تغريدات غير مفهومة إطلاقًا للمتابعين. تمر أيام قليلة، فيعقبها المغرد بتغريدات أُخرى بها تلميحات بسيطة، كصورة وهو ممسك برقبته كتعبير عن شدة الضيق. تمر أيام أُخرى ليعقبها الشخص ذاته بتغريدات صريحة توضح غضبه الشديد من تجاهل الآخرين لإشاراته إليهم، والتي استمرت لعدة أسابيع دون جدوى.

بالتوازي مع تلك التغريدات فإن وتيرة التعاطف لدى الجماهير ترتفع شيئًا فشيئًا، ففي البداية يكون الفضول لمعرفة سبب الحزن، ثم يتحول الفضول إلى تكهنات لاستنتاج أسباب غضب صاحب هذه التغريدات، ثم تتحول التكهنات إلى سيل من الدعم والتعاطف مع هذا الشخص، خاصة إذا كان متميزًا، يلقى قبولًا لدى أغلبية المتابعين.


استراتيجية مكررة

تلك هي الاستراتيجية التي يدير بها محمد صلاح مشاكله مع المسئولين في مصر. الأمر بدأ بقضية صورة الطائرة الشهيرة، ثم انتقلنا إلى النزاع مع اتحاد الكرة على كيفية التعامل مع النجم المصري، خاصة من الناحية التسويقية، ثم انتهينا إلى قضية معسكر منتخب مصر في كأس العالم وما حدث به من تجاوزات. أدار صلاح الحرب بالطريقة ذاتها، صمت طويل، ثم تلميحات على تويتر، ثم فيديوهات تجاوزت الـ 20 دقيقة فضح خلالها كل شيء وهاجم بها اتحاد الكرة المصري بطريقة إن فعلها لاعب آخر لحُرّم عليه المنتخب كما حُرّمت على موسى المراضع.

الأمر يبدو الآن وكأن الملك المصري قد قرر تطبيق الاستراتيجية ذاتها، ولكن هذه المرة في إنجلترا. مشكلة ما، صمت من صلاح وتفضيله لعدم مواجهة خصمه بشكل مباشر، وتلك هي المرحلة الأولى. صلاح يسجل هاتريك ولا يحتفل، يسجل في نابولي هدف الحسم ولا تظهر عليه ملامح الفرحة أيضًا. نعم عزيزي القارئ، لقد انتقلنا الآن إلى المرحلة الثانية، وهي مرحلة التكهنات، نحن نعيشها الآن.

لكن هل سيقرر صلاح الدخول إلى المرحلة الثالثة وهي مرحلة الهجوم على خصمه؟ الأمر مستبعد بشكل كبير. لماذا؟ لأن تعامل أصحاب القرار في الأنفيلد بالطبع سيختلف عن تعامل مسئولي الجبلاية. لا أحد في معقل الميلوود من مصلحته ألا يكون صلاح في مستواه، الكل سيدعمه.

لكن بما أن الأمر قد وصل إلى مرحلة التكهنات فلن يشغل بالنا حتمًا كيفية تعامل صلاح مع الأمر بقدر ما سيذهب المتابعون بعقولهم لمحاولة الوصول إلى أسباب تلك الأزمة من الأساس. فلنبدأ سويًا تلك الرحلة، هيا بنا!


يورجن كلوب؟ ربما

من الممكن أن يكون الأمر شخصيًا بينه وبين المدرب، أو انتقادًا معينًا لم يعجب صلاح باعتباره نجمًا كبيرًا.

كانت هذه إجابة المدافع المصري السابق عماد النحاس عندما سأله المذيع مهيب عبدالهادي عن رأيه في عدم احتفال صلاح في الفترة الأخيرة بأهدافه. ما يجب النظر إليه بعين الاعتبار هو تصديق المذيع مهيب عبدالهادي على تلك الإجابة، مؤكدًا أن المعلومة موثقة لديه منذ فترة. صحيح أن الأمر قد يبدو هزليًا بأن نستقي خبرًا بهذا الغموض من الإعلام الرياضي المصري. لكن ثمة أمرًا مهمًا يجب الأ نغفله، وهو أن مهيب هو الإعلامي الأكثر قربًا للاعبي المنتخب المصري منذ فترة ليست بالقليلة، وخاصة محمد صلاح.

