لا أحد يكره البهجة. وهناك مصادر طبيعية للبهجة يجتمع عليها البشر مهما اختلفت أزمانهم وأماكنهم وعاداتهم وتقاليدهم وأديانهم وهوياتهم.. طعام شهي المذاق، أو منظر طبيعيٌّ خلابٌ، أو ضحكة رضيعٍ يحبو، أو نسمة باردة رقيقة بعد مغيب شمس يومٍ حار… إلخ.

وعلى الجانب الآخر، فهناك مصادر غريبة للبهجة تمثل أقلية من الناس.. البعض يبتهج من منظر النار المندلعة، والبعض يبتهج من تعذيب الآخرين، أو من تعذيب الآخرين له!… إلخ ما نعرف ولا نعرف من النشوات المريضة.

لكننا هنا سنشير إلى بعد ثالثٍ.. إلى مصادر خاصة جداً من البهجة، لا يوازي نبلها إلا غرابة أطوارها. إنها بهجات الأطباء يا سادة. وهو أمر لو تعلمون عجيب وغريب وطريف ومخيف في نفس الوقت!


1. عندما تمتزج البهجة بالنشادر!

كيس البول، البول، الكلى

تسمَّر طبيب العناية الشاب أمام سرير «2» لأكثر من دقيقتيْن. وكأن ملامح وجهه الصامت المستريح تريد أن تقول: «الصمتُ في حرَم الجمال جمالُ». وقفت الممرضة العجوز تراقبه في ذهول، ولا تدري فيما كل هذا الشرود.

«دكتور.. يا دكتور، فيه حاجة؟!»… لم يفلح صوتها الأجش في جذب انتباهه قيد أنملة، حتى بدا كأنه مصاب بالصمم! احتاج الأمر منها تكرار النداء عدة مرات، وتغليظ درجة الصوت بضع طبقات، حتى انتزعته أخيراً من ملكوته الخاص.

«مفيش حاجة يا مس… تمام، الحالة بقت أحسن أهيه، الحمد لله» .. حاول جاهداً ألا تشي نبرة صوته بما يضطرم في قلبه من السعادة. كان المريض قد بدأ يتوجس، من حملقة الطبيب إلى أسفل سريره… «فيه حاجة خطيرة يا دكتور؟!».. لم يرد الطبيب عليه، وإنما انحنى إلى أسفل ثانياً ركبته، ثم أمسك بمبتغاه.

كان الكيس البلاستيكي يكاد يمتلئ عن آخره بالسائل الأصفر النفاذ. أمسكه من أعلى بحذر، وشاهد سطح السائل يلامس حد الـ1500 مل. تعجَّب من نفسه كثيراً، إذ أصابته رغبة حقيقية – كبحها بصعوبة – في احتضان الكيس!

كان المريض بين الحياة والموت منذ يومين. قلبه ضعيف cardiomyopathy، وأصيب بهبوط حاد في الدورة الدموية نتيجة ذلك cardiogenic shock، مما سبب توقف الكلى عن العمل نتيجة ضغط الدم المنخفض. تم حجزه بعناية القلب الفائقة، وتغذية أوردته بمحاليل النور-أدرينالين رافع الضغط، و الدوبيوتامين منشط عضلة القلب، و الفيروزيميد « اللازكس » مدر البول الشهير.

لم تكن النتيجة جيدة أول يوم، فلم ينتج أكثر من 300 مل من البول على مدار اليوم. تم تعديل الجرعات في اليوم الثاني، فتحسنت الأمور أكثر، وأنتج حوالي ثلاثة أرباع اللتر. واليوم .. انفتحت أبواب البهجة بالخير المنهمر! تحسن ضغط المريض، وتحسن تسارع أنفاسه، وبدأت التحاليل في التحسن.

أطربتْهُ العبارة التي قالتها الممرضة له في أول النوبتجية «من الصبح لغاية دلوقت أكثر من لتر ونص يا دكتور». بداية مبشرة للنوبتجية، وتضاعفت فرص نجاة المريض.

