انحصرت الخلاصة النظرية للديكتاتورية في رفض «الحريات والحقائق» لأنها لا تعترف بالواقع، وانحصرت خلاصتها العملية في إنكار «حقوق الإنسان» لأنها لا تعترف بطبيعته، واشترطت لبقائها تطبيق الأساليب الدموية التي يفرضها منطق المركزية الديمقراطية التي تقضي باتباع أقصى وسائل العنف بغير رحمة، وقالوا عن ذلك «فلسفة» وسموا ذلك «نظرية»، وهو ما يدعونا لدراسة الأوجه الخفية خلف صناعة الديكتاتورية.


صناعة الخوف في نفوس الشعب

من الأفضل أن يخشاك الناس على أن يحبوك.

تلك هي القاعدة الأساسية لصناعة الديكتاتوريات، وانطلاقًا من تلك المسلمة، فالخوف هو السلاح الأول لأي ديكتاتور، وللمفارقة فإنه ينشر الخوف تحت مسمى حفظ الأمن، وبالنظر لكل الديكتاتوريات التاريخية سوف نجد أنها اشتركت جميعها في عامل رئيسي واحد، ألا وهو التضخم في أدوار الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في الدولة، حتى يشعر المواطن بأنه مراقب جيدًا وأنه تحت نيران القبضة الأمنية دائمًا، ولعل من أكبر الأدلة على تلك المسلمة في ألمانيا الشرقية أثناء الحرب الباردة كانوا يقولون أن كل رجل يسير في الشارع هو مخبر محتمل.

السعي الدائم وراء حظر التجمعات العامة والخاصة، وقد أطلق على هذه النظرية القمعية «كرة الثلج»، فالديكتاتور دائمًا ينظر إلى الاحتجاجات باعتبار أنها إذا بدأت فلا أحد يمكن أن يتنبأ كيف ستنتهي؛ وبالتالي يكون القرار الأول والأخير لأي ديكتاتور في هذه الحالة عدم التردد قيد أنملة في فتح النار وبقوة على أي احتجاج بغض النظر عن أي خسائر قد تحدث.

كان ذلك المبرر لما حدث في سنتياجو، تشيلي، إبان حكم الديكتاتور أوجستو بينوشيه عندما فتح النار على احتجاجات العمال بعد تجمعهم في ساحة الإستاد. وكذلك يمكن للديكتاتور قصف جموع الشعب بالطائرات بدعوى الإرهاب كما حدث في حماة ودوما من قوات نظام الأسد، كما يمكنه أن يتخلص من الاحتجاجات بدعوى كونهم بلا نفع كما في ألمانيا النازية، أو تفتح عليهم النار في الميادين كما حدث في تيانانمن.


كل من يعارض الديكتاتور هو خائن للدولة وللشعب

في مارس 1981م، ألقى رئيس الجمهورية الإيرانية أبو الحسن بني صدر خطابًا في جامعة طهران، انتقد فيه الحكومة، وأقر بوجود التعذيب في السجون الإيرانية.

هذا الخطاب أثار كثيرًا من ردود الفعل المتباينة لدى رجال السياسة في إيران. وفي يونيو 1981م زادت خلافاته مع الحزب الجمهوري الإسلامي والخميني، واتُهم أبو الحسن بني الصدر من قبل رئيس البرلمان الإيراني وعدد من النواب، بإيعاز من الخميني، الذين كانوا ينتمون للحزب الجمهوري الإسلامي بالتقصير وعدم الكفاءة السياسية، بل والخيانة، بدعوى أنه يتحرك ضد رجال الدين في السلطة، وبسبب معارضة بني صدر لإعدام السجناء السياسيين وكتابته خطابات إلى الخميني يحذره فيها من الديكتاتورية.

في النهاية تمت إقالة بني صدر من منصب رئاسة الجمهورية، وصدر قرار بالقبض عليه، إلا أنه استطاع الفرار في اللحظة الأخيرة إلى فرنسا، لكن ألقي القبض على العديد من أصدقائه ونفذت فيهم عقوبة الإعدام. أما حسن لاهوتي أشكوري فقد قامت قوات الأمن باعتقال ابنه بسبب انتمائه لمجموعة مجاهدي خلق، وبعدها بأيام تم اعتقاله لأسباب غير معروفة ونقلوه إلى سجن إيفين بطهران، ويعتقد البعض أن مخالفته لعزل الرئيس الجمهوري أبي الحسن بني صدر كان السبب الرئيسي لاعتقاله. وبعد أيام من الاعتقال، أعلنت الحكومة الإيرانية أنه مات إثر السكتة القلبية. أما عائلة حسن لاهوتي فقد أقرت في مقابلة صحفية مع جريدة «شهروند امروز» (المواطن اليوم) أن تقرير الطبيب الشرعي صرح بأن سبب موته هو وجود سم «ستريكنين» في معدته ولم يمت بشكل طبيعي.