دعنا الآن نترك الجانب المصري ونطير لمدينة بورنموث الإنجليزية. الجناح المصري يسجل ثلاثة أهداف منذ أسبوع تقريبًا ولا يحتفل. الصحفي يسأل يورجن كلوب بعد المباراة لماذا لم يحتفل صلاح بعد أهدافه الثلاثة؟

كي أكون أمينًا، لم أشاهد تصرف صلاح بعد أهدافه، ولكن لا اعتقد أن هناك شيئًا يدعو للقلق.

إجابة قد تبدو ساذجة وغير مقنعة بعض الشيء، بل وصفها بعض الصحفيين بالهروب. شيء غريب ألا تلاحظ أن لاعب فريقك الأبرز غاضب بعد تسجيل هاتريك في مباراة خارج ملعبك في وقت مهم من الموسم. إذن احتمالات غضب صلاح بسبب كلوب تبدو منطقية بعض الشيء!

«يورجن كلوب» مدرب نادي ليفربول (يمين)، وجماهير النادي.

لكن بالطبع ستجد الآن من يفكر في بداية الموسم، عندما كان صلاح يقدم بداية غير مرضية تمامًا، لم يلق الدعم الكامل حينها من شخص بقدر ما وجده من يورجن كلوب، دعم أمام الصحافة بتصريح تلو الآخر. تارة يقول إنه لم يشك لثانية واحدة على حفاظ صلاح على مستواه، وتارة يقول إن صلاح أحرز الموسم السابق 41 هدفًا، فإذا أحرز 39 هدفًا هذا الموسم فسيقولون إنه أخفق، وهذا لأن الصحافة وظيفتها هي تغطية وتحليل كل لحظة على حدة ولا تنظر بنفس منظور المدرب.

دعم كلوب لم يتوقف عند هذا النحو، بل إنه وبعد هزيمة الليفر أمام النجم الأحمر الصربي وتعادله أمام أرسنال من قبلها قرر العودة للبريميرليج أمام فولهام بخطة جديدة تمامًا على الفريق.حول كلوب الفريق من 4-3-3 إلى 4-2-3-1 . صلاح ومن خلفه جناحان وصانع ألعاب، فقط ليستعيد الملك المصري ثقته وحاسته التهديفية. وبالفعل أحرز صلاح هدفًا، ومن بعده هدفًا آخر أمام واتفورد وهو يلعب في نفس المركز.

فكيف للاعب أن يغضب من مدرب قدم له كل هذا الدعم في بداية موسم ليست هي الأفضل؟ مدرب إذا بحثت على جوجل عن صدام سابق بينه وبين أي لاعب فلن تجد نتيجة واحدة واضحة! ربما هناك تفاصيل أخرى لا نعرفها قد حدثت في الميلوود. إذن دعنا الآن عزيزي القارئ ننتقل للتكهن الثاني.


الصحافة الإنجليزية؟ ربما أيضًا

«One Season Wonder» لم يواجه صلاح تعبيرًا أزعجه طيلة مسيرته حتى الآن بقدر ما أزعجه هذا الوصف. صلاح يفوز بكل الألقاب الفردية ويحطم عددًا كبيرًا من الأرقام القياسية الموسم السابق، وبعض الأصوات الخافتة التي تكرر هذا التعبير. صلاح يبدأ بداية متواضعة في أول مباريات الموسم، الأصوات تتعالى بعض الشيء. البداية المتواضعة تتطور لمستوى متواضع لمدة تزيد عن الشهرين. صلاح لا يسجل أمام الكبار. النتيجة متوقعة، أصبحت الأصوات صاخبة ومزعجة الآن.

