سلمان والإخوان

لم تقف حدود التوجه السعودي الجديد عند مجرد تخفيف حدة المواجهة مع تيار الإخوان المسلمين، بل إن هناك بعض المؤشرات التي تدل بشكل واضح على أن العلاقات بين الطرفين قد دخلت مرحلة جديدة مختلفة يبدو أن التماهي والتفاهم شعاران ملائمان لوصفها. وجاءت الإشارة الأولى على هذه المرحلة الجديدة عند مشاركة راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة التونسية المرتبطة بالإخوان المسلمين، في عزاء الملك السابق عبد الله، قبل أن يتوجه الغنوشي إلى السعودية ثانيةً بعد دعوته للملك سلمان لقيادة جهود للمصالحة بين إخوان مصر والمؤسسة العسكرية.

راشد الغنوشي والملك سلمان في عزاء الملك عبد الله
راشد الغنوشي والملك سلمان في عزاء الملك عبد الله

الإخوان المسلمون وعاصفة الحزم

بالرغم من أن المؤشر السابق يُعد مؤشرا هاما في هذا السياق، إلا أن أهميته كدليل على بداية مرحلة جديدة تتضاءل عند مقارنته بتأييد الإخوان المسلمين ل عاصفة الحزم التي قادتها عدة دول عربية بزعامة سعودية في اليمن ضد الحوثيين وحليفهم الرئيس السابق صالح وأنصاره. بل إن ممثل الإخوان المسلمين في اليمن، التجمع اليمني للإصلاح، قد تعرض لتضييق وتنكيل كبيرين من جانب الحوثيين وأنصار صالح بسبب مواقفهم من عاصفة الحزم، بالرغم من أن الدور السعودي الإماراتي في يَمن ما قبل عاصفة الحزم كان السبب الأبرز في إضعاف التجمع في مواجهة الحوثيين.

هذا في الوقت الذي جاء فيه الموقف المصري غير واضح تجاه العاصفة؛ فبالرغم من أن مصر أعلنت منذ البداية أنها مشاركة عسكريا إلى جانب دول الخليج، إلا أن التحركات المصرية كانت غريبة بشكل كبير. فقد استقبلت مصر وفدا من الحوثيين قبل أيام من انطلاق عاصفة الحزم حتى أن الحوثيين أنفسهم قد أعلنوا استغرابهم مشاركة مصر في العمليات بعد ذلك، كما أن مصر كذلك استقبلت وفدا من المؤتمر الشعبي، حزب الرئيس السابق صالح، أثناء العاصفة، وهو الأمر الذي دفع وزير الخارجية اليمني في الحكومة التي تدعمها السعودية، رياض ياسين، إلى إعلان استغرابه هو الآخر من الخطوة المصرية، مما يدل على أن هذه اللقاءات لم تكن بمباركة خليجية.

وإزاء الموقفين السابقين؛ من الإخوان المسلمين الذين يُفتَرَض بأنهم كانوا في مواجهة مع المملكة السعودية، وموقف مصر التي كانت تُعَد بمثابة الحليف الرئيسي للخليجيين والذين قاموا بدعمها وإعدادها من أجل يوم كهذا، فإن لنا أن نعتبر أن هذه المواقف قد وضعت اللبِنة الفعلية الأولى في بناء الملك سلمان الجديد تجاه المنطقة وخصوصا تجاه أهمية الانفتاح على الإخوان المسلمين في المنطقة حتى بالرغم من معارضة مصر.

عقل حماس في السعودية

مؤشر آخر شديد الأهمية على توجهات سعودية جديدة تجاه الإخوان المسلمين يتمثل في الزيارة الأخيرة التي قام بها زعيم المكتب السياسي لحركة حماس، خالد مشعل، إلى السعودية في منتصف يوليو. وقد تم التهوين في عديد من التقارير والتحليلات بالزيارة وأهميتها، وكذلك حاول الإعلام السعودي تصوير الزيارة على أنها مجرد زيارة سريعة أثناء إجراء مراسم العمرة.

غير أنه من الصعب لدينا القول بأن هذه الزيارة مجرد زيارة سريعة لا أهمية كبيرة لها على المستوى الإستراتيجي بالنسبة للسعودية وحماس على حد سواء كما روّج لها البعض، بالرغم من التكتم الشديد على موضوعات الزيارة.