في إيران كذلك، 6 إبريل 1982م، تم اعتقال صادق قطب زاده بتهمة التآمر والتخطيط لانقلاب عسكري، والإطاحة بحكومة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ووجهت له السلطات تهمة زرع مواد متفجرة قُرب بيت الخميني بهدف اغتياله، وقد نفى قطب زادة أثناء محاكمته تلك الاتهامات قائلًا: «إنني أختلف مع الحكومة لكنني لم أفكر بالانقلاب العسكري»، وحكم القاضي «محمد ري شهري» بإعدام صادق قطب زاده، وفي 15 سبتمبر 1982م نفذ فيه الحكم في طهران.


السيطرة على الإعلام، فدائمًا يتحدث بلسان الديكتاتور

الحقيقة هي العدو الأول للديكتاتورية، لذلك فالصحفيون دائمًا مستهدفون ليس فقط في الدول الديكتاتورية، بل في أكثر الدول ادعاءً للديمقراطية.

الحقيقة هي العدو الأول للديكتاتورية، لذلك فالصحفيون دائمًا مستهدفون ليس فقط في الدول الديكتاتورية، بل في أكثر الدول ادعاءً للديمقراطية كالولايات المتحدة الأمريكية نفسها كما ذكرت جريدة الجارديان، فلا يمكن أن يسيطر الديكتاتور على الناس بحق دون أن يحكم السيطرة على ما يلقى في عقولهم، والسعي لإصدار قوانين تحجم من دور الصحافة والتليفزيون، ونشر الأكاذيب التي يرددها رجال النظام الديكتاتوري في وسائل الإعلام عندما يتحدثون عن إنجازات الدولة الوهمية وعن الأخطار الداخلية والخارجية التي تهدد البلاد، مع ترك مساحة ما لمعارضة مستأنسة تبقى دومًا دليلاً على إيمان الدولة الديكتاتورية بالحرية وبالحقيقة. فجميع الديكتاتوريات فعلت ذلك بدايةً من إيطاليا في العشرينيات، وألمانيا في الثلاثينات، وألمانيا الشرقية في الخمسينيات وتشيكوسلوفاكيا وديكتاتوريات الشرق الأوسط العسكرية في الستينيات، وديكتاتوريات أمريكا الجنوبية في السبعينيات، والصين وروسيا، وغيرها الكثير.

ولعل من أكبر الدلائل على ذلك، ما حدث مع المدون جوش وولف في سان فرانسيسكو الذي سجن لمدة عام لرفضه تسليم شريط مظاهرة مناهضة للحرب، وما حدث مع مراسل جريج بالاست، الذي اتهم بتهديد البنية التحتية عبر تصويره لضحايا إعصار كاترينا في ولاية لويزيانا، وما حدث مع الصحفي جوزيف ويلسون الذي اتهم جورج بوش بتلفيق اتهامات كاذبة لصدام حسين لتبرير الحرب على العراق أبرزها استيراد اليورانيوم من النيجر؛ فكان نصيبه توجيه تهمة التجسس لزوجته.


التحالف مع أصحاب المصالح سواء بالداخل أو الخارج

في الآونة الأخيرة لم تعد الولايات المتحدة الأمريكية هي الحليف القوي الأوحد، بل دخلت في هذه الدائرة كلّ من روسيا وإيران، فقد نجحتا في الإبقاء على حكم الأسد في سوريا برغم معارضة الولايات المتحدة؛ وبالتالي من المهم أن يبقى لك حليف تستند إليه في النهاية.