بالرغم من قسوة الصحافة الإنجليزية التي يعلمها الجميع، ويعلمها صلاح بالطبع، فإن تلك القسوة هي إحدى الضرائب الباهظة التي يدفعها نجوم البريمييرليج. ولذلك فإن الدوري الإنجليزي ليس كغيره، ومن ينجح به ليس كمن ينجح بغيره.

تلك الضريبة دفعها السير أليكس فيرجسون في بدايته المتواضعة مع المانيو، ودفعها أرسين فينجر وهو يركب الطائرة من اليابان إلى لندن قبل حتى أن يبدأ مشواره مع أرسنال، ودفعها ديفيد بيكهام بعد طرده أمام الأرجنتين في مونديال فرنسا 1998. حاول أن تتذكر أسطورة واحدة للبريمييرليج لاعبًا أو مدربًا لم يتعرض لهذا الاختبار، بالطبع لن تجد.

محمد صلاح

لكن إن صحت تلك الرواية، وأن سبب غضبه هذه الآونة هو الصحافة الإنجليزية، فيجب على صلاح التوقف عند المرحلة الثانية من استراتيجية إدارته لمعاركه، وهي مرحلة التلميحات. يجب عليه عدم العبور للمرحلة الثالثة والصدام المباشر مع الصحافة الإنجليزية؛ لأن الأقرب للخسارة في هذه الحالة سيكون هو الملك المصري.

السبب بوضوح أن رأس مال صلاح الذي وصل به لتلك المكانة هو التطور التكتيكي الهائل في مستواه، والذي منحه القدرة على تسجيل عدد مفاجئ من الأهداف الموسم السابق، وقد يمنحه تلك الميزة هذا الموسم أيضًا. بشكل أبسط تطور صلاح في التحرك بدون كرة واتخاذ القرارات السليمة في التمركز في أغلب الأحيان هو الذي عزز حظوظه في إحراز أهداف بغزارة. لكن ماذا إذا غابت عنه الأهداف؟ لن يجد صلاح ما يحميه من الصحافة.

ذلك لأن الأمر يختلف عند امتلاك صلاح للكرة، في هذه الحالة لا يكون صلاح الأفضل إطلاقًا، سواء في التحكم بالكرة أو المراوغة أو الرؤية التي تمنحه القدرة على عمل تمريرات مبهرة غير متوقعة. فإن غابت الأهداف فإن صلاح سيهبط لا محالة درجة إلى الخلف، ولن يقدر حينها على تحمل ضغوط الصحافة إذا كان قد اتخذ قرارًا سابقًا بدق طبول الحرب أمامها.


تراكمات نفسية؟

التكهن الأخير في تلك الرحلة أن كل ما يشعر به صلاح الآن ما هو إلا تراكمات نفسية لما بدأ يحدث معه من شهر مايو/آيار الماضي. صراع مع الحكومة المصرية بسبب صورته على طائرة المنتخب، يعقبه خروج شهير في نهائي دوري الأبطال للإصابة، ثم معسكر شهد من المهازل والانفلات ما لم يتخيله أحد من الجماهير قبل أن يُعلن صراحة.

أعقب ذلك استغلال صلاح في لقاء مع رمضان قديروف والذي ارتبط اسمه بالعديد من المذابح الدموية مما عرض صلاح لموجة من الهجوم العنيف في الصحافة العالمية. ثم انتهى الموسم بفضيحة للمنتخب المصري في مبارياته الثلاثة بالمونديال.

ثم عاد صلا ليبدأ موسمه الجديد مع الليفر ليجد كلمات حادة في انتظاره من نوعية «One Season Wonder»، و لا يسجل ضد الكبار، ويجب أن يجلس احتياطيًا لبعض الوقت.

بالتأكيد حين يجلس صلاح ليفكر فيما حدث له في الستة الأشهر الأخيرة يغضب بشكل أو بآخر؛ لأنه يرى أنه لم يكن يستحق ذلك. ولكن هل هذا الغضب هو ما لا يجعله يحتفل بأهدافه في الآونة الأخيرة؟ أم خلاف مستتر مع يورجن كلوب؟ أم هو مجرد توبيخ للصحافة الإنجليزية؟