من أين نبدأ؟ حسنًا صعد نادي برشلونة لنهائي كأس الملك، واقترب خطوة كبيرة نحو الفوز بثنائية محلية جديدة، حافظ، ليلة أمس، على مرماه نظيفًا وهز شباك عدوه اللدود ريال مدريد ثلاث مرات، وكل ذلك في ملعب الميرنجي وبين جماهيره. هل هذا كل شيء؟ بالطبع لا، هناك ما هو أكثر إثارة ودهشة وغرابة، وهو يكمن في التناقض المهول بين نتيجة المباراة وما حدث فعلًا داخل المباراة، بين كل شيء ولا شيء على الإطلاق، أهلًا بكم في عالم إرنيستو فالفيردي!


هبوط اضطراري

دعك من كلاسيكو البارحة، وتأمل قليلًا مسيرة السيد إرنيستو مع البلوجرانا. في الواقع مهمة تدريب برشلونة أمر صعب، فالمدرب محكوم بأسلوب لعب معين تبناه الفريق عبر سنوات طوال، ويؤدي عمله تحت ضغط دائم، ويلعب على الفوز بكل البطولات، ويقود فريقًا يكفي أنه يضم ليونيل ميسي.

هي تركة ثقيلة فعلًا، والحالة التي ترك عليها سلفه لويس إنريكي الفريق زادت الأمر صعوبة، برشلونة خسر الدوري وودع التشامبيونزليج مجددًا من دور ربع النهائي، كما أنه فقد جهود تشافي باعتزاله، وكان إنييستا على وشك اللحاق به، وبدأ مستوى ثالثهم بوسكيتس في التذبذب، قبل أن يضرب الإرهاق راكيتيتش، ويتحوّل بيكيه لمهاجم إضافي للخصوم يحتاج من يراقبه.

الإدارة كانت أمام عدة خيارات لخلافة اللوتشو: سامبولي، رونالد كومان، وارسين فينجر، لكن قراراها كان محسومًا لصالح إرنيستو فالفيردي. لماذا؟ هل لأنه يجيد اكتشاف وتصعيد اللاعبين الشباب كما فعل مع بلباو؟ أو ربما لأنه مدرب بارع في التعامل مع الميركاتو ويحدد أولوياته بناء على حاجة الفريق؟

ليس هذا أو ذاك. الإجابة ببساطة لأنه رجل مطيع، لن يسبب لها إزعاجًا يذكر. لن يطلب لاعبًا بعينه، أو يعارض التعاقد مع آخر لا يريده، وهذا تحديدًا ما تسعى إليه إدارة جوسيب بارتوميو: أن تتفرغ لإنهاء مشاريعها وصفقاتها المشبوهة دون ضوضاء، فتتعاقد مع جوميش بدلًا من جندوجان، وتقنع العالم أن كوتينيو هو خليفة إنييستا، وتحوّل باولينيو إلى مصدر لغسيل الأموال مع شركائها في الصين، وفوق كل ذلك ليس لديه مشكلة في تلقي كل الضربات الجماهيرية وتحمل كامل المسئولية حين تسوء الأمور.


لنجدد العهد يا فالفيردي

في مقابل كل تلك التنازلات، رفعت الإدارة عن كاهل إرنيستو بعض المسئوليات، فليس من الضروري أن يقدم أداءً مميزًا، دعك أساسًا من أسلوب لعب برشلونة فقد صار الآن رفاهية، ولن يتوجب عليه تحقيق إنجاز مدوٍ كالفوز بثلاثية كسلفه، وبالطبع لن يحاسبه أحد إذا لم يستفد من صفقة جديدة لأنه أصلًا لم يكن من اختارها.