ولا أدل على أهمية الزيارة من لقاء مشعل بكل من الملك سلمان وولي عهده محمد بن نايف وولي ولي العهد محمد بن سلمان بالإضافة إلى رئيس الإستخبارات السعودية. كما لا بد أن نأخذ في الاعتبار أن اللقاء قد جاء بعد فترة قصيرة من الاتفاق النووي الإيراني، وكذلك بعد سنوات من الجفاء بين حماس وإيران وحلفائها في سوريا ولبنان بسبب مواقف الحركة من الأزمة في سوريا، ثم بعد ذلك موقفها الداعم للشرعية في اليمن. بالطبع كل هذه العوامل، بالإضافة إلى طبيعة اللقاءات التي عقدها قائد المكتب السياسي لحماس تجعل الزيارة أكبر من مجرد لقاء عابر خلال رحلة عمرة بالأراضي المقدسة.

ومرة أخرى تستقبل مصر الأنباء الواردة من الشرق بكثير من عدم الإرتياح والقلق؛ فمصر لم تتورع منذ إسقاط مرسي على إظهار عدائها لحماس بسبب طابعها الإخواني، بل إن الحركة كانت حتى أسابيع قليلة مضت حركة إرهابية بحكم قضائي مصري. كما أن مصر السيسي لا تنسى لحماس أنها أحرجتها كثيرا أثناء العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة وكيف أنها رفضت المبادرة المصرية وما يحمله هذا الموقف من تشكيك واضح بدور مصر السيسي في القضية الفلسطينية، وفضّلت عليها المبادرة القطرية التركية، المنافسيْن الرئيسييْن لمصر السيسي، قبل أن تعود حماس وتقبل مبادرة مصر بعد إدخال تعديلات عليها.

كل هذا وغيره يدفع مصر إلى القلق من صحة احتمالات التقارب بين السعودية والحركة وإمكانية أن يحمل ضغوطا سعودية على القاهرة من أجل تخفيف حدة التوتر مع حماس وكذك الضغط في موضوعات أخرى كمعبر رفح وهي القضايا التي تمثل أعمدة رئيسية في سياسات مصر ما بعد مرسي.

التقارب السعودي القطري التركي

ظهر منذ تولي الملك سلمان الحكم ميله إلى تهدئة الأوضاع مع قطر وإعادة تطبيع العلاقات معها، حتى بالرغم من عدم التزامها باتفاق الرياض المبرم في عهد الملك عبد الله، وفي نفس الوقت تحسنت العلاقات السعودية بشكل كبير مع تركيا، وهي العلاقات التي اتسمت بنوع من الفتور قبل وفاة الملك عبد الله بسبب المواقف التركية من إزاحة مرسي من الحكم في مصر. ومن المعروف أن العلاقات التركية القطرية كانت على خير ما يكون خلال الوقت الذي فتُرت فيه علاقات الدولتين مع كل من السعودية والإمارات؛ ولذا فإن التقارب السعودي مع كل من قطر وتركيا معا قد أفضى في النهاية إلى ما يمكن تسميته تقاربا سعوديا مع محور قطر – تركيا وهو ما ظهر في بعض القضايا مثل ما يبدو أنه تقاربا سعوديا إخوانيا مُفتَرَض في سوريا.

يعني هذا في المقابل تأثيرا سلبيا على العلاقات السعودية مع ما يمكن تسميته محور مصر – الإمارات بحكم تضارب المصالح والمواقف الواسع بين المحورين في المنطقة، وبالأخص طبيعة علاقات المملكة مع الإخوان المسلمين؛ فلا يخفى على أحدٍ العداء الذي تُكنّه مصر والإمارات لتيار الإخوان المسلمين، وهو الأمر الذي دفعهما إلى الدخول في مواجهة إقليمية معه امتدت خارج حدود الدولتين إلى مناطق أخرى ك ليبيا وغزة وربما كذلك في سوريا.

مؤشرات التقارب السعودي القطري التركي

بمجرد وفاة الملك عبد الله، ضربت الدوحة باتفاق الرياض، الذي أعاد إليها سفراء السعودية والبحرين والإمارات، عرض الحائط وعادت قناة الجزيرة إلى سابق عهدها في تناول “الإنقلاب العسكري في مصر”. وفي نفس الوقت، فإن الفترة التالية لإمساك سلمان بتلابيب الأمور في الرياض قد شهدت ما يمكن تسميته بـ”جسر جوي” بين السعودية وقطر لنقل أرفع المسؤولين في البلدين إلى الأخرى، فعلى سبيل المثال خلال فترة تقترب من الستة أشهر زار أمير قطر، تميم بن حمد، السعودية ثلاث مرات؛ أي بمعدل زيارة كل شهرين تقريبا، وهو الأمر الذي يساهم في الاعتقاد بأن الخلافات بين السعودية وقطر، والتي كان للإمارات دور كبير فيها في إطار الصراع المكتوم مع قطر في الخليج على وضعية الدولة الأكثر نفوذا بعد السعودية، قد أصبحت جزءًا من الماضي.