لا يمكن لأي ديكتاتور الحفاظ على السلطة وهو يعادي الجميع، فداخليًّا يصنع طبقة من حوله يختصهم بالمميزات السياسية والاقتصادية، ويربط مصالحهم دومًا ببقائه وغالبًا تكون تلك الطبقة من رجال الأعمال، وخارجيًّا يبحث عن حلفاء أقوياء ويربط مصالحهم أيضًا ببقائه، كأن يزوّدهم بالنفط، أو يستضيف أحد قواعدهم العسكرية، أو يعطيهم امتيازات في أحد المناطق الإستراتيجية، وهذه النوعية من التحالف لا تدوم كثيرًا فغالبًا ما تنقضي إذا شعر الحليف باقتراب نهاية الديكتاتور؛ وبالتالي يسعى إلى تأمين مصالحه في جانب آخر بعيدًا عنه، وذلك ما حدث في العراق عندما تخلت إدارة جورج بوش عن صدام حسين لعدوله عن حرب الكويت؛ وبالتالي قررت التدخل عسكريًا ضده وتدمير بنى الدولة العراقية التحتية. وفي الآونة الأخيرة لم تعد الولايات المتحدة الأمريكية هي الحليف القوي الأوحد، بل دخل في هذه الدائرة كل من روسيا وإيران، فقد نجحتا في الإبقاء على حكم الأسد في سوريا برغم معارضة الولايات المتحدة؛ وبالتالي من المهم أن يبقى لك حليف تستند إليه في النهاية.

https://www.youtube.com/watch?v=94rKrwdUUok

«من جاور السعيد يسعد»، هذا المثل يطلق على أهمية مجاورة ومصاحبة السعداء لكي تسعد، تلك هي نفس القاعدة التي تسير على الديكتاتوريات.

«من جاور السعيد يسعد»، هذا المثل يطلق على أهمية مجاورة ومصاحبة السعداء لكي تسعد، تلك هي نفس القاعدة التي تسير على الديكتاتوريات، فمن جاور الديكتاتور يجب أن يكون ديكتاتورًا مماثلًا له، هذا بالضبط ما حدث مع رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس رئيس شركة أوراسكوم للاتصالات، وأوراسكوم للتكنولوجيا عام 2008م. ففي الوقت الذي يرى فيه العالم كله ديكتاتورية النظام الحاكم في كوريا الشمالية وبطشها بمواطنيها وعدم السماح لهم بالانفتاح على العالم بأي شكل مما جعل جميع الشركات العالمية تقريبًا تفضّل الابتعاد عن هذا المكان الخطر الذي لا يمكن ضمان الاستثمارات به، كان لنجيب ساويرس رأي آخر، حيث رأى أن كوريا الشمالية التي بالكاد تحظى بخدمات الهاتف الأرضي، هي موقع مميز وسوق جيدة لإنشاء أول شبكة للهواتف المحمولة بها، مع توقعات بإقبال كبير من الكوريين على هذه الخدمة التي تسهل لهم الكثير من الأعمال وتوفر لهم طريقة ممتازة للتواصل. كوريا الشمالية كانت في نظر رجل الأعمال المصري قطعة أرض بلا تكنولوجيا، وبالتالي فهي مرشح مناسب جدًا للاستثمار فيها. وعلى الرغم من النجاح الكبير للشركة الذي جلب معه الكثير من الأرباح، إلا أن هذه الأرباح قد جلبت معها المشاكل، فشركة أوراسكوم لم تتمكن من إخراج أرباحها خارج حدود كوريا الشمالية، وباءت كل محاولاتها بالفشل. السبب الأقل يكمن في العقوبات الاقتصادية الموقعة على كوريا الشمالية من قبل مجلس الأمن، لكن السبب الرئيسي كان يكمن في رفض الحكومة الكورية الشمالية أن تترك هذه الأموال تذهب خارج حدودها، فعلى الرغم من الشراكة بين الحكومة والشركة، إلا أن الحكومة رفضت منح الإذن للشركة بنقل الأموال خارج البلاد. وبالتالي من جاور الديكتاتور يجب أن يخضع لقواعده ويبقى ديكتاتوريًا مماثلًا له.


صناعة الأعداء والسعي وراء إبادتهم

يسعى الديكتاتور دومًا وراء صناعة عدو له ليحاربه، ثم يطلب من الشعب الاصطفاف معه للخروج من المحنة والمأزق الوهمي، ويجعلهم يشعرون بخطر هذا العدو على أمنهم وسلامتهم واستقرارهم؛ وبالتالي يمكنه تمرير أي شيء تحت هذه المظلة.