واليوم يكون قد مر عامان على قدوم فالفيردي، عامان رأى بارتوميو أنهما كافيان ليجدد الثقة في إرنيستو الذي لم يستقر بعد على رسم تكتيكي واحد فيلعب تارة بـ4/4/2، وتارة أخرى بـ4/3/3، ولم ينتقل معه لاعب واحد من مستوى إلى مستوى أعلى اللهم إلا تير شتيجن، ربما لأنه صار يستقبل تسديدات أكثر، ولم يعرف بعد هل سيرجي روبيرتو لاعب وسط؟ أم ظهير؟ أم لاعب وسط متنكر في دور ظهير؟

موقع Statsbomb نجح في صياغة تلك العشوائية التي تميز حقبة فالفيردي في رسم بياني. يوضح هذا الرسم الأهداف المتوقع تسجيلها لصالح برشلونة مقابل المتوقع استقبالها في شباكه خلال المباريات بين 21 أكتوبر 2017 و21 أكتوبر 2018، لنكتشف أن الفريق وصل، مؤخرًا، لمعدل 1.7 هدف لصالحه، و1.4 هدف في مرماه، أي فارق +0.3 هدف فقط!

الرسم البياني يوضح الأهداف المتوقعة تسجيلها لصالح برشلونة باللون الأخضر، وتلك المتوقع تسجيلها في مرمي برشلونة باللون الأحمر. المصدر: موقع Statsbomb.


الكل يلعب لصالح إرنيستو

الغريب أن الرجل رغم كل ذلك يفوز، ويحقق البطولات المحلية واحدة تلو الأخرى، بالتأكيد لميسي وشتيجن وأومتيتي وبعض الأحيان سيرجيو بوسكيتس نصيب هائل من تلك الإنجازات، لكن العامل الأهم فيها هو خصومه الذين يلعبون لصالحه، بل ويهيئون الظروف حتى يسير فالفيردي بخطوات أسرع نحو منصة تتويج الليجا والكوبا ديل راي.

بالطبع تذكر كيف بدأ ريال مدريد الموسم الماضي بفقدان النقاط بسهولة، لتنتهي المنافسة على الدوري عمليًا لصالح برشلونة بقدوم ديسمبر وليس أبريل. في تلك الأثناء كان الأتليتي يودع كأس الملك بشكل غريب، بعد أن تخلى عن حظوظه لصالح إشبيلية في ربع نهائي البطولة، فاتحًا المجال أمام إنييستا ورفاقه لفوز سهل في النهائي.

هذا الموسم لم يختلف الوضع كثيرًا، رحل زيدان ثم تبعه رونالدو بشكل صادم وأتى لوبيتيجي، لكنه تحوّل لكارت محروق في بضعة أسابيع بعد أن فشل في تطبيق أفكاره التكتيكية، فهوى المدرب الإسباني بسرعة البرق بعدما فقد توازنه في الأسابيع الأولى، وقدم الليجا على طبق من فضة لبرشلونة.

وبقي لخليفته سانتياجو سولاري كأس الملك فقط لينازع السيد أرنيستو عليه، والحق أن سولاري هذه المرة لم يلعب أبدًا لصالح فالفيردي، بل إنه درس برشلونة تمامًا قبل مباراة العودة، ليلة أمس، وادخر أفضل حضور ذهني وبدني لأغلب نجومه من أجل التأهل للنهائي، وتفوق فريقه طولًا وعرضًا خلال أغلب أوقات المباراة، لكن انتهى به الحال يخسر بثلاثية عكس سير اللقاء!


حتى أنت يا فينيسيوس؟

برشلونة، الدوري الأسباني، دوري أبطال أوروبا، إرنيستو فالفيردي.

دخل سولاري المباراة وهو يدرك جيدًا ثغرات برشلونة؛ أولها، طبعًا، هو الغياب المؤثر لأرثر ميلو عن الفريق. أرثر هو اللاعب الوحيد القادر في وسط ملعب برشلونة على الخروج السليم بالكرة من مناطق البلوجرانا تحت ضغط، وهو ما يعني بالبديهة أن رفاق بوسكيتس سيعانون في حال تنفيذ مدريد الضغط، وذلك سيؤدي لاستخلاص الكرة في مناطق جيدة يمكن من خلالها إطلاق الهجمات المرتدة للأجنحة السريعة المنطلقة: لوكاس فاسكيز وفينسيوس جونيور.