بل إن مجلس التعاون الخليجي قد أصدر لأول مرة انتقادات لمصر على خلفية اتهامها لقطر بأنها دولة داعمة للإرهاب قبل أن يتم حذف البيان بعد ذلك تحت ما بدا أنه ضغط إماراتي كبير على المجلس. غير أنه بنظرة أكثر عمقا في هذه الخطوة نجد أن مثل هذا الانتقاد لم يكن ليحدث من الأساس إلا بموافقة سعودية، أو على الأقل حياد سعودي، وفي كلا الحالتين يمثل هذا الحدث دليلا دامغا على أن علاقات السعودية بقطر والإمارات لم تعد كسابق عهدها.

وبنفس الكيفية، فإن الزيارات المتبادلة بين أرفع المسؤولين في تركيا والسعودية قد انطلقت بين البلدين بعد وفاة الملك عبد الله، كما أصبح الحديث عن تنسيق تركي سعودي قطري في سوريا أمرا يتردد بقوة في أوساط الخبراء والمتابعين، بالإضافة إلى أن مثل هذا التقارب السعودي مع تركيا يمثل إحدى أوراق المملكة لمواجهة آثار الاتفاق النووي الإيراني المحتملة على المنطقة.

تعارض المصالح

بالرغم من أن مواقف الإمارات ومصالحها قد تكون قريبة من السعودية في الأزمة السورية إلى حد ما، فإن المواقف والمصالح المصرية تبدو متعارضة إلى حد بعيد مع السعودية. فبعد إزاحة مرسي، سارعت مصر بإعادة العلاقات مع نظام الأسد من خلال إعادة فتح سفارتها في دمشق، كما أنه يبدو أن مصر لا تحبذ كثيرا فكرة إسقاط الأسد لأسباب عديدة منها عدم رغبتها في إيجاد موطئ قدم لتيار الإخوان المسلمين في سوريا ما بعد الأسد، بالإضافة إلى العلاقات الوثيقة بين المؤسستين العسكريتين المصرية والسورية منذ حرب أكتوبر 1973 وهو ما يجعل القيادة المصرية، الآتية أساسا من صفوف المؤسسة العسكرية، تصطف إلى جانب الأسد المدعوم بشكل كبير من الجيش السوري النظامي أكثر منها في جانب المعارضة المدعومة خليجيا.

تراجع المساعدات وتعالي الانتقادات

بلغت المساعدات السعودية لمصر أوْجها في عهد الملك عبد الله بعد إزاحة مرسي، لكن بعد تولي الملك سلمان الحكم سرعان ما انخفضت هذه المساعدات بشكل كبير. ويبدو أن هذا الانخفاض بالإضافة إلى التحركات الإقليمية “المُقلِقة” التي تقوم بها السعودية، من وجهة النظر المصرية، قد شجّعت مصر على اتخاذ بعض الخطوات غير المباشرة للتعبير عن استيائها من تلك السياسات الجديدة.

واحدة من أهم هذه الخطوات تتمثل في الانتقادات اللاذعة التي قدمها بعض الإعلاميين المصريين الموالين لنظام السيسي للمملكة السعودية، خصوصا بعد عاصفة الحزم، وهو الأمر الذي دفع السفير السعودي إلى تقديم احتجاج رسمي على هذه الممارسات، وقد وصف الكاتب السعودي المقرب من دوائر صنع القرار في المملكة “جمال خاشقجي” الإعلام المصري بأنه “يُدار بالتليفون”، في إشارة إلى أن هذه الانتقادات إنما تتم بناءً على توجيهات وليست تلقائية.

والأمر الذي يدعّم من وجهة نظرنا هو أن السلطات المصرية سمحت بخروج تظاهرة منتقدة للسعودية وعاصفة الحزم أمام السفارة السعودية، فإذا كانت السلطات لا تسمح بأي مظاهرة معارضة من الخروج منذ فض اعتصامي رابعة والنهضة، فلماذا تركت هذه التظاهرة؟ بالطبع لن تكون الإجابة أنها أصبحت مؤمنة بحرية التعبير فجأة.

إعلان القاهرة

أردوغان والملك سلمان
أردوغان والملك سلمان

مع زيارة ولي ولي العهد السعودي لمصر في أواخر يوليو الماضي، بناءً على دعوة مصرية، ذهبت العديد من التحليلات إلى القول بأن الزيارة وإعلان القاهرة الصادر عنها هما تأكيد على أن العلاقات بين البلدين جيدة وأنهما جاءا ليخرسا الألسنة والأقلام “الإخوانية” التي تتحدث عن فتور في العلاقات.

وفي الواقع، إننا لا نتفق مع ما وصلت إليه التحليلات السابقة؛ فالفتور في العلاقات لدينا واضح لا تخطئه عين متابع منذ تولي الملك سلمان الحكم، وقد حاولنا الاجتهاد في ذكر مؤشراته وأسبابه. ويجب التذكير في هذا الموضع بأنه طوال الفترة السابقة خرجت تصريحات وأجريت زيارات عديدة خَرَّجَت منها نفيًا لوجود أي خلافات أو فتور في العلاقات وتؤكد على متانة العلاقات، بيد أن هذه التصريحات لا تعدو كونها مجرد أدوات دبلوماسية لتجميل الصورة والحفاظ على مستوى العلاقات الحالي من التدهور لا أكثر، دون أن يكون لهذه التصريحات انعكاس فعلي في الواقع. ولا أدل على صدق ما ذهبنا إليه من تصريحات وزيري خارجية البلدين في نهاية مايو الماضي من أن مواقف مصر والسعودية متطابقة بخصوص سوريا واليمن، وهو الأمر الذي لا يتطلب عناءً لإثبات عدم صحته.

غير أن هذا لا يجب أن يفهم منه أن إعلان القاهرة بالضرورة مجرد إعلان صوري، لكنه يعني أن هناك مبالغة كبيرة في التفاؤل به والاعتماد عليه كدليل على قوة العلاقات في حين أن معظم المؤشرات الأخرى لا تسير في نفس الاتجاه. كما لا يجب أن يُفهَم كذلك أن العلاقات بين البلدين تسير نحو مزيد من التدهور وصولا إلى حالة التوتر؛ فكلا البلدين تحتاج إلى الأخرى، خصوصا في ظل التطورات الإقليمية المتسارعة. فالسعودية لا تستطيع التخلي عن مصر وتركها تغرق في براثن الإرهاب وتتحول إلى دولة فاشلة، فإذا حدث ذلك تصبح المملكة مهددة بشكل فعلي من الجهات الأربع.

كما أن المملكة لا تستطيع تحمل تقارب مصري إيراني في المنطقة بعد أن نجحت في إفشال محاولتين سابقتين بعد ثورة 25 يناير ثم بعد تولي الإخوان المسلمين رئاسة الجمهورية، وما قد يزيد من مخاوف السعوديين بهذا الشأن هي الخطوة الأخيرة التي اتخذتها إيران بإلغاء تأشيرات الدخول لعدد من الجنسيات من بينها المصرية. هذا بالإضافة إلى رغبة المملكة في الحفاظ على الدعم العسكري المصري لها.

وبالمقابل، فإن مصر ترغب في الحفاظ على الدعم الخليجي الاقتصادي، وإن قل، وكذلك على الدعم الخليجي السياسي في الساحات الدولية والذي كان سببا رئيسيا في الحصول على الشرعية الدولية التي كافح السيسي ونظامه طويلا لنيْلها، بالإضافة إلى كوْنه سببا رئيسيا في عودة المساعدات العسكرية الأمريكية مرة أخرى. وعلاوة على ذلك كله، ترغب مصر في البقاء على مسافة مناسبة من الخليجيين تسمح لها بمنع تقديم دعم كبير للإخوان قد يشكل مصدر تهديد لها مستقبلا.

الخاتمة

بالرغم من إصرار مصر والسعودية على التأكيد بشكل مستمر على عدم وجود أي شوائب في العلاقات بينهما، إلّا أن معظم الشواهد والمؤشرات تؤكد أن وصول الملك سلمان إلى الحكم واتّباعه سياسات مغايرة لتلك التي اتبعها سلفه الملك عبدالله، خصوصا فيما يتعلق بالعلاقة مع الإخوان المسلمين وحلفائهم الإقليميين، قد أثّر على العلاقات مع مصر بشكل سلبي.

وبالرغم من ذلك، فإن العلاقات بين البلدين لا يُتَوقع لها أن تتجاوز حالة الفتور التي تقبع فيها حاليا إلى حالة التوتر نظرا لأن مصلحة البلدين تمنع حدوث ذلك، كما أنه لا يُتَصوَّر أن تعود العلاقات إلى سابق عهدها في ظل حكم الملك عبدالله؛ إذ أن أولويات السياسة الخارجية للمملكة والمتغيّرات الإقليمية المحيطة قد تغيّرت بشكل كبير وأصبحت مصالحها تمنعها من العودة إلى اتباع سياسات الملك عبدالله مرة أخرى، خصوصاً فيما يتعلق بالتعامل مع الإخوان المسلمين.