يسعى الديكتاتور دومًا وراء صناعة عدو له ليحاربه، ثم يطلب من الشعب الاصطفاف معه للخروج من المحنة والمأزق الوهمي، ويجعلهم يشعرون بخطر هذا العدو على أمنهم وسلامتهم واستقرارهم؛ وبالتالي يمكنه تمرير أي شيء تحت هذه المظلة. ففي الوقت الذي كان يلتسن يقصف فيه البرلمان بالدبابات، كان يمرر القرارات الاقتصادية التي أفقرت الشعب الروسي وأدت إلى إفلاسه، وفعل بينوشيه الشيء ذاته وهو يعلن حربه على الشيوعية، بل إن قانون الباتريوت الأمريكي المشبوه الذي سلب الأمريكيين حرياتهم الشخصية قد تم تمريره في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتحديدًا في 26 أكتوبر تحت مبرر الاستعداد للحرب على الإرهاب، وكذلك ما فعله لينكولن نفسه عندما فرض الأحكام العرفية أثناء الحرب الأهلية، وكذلك حريق الراسخستاج في 27 فبراير 1933م الذي تزامن مع إعلان الحرب ضد الشيوعية تم اتخاذه كذريعة لقمع الشيوعيين الألمان والحزب الشيوعي الألماني.

وذلك ما حدث في بداية الثورة الإيرانية حيث تجلَّت خيانة الخميني لآمال وتطلعات وتضحيات الشعب الإيراني بأن بطش بالأقليات التي نادت بتحقيق أبسط حقوقها وسط تسلُّط الفرس الذين يشكلون أكبر أقلية في إيران، فارتكب مجزرة ضد الأكراد في كردستان في مارس 1979م؛ أي بعد أقل من شهر على انتصار الثورة، ثم مجزرة ضد العرب في الأحواز في مايو من العام نفسه، ولاحقًا مجزرة ضد الأذريين في أذربيجان الشرقية، ثم بدأ الصدام الأكبر مع كل القوى والمنظمات والأحزاب والشخصيات السياسية والفكرية، والمرجعيات الدينية الإيرانية نتيجة إصراره على إقامة دولة دينية، وحاول الخميني القضاء على المرجع الديني “شريعتمداري” في أواخر عام 1979م، بعد اعتراض الأخير وغيره من المراجع الدينية في إيران على الدستور الجديد الذي وضع صلاحيات إلهية ودنيوية مطلقة بيد رجل دين أوحد وهو الخميني، على اعتبار أَّن هذا الدستور مناقض لروح الإسلام، فأراد الخميني إرهابه وإرعابه بأن أرسل نحو 10 آلاف شخص من أتباعه إلى دار “شريعتمداري” وهم يحملون العصي ويهتفون قائلين: «يجب هدم وكر التجسس هذا وإحراقه»، فدارت معارك بينهم وبين أنصار وحرس “شريعتمداري” أدت إلى سقوط قتيلين، وبدأ الخميني صدامه مع الزعيم الوطني الكبير “مهدي بازركان” الذي عينه الخميني بنفسه كرئيس لأول حكومة تَمّ تشكيلها في أعقاب انتصار الثورة، والذي سرعان ما استقال في نوفمبر 1979م وهو يشكو حاله قائلًا: «لقد سلَّموني سكينًا بدون نصل»، وبعد ستة أشهر من عودته، بدأ الخميني في تأصيل دولته الديكتاتورية، بدأ قمع المعارضة المعتدلة المتمثلة في حزب الشعب الجمهوري، واضطهد العديد من كبارها ورموزها، وفي منتصف شهر أغسطس تم إغلاق عشرات الصحف والمجلات المعارضة لفكرة الحكومة الخمينية، واستنكر الخميني غاضبًا الاحتجاجات التي قامت ضد إغلاق الصحف وقمع حرية التعبير قائلًا: «كنا نظن أننا نتعامل مع بشر، من الواضح أن الأمر ليس كذلك»، وقام الخميني بحل السافاك نهائيًّا عندما تسلم السلطة، واستبدله بجهاز «الفافاك» أي وزارة المخابرات، الذي صار الذراع الأيسر لقمع معارضي الخميني، أما ذراعه الأيمن فكان جهاز الحرس الثوري المسلح الذي تولى عمليات قتل معارضي الخميني بدون محاكمات، فقد أعدم الحرس الثوري 3000 من مسئولي السافاك السابقين، وتولى إدارة معتقل إيفين الرهيب.

تذكر أن الناس لديهم الاستعداد للتضحية بقدر كبير من حريتهم إذا شعروا أنهم في خطر حقيقي.

إنها خطة قديمة، اصنع عدوًا كبيرًا من حلفائك ثم قدمهم للناس، وتذكر أن الناس لديهم الاستعداد للتضحية بقدر كبير من حريتهم إذا شعروا أنهم في خطر حقيقي، بل الأنكى هو حجم استعدادهم لتقبل الممارسات الدموية للسلطة ما دامت تتم بحق غيرهم.