ويبدو أن سولاري لم يدرب لاعبيه علي شيء كما دربهم على آلية لضغط متوسط ميدان برشلونة، بدا ذلك واضحًا من خلال التمركز الموفق لكاسميرو، ومودريتش، هذا الثنائي قدم أفضل مبارياته خلال الموسم ونجح في استخلاص الكرة 6 مرات كاملة لفريقه بحسب موقع Whoscored، وقد عاونهما كريم بنزيما بهدف تحقيق زيادة عددية أغلب الوقت وإغلاق زوايا التمرير لأجنحة البلوجرانا.

كما طلب سولاري من كارفخال الحد من انطلاقاته، وذلك لأجل حماية مودريتش عندما يتوغل في وسط ملعب برشلونة، وغلق المساحات أمام سرعات عثمان ديمبيلي، لكنه في المقابل سمح لنظيره على الجانب الأيسر ريجيلون بالانطلاق على طول الخط الأيسر، لماذا؟ هذا يقودنا إلى ثاني ثغرات برشلونة.

الثغرة الثانية، الظهير نيلسون سيميدو الذي يعاني في المواجهات الفردية، وهنا أراد سولاري استغلال إمكانيات فينسيوس في المراوغة مع صعود متكرر من ريجيلون في تشتيت جهود الظهير البرتغالي، وهو ما تم فعلًا خلال اللقاء خصوصًا مع التمركز السيئ لسيرجي روبيرتو خلال المباراة.

بقي لهذه الخطة المثالية أمران حتى تكتمل؛ الأول، هو أن ينجح لاعبو الميرنجي في عزل ميسي، ومنحه أقل قدر ممكن من المساحة عندما يستحوذ على الكرة، والثاني، هو ألا يتحول شتيجن لديفيد دي خيا جديد.

في الواقع تمكن الريال من تحقيق الصعب، وهو عزل ميسي الذي لم يكن في يومه، لكنه فشل في منع الأمر الثاني، بل إن فينسيوس سهل المهمة كثيرًا على شتيجن، فتخيل أن الجناح البرازيلي سدد الكرة 6 مرات على المرمى، وهذا أكثر من مجموع ما سدده كل فريق برشلونة، وسددها جميعًا داخل منطقة جزاء برشلونة، وهذا يساوي ضعف ما سدده رفاق بيكيه داخل منطقة كيلور نافاس، لكنه أهدرها جميعًا.

بصراحة لا يمكن وضع تلك الفرص التي تفنن فينسيوس في إهدارها تحت مسمى «سوء الحظ». سوء الحظ هو أمر مختلف تمامًا عن الوصول للياردات الـ6 من مرمى خصمك، وبعدها استقبال الكرة، ثم التسديد خارج المرمى أو في جسم الحارس، هذا يسمى سوء تصرف، وهو أمر لا يناسب لاعبًا محترفًا يلعب في نصف نهائي كأس إسبانيا بقدر ما يناسب شابًا موهوبًا لكنه هاوٍ يستعرض على شواطئ ريو دي جانيرو!

لحظة واحدة! أين فالفيردي؟!

موجود، لكنه يفعل اللا شيء. لم يعدل مركز أحدهم، ولم يستدعِ آخر من عمليات الإحماء. ترك الحال على ما هي عليه، وراهن أن الكفة في النهاية ستميل له، على أي شيء استند في رهانه؟ لا أعرف، ربما لأن الريال يهدر كثيرًا، لكن ما هو أكثر إثارة ودهشة وغرابة من كل ذلك، هو أنه فاز بثلاثة أهداف رغم أن لفريقه تسديدتين فقط على المرمى بالإضافة لتمريرتين مفتاحيتين Key passes، كيف تحولا لثلاثة أهداف؟ أهلًا بكم في عالم إرنيستو فالفيردي.