قبل أن تمر الذكرى الخامسة والستون بأيام قليلة، يُتوفي عقب البنا الوحيد؛ ابنه سيف الإسلام، يدفن في مقابر العائلة بمشهد قريب من مشهد دفن والده رغم مرور ستة عقود ونصف، أعداد قليلة ووجود أمني مكثف، رفاق ومعزون افتراضيون يقبعون الآن في السجون أو مطاردون في فيافي الأرض.

لكن سيف الإسلام ليس عقب البنا الوحيد، بل ربما ما خلّفه البنا ليس ابنا وإنما «جماعة» حجزت لنفسها مقاعد أولى في الحوادث الكبرى على مر ثمانين عاما ونيّف – هي عمر ابنه المتوفى – على كافة رقعة العالم الإسلامي، فهل فعلا هذه الجماعة هي بنت البنا، وهل تموت هي الأخرى أم تعيش؟


هل حقا البنا مؤسس الجماعة؟

عندما نقول البنا فإننا نتحدث عن الأب الروحي للحركات الإسلامية المصرية وإلى حد بعيد في العالم العربي من حيث التخطيط والتنظيم لا التنظير.فقد أسس حسن البنا تنظيم الإخوان المسلمين المحكم بمركزية تعتمد على دور المرشد ووجوده وتأثيره في إدارة التنظيم كالديكتاتور الذي لا نقاش ولا جدال ولا اعتراض فيما يضعه من أوامر وقوانين.لم تكن فكرة الإخوان المسلمين وتنظيمها فكرة نابعة من فراغ لديه فيحكي البنا في مذكراته تحت عنوان «مذاكرات الدعوة والداعية» نبوغه وقدرته في الحياة التنظيمية منذ الصغر، فقد كان منذ صغره مشارك في جمعية الأخلاق الحميدة بمدرسة الرشاد الابتدائية الدينية عام 1915م المنشأة من قبل مدرس الرياضيات _ الحساب _ وتقوم على أن من شتم احد يتحمل غرامة قرش ومن سب الدين يتحمل غرامة قرشين وتنفق هذه الغرامات في فعل الخيرات والبر ومساعدة المحتاج.أنتقل ليشارك في تأسيس جمعية منع المحرمات وتركز على نصح من يفعل الخطأ عن طريق إرسال خطاب له يحدثه عن خطأه وذنب ذلك الخطأ، ومن يفعل شيء صواب يرسل له خطاب تثبيت.بعدما انتقل البنا إلى مدرسة المعلمين انخرط في الحياة الصوفية فقرر إنشاء جمعية صوفية تحت اسم «الجمعية الحصافية الخيرية» مع أحمد السكري بهدف مقاومة المحرمات من خمر وقمار وبدع، ونشر الأخلاق الفاضلة ومقاومة الإرساليات التبشيرية الإنجليزية.ثم تخرج البنا وعمل معلما في الإسماعيلية عام 1928م وأخذ يفكر في إنشاء تنظيم أخر يدعو إلى نشر الأخلاق الحميدة التي يحث عليها الإسلام ويدعو لها، وإنشاء عمل إسلامي منظم يضم كافة المسلمين لمناهضة الإلحاد والتبرج والتحلل في النفوس والتحلل الفكري ومناهضة فكرة فصل الدين عن الدولة والغزو الثقافي الغربي.وعليه رأى أن الحل الوحيد لمناهضة التبرج والعلمانية الغربية هو القيام بعمل إسلامي مضاد، ومن هنا أخذ البنا على نفسه محاولة تأهيل ذاته لذلك عن طريق الجلوس في الصالونات التي تجمع الأساتذة النجباء والفضلاء الذين عرف عنهم غيرتهم على الإسلام وحبهم لسيادته وسيادة تعاليمه المثلى، ومن أهم هؤلاء «رشيد رضا» الذي أشاد البنا بدوره في صد الكيد الغربي ومواجهة الأفكار الإباحية والإلحادية الغربية ولكنه رأى أن ما فعله رشيد رضا لم يكن كافيا حيث إن المجتمع كان مقسما إلى معسكرين: معسكر يتبنى الفكر الغربي، وكان في تزايد. ومعسكر إسلامي يواجههم ولكنه كان في تناقص؛ ومن هنا رأى أنه من الضروري إنشاء تنظيم لمواجهتهم.من هنا جاءت فكرة إنشاء تنظيم الإخوان المسلمين مع مجموعة ممن كانوا يحضروا معه تلك الدروس.كان ذلك عقب تخرجه من المعلمين بعام استمر فيه في العمل على جالسي المقاهي يتحدث معهم بأسلوبهم حتى طلب منه إنشاء دعوة من أجل الدين _ وهذا ما كان يفكر فيه ويلاءم فكره _ وبالتحديد كانوا ستة أشخاص هم «زكي المغربي، عبد الرحمن حسب الله، إسماعيل عزو، أحمد الحصري، حافظ عبد الحميد، فؤاد إبراهيم» وقد حرص البنا لإنجاح ذلك التنظيم على ضرورة الطاعة وهذا ما علق عليه الإمام الغزالي قائلا:

«فقد مرت بهذا الرجل العظيم ظروف جعلته يختار المعاونين الأوائل له على أساس الكفاية العادية أو الضعيفة إذا صحبها التفاني في الدعوة والإخلاص للقيادة، فهي أجدر بالحفاوة من الكفاية الخارقة أذا ضعفت علاقتها بشخص القائد»([1])

استمر البنا في الفترة منذ نشأة الجماعة إلى عام 1935م يعتمد على الدعوة للدين في تكوين الجماعة وذلك في دروس الثلاثاء ويذكرمحمود عبد الحليم في كتابه أحداث صنعت التاريخ أن عدد الذين يحضرون لا يتعدي عدد الأصابع حيث قال على حد تعبيره: «كنت أحضر هذا الحديث في المركز العام في شارع الناصرية ولا يكاد يتعدي عدد الحاضرين فيه أصابع اليدين».ثم بعد عام 1935م انطلق حسن البنا ليؤسس ملامح للعمل التنفيذي السري وبدا في تأسيس مليشيات عسكرية داخل الجيش والشرطة وأسس الجهاز السري للجماعة كل هذا كان تحت ستار تنظيم الجوالة ولعل فكرة إنشاء الجماعات والمليشيات العسكرية هي بالأساس فكرة شيوعية اقتبسها البنا منهم وطبقها في إطار الجماعة تحت مظلة الطاعة العمياء للقائد آنذاك.ثