «Fit»

تأتي الملاءمة في المرحلة الأخيرة من نموذج مخطط القيمة المقدمة، وتهدف إلى التأكد من أن خريطة القيمة تناسب ملف العميل، فتساهم في إزالة المتاعب الخاصة به وتساعده في تحقيق المكاسب، وبالتالي يمكن من خلال هذا الأمر تحقيق النجاح في المشروع. يمكن تقسيم الملاءمة إلى ثلاث مراحل رئيسية:

أ. ملاءمة المشكلة والحل: في هذه المرحلة أنت تملك الدليل على أعمال العميل والمتاعب والمكاسب الخاصة به، وذلك من خلال رحلة البحث التي قمت بها، وتكون قد صممت القيم التي تناسب العملاء على الورق، فتبدأ في الربط بينها من خلال مقارنة جزأي النموذج معًا، والتأكد من تقديم القيم التي تغطي جميع المتاعب والمكاسب والأعمال التي يقوم بها العميل إذا كان بإمكانك ذلك، أو على الأقل التركيز على أهمها طبقًا لفكرة مشروعك.

ب. ملاءمة المنتج والسوق: تعمل المرحلة الأولى بشكل نظري فقط، لكنك لا تملك فيها الدليل على اهتمام العملاء بمنتجك، وهنا يأتي دور ملاءمة المنتج والسوق، حيث محاولة الحصول على دليل بأن القيم التي تقدمها في المشروع تناسب العميل حقًّا، وتلقى قبولًا في السوق.

يمكنك البدء في تطوير الـ MVP الخاص بفكرة مشروعك، أي منتج بالحد الأدنى من الخصائص التي تنوي تقديمها، لتتأكد بواسطته من قبول العملاء للقيم التي تقدمها بصورة مبدئية، وبالتالي تحقيق الملاءمة المطلوبة أو اللجوء إلى التعديل في القيم مرة أخرى، وهنا لا تتمسك بافتراضاتك عن المشروع، بل اعمل دائمًا من أجل الوصول إلى أفضل تصور يناسب العملاء.

 ج. ملاءمة نموذج العمل التجاري: يكتفي البعض بمسألة قبول العملاء للقيم التي يقدمها في المنتجات أو الخدمات الخاصة به كدليل على النجاح، دون النظر في إمكانية تضمين هذه القيم ضمن نموذج عمل تجاري مربح وقابل للتوسع، فحتى مع نجاحك في الوصول إلى العملاء، لكن في النهاية الهدف هو خلق مصادر مناسبة للدخل يمكن الاستفادة منها في المشروع، وتكون قيمتها أعلى من قيم التكلفة التي تتحملها، فهذا ما يضمن تحقيق الأرباح، وبالتالي الاستمرارية في المشروع.

سواء كنت تنوي البدء في مشروعك قريبًا، أو حتى بدأت في التنفيذ الفعلي، تذكّر دائمًا أهمية جعل كل شيء يدور حول العميل وفهمك له ولاحتياجاته، وهذا ما سوف يساعدك في تقديم قيم تناسبه ويمكنك خلق الربح من خلالها. لذا يمكنك البدء في استخدام مخطط القيمة المقدمة كأداة رئيسية تضعك على الطريق لفهم عميلك وترافقك في رحلة النجاح لمشروعك.