نظر إلى الكيس شبه الممتلئ نظرة امتنان ثانية، وأجبر قدميه بصعوبة على التحرك تجاه السرير المقابل. لكن ظلت عينه مسلَّطة على كيس التجميع المنتفخ. وشعر كأن كل نظرة، تزيح من على قلبه هموماً واحتقانًا!

تذكر في هذه اللحظة صديقه طبيب المسالك البولية الذي كان يصف في نشوةٍ خفقان قلبه عندما ينفذ بالقسطرة البولية إلى مثانة مرضى احتباس البول، فيندفع السائل الأصفر تحت ضغط شديد، ويعلوه الزبد والفقاعات وهو يملأ كيس التجميع! ثم يخفق قلبه أكثر عندما يرمي ببصره إلى ملامح وجه المريض المنقبض ألمًا وخوفًا، وهي تنبسط وتتحول إلى تمثال من خام الارتياح الأصلي.


2. البهجة الملتهبة!

جراح، جراحة، طبيب، عمليات، تخدير

أخذ يشق طريقه عبر طبقات جدار البطن في سلاسة. وكان نظرات الأخصائي المشجعة تزيده فخراً. هذه المرة السادسة أو السابعة التي يقوم فيها الجراح الشاب بعملية إزالة الزائدة الدودية الملتهبة appendectomy.

ها هو المصران الأعور caecum يبرز من فتحة الجرح. يمد أصابعه في خفة لم تعد تخلو من خبرة، ليبرز الجدار الخلفي للمصران، لكي يصل إلى عدوه المختبئ في هذا الجزء المظلم.

ها هي الزائدة الوغدة تبرز معلقة في الجدار الخلفي. جسم إسطواني شديد الاحتقان لا يزيد طوله على بضعة سنتيمترات، لو تُرك سويعاتٍ قليلة أخرى، لانفجر داخل البطن، وأحدث ما بداخله من صديد ما لا يُحمد عقباه.

دقائق قليلة، وسيمفونية قصيرة من عمل الماسِكات الجراحية والمشرط، وها هو العدو يرقد صريعاً في طبق معدني على الطاولة! أكمل إغلاق طبقات البطن وأزال تعقيمه، وعاد وفي يده هاتفه الذكي.

التقط في نشوة مفضوحة عدة صور للزائدة من زوايا مختلفة. لولا الملامة لجعلها صورة البروفايل على الفيسبوك عدة أيام. الآن فهم لماذا أبدع الفراعنة التحنيط! لو كان يعرف كيفيته، لكان قد افتتح متحفاً في منزله!

لم يعبأْ بسخرية الأخصائي من كل هذا الاحتفال بزائدة.. (ماذا ستفعل إذاً عندما تستأصل ورماً خطيراً، أو جزءًا من الأمعاء؟!).

دائماً ما يتساءل .. هل كونه أعزب يعاني من الفراغ العاطفي قد أسهم في إهدار طاقته الشعورية على زائدة ملتهبة، أو صديد ينبجس من دمل متقيح بعد ضربة مشرط، أو حقنة شرجية ناجحة لطفل كان يعاني من انسداد معوي نتيجة ابتلاع بذرة جوافة؟!! لم يعرف إجابة قاطعة أبداً.


3. هذي الحناجر قد ظفِرْنَ بمهجتي!

عبر الممر المؤدي إلى العناية في ثلاث ثوانٍ. الأنبوبة الحنجرية التي تنقل أنفاس الحياة من جهاز التنفس الصناعي إلى المريض سرير 3 قد خرجت من مكانها.

بمجرد أن لاح في أول العناية، أفسحوا له المجال لكي يصل إلى رأس السرير. ناولته الممرضة المنظار الحنجري المعدني، وأمسكت بالأنبوبة الجديدة ووقفت جانباً، بينما أبعدت زميلتها القناع المتصل بنافوخة الأمبو Umbo bag التي كانت تمنح من خلالها الأنفاس إلى المريض ريثما يصل.

انحنى إلى الأسفل، وأمسكت يمناه الجزء الخلفي من رأس المريض الذي يكاد قلبه يتوقف لنقص الأكسجين. دفع الرأس للأمام ليجبر الرقبة على التمدد للخلف، لكي تنفتح أبواب الجهاز التنفسي العلوي على مصراعيها، وليبدأ الفكان في الانفراج.

وفي مزيج فريد من العجلة والتأني، والقوة واللين، كانت يسراه قد نفذت بالمنظار الحنجري إلى داخل الفم، وأزاحت اللسان جانباً، ثم انساب طرف المنظار بلمسة محترفة ليضغط قاعدة اللسان، فيجبر لسان المزمار المغطي لفوهة الحنجرة على الخروج من المشهد…. وهنا رقص قلبه طرباً عندما وقعت عيناه على المنظر الحبيب..

الحبلان الصوتيان الأكثر بياضاً ولمعاناً – في نظره – من سنووايت، يختالان في منتصف الحنجرة، وبينهما الفرجة المميزة لمسار الهواء. ليس من العدل أن يكون مكافأة هذا المنظر الجميل أن يفرق بينهما بالأنبوبة البلاستيكية القبيحة!

أنهى الأمر في ثوانٍ وهو ممتلئ بالبهجة، والتي ضاعفتها نظرات الإعجاب في عيون طاقم التمريض المنبهرين من سرعة إنجازه.


4. في حب موجة كهربائية!

الحنجرة، الأحبال الصوتية، الأنبوبة الحنجرية
رجفان بطيني، توقف القلب

ولى وجهَه شطر شاشة المرقاب بمجرد أن انتهى من إعطاء المريضة الصدمة الكهربائية. غرق في البهجة حتى الثمالة عندما رأى الموجات شديدة التسارع والاضطراب، منعدمة الشكل والروح، والتي تميز الرجفان البطيني الخطير وهي تنقلب على الشاشة إلى الموجات المنتظمة الأنيقة المميزة للنبض الجيبي الطبيعي Normal sinus rhythm.

تنهد الجميع في راحة، اكتملت عندما تحسس نبض المريض، فوجده قد عاد من جديد.

سنوات من تخصص القلب أنشأت علاقة خاصة بينه وبين رسم القلب الكهربائي ECG. رؤية موجات القلب الطبيعية المنتظمة على شاشة، أو في ورقة الرسم الكهربائي، كفيل بإراحة أعصابه، وجعل الخدَر اللذيذ ينساب في أعماقه المتوترة!

في المقابل، يشعر أنه في حالة عداوة حقيقية مع كل نبضة زائدة ectopics، أو تسارع غير منتظم، أو تباطؤ مرضي في النبض.

عندما يحدث اختلال كهربائي خطير life-threatening arrhythmia لأحد مرضاه في العناية، كالرجفان البطيني القاتل V.fib.

فإنه يندفع ليس فقط لكي ينقذ حياة مريضه، ولكن لتصفية حساب شخصي مع البؤرة الكهربية العدوة التي قامت بانقلاب فج لتنتزع زمام القلب من قيادته الشرعية في العقدة الجيب – أذينية S.A.node التي تنتج النبض الطبيعي المنتظم الحبيب. وهكذا يكون الجزاء الوفاق بالصدمة الكهربائية التي تفتك بهذه البؤرة الشريرة التي حاولت منازعة الأمر أهله، وإقلاق راحته، وتكدير السلم الكهربائي العام في العناية.

في كل مرة تنجح فيها صدماته الكهربائية، يتمنى لو أن كل همومه تتجسد في نبضة لعينة، يتخلص منها في جزء من الثانية.

أخرجه من تأملاته العميقة يد الممرض وهي تناوله الرسم الكهربائي الذي يثبت عودة قلب المريضة إلى العمل. أخد الرسم، وابتعد قليلاً حتى توارى عن أنظارهم، ثم احتضن الرسم الكهربائي في جذَلٍ طفولي ظاهر!

النبض المنتظم، النبض الطبيعي، رسم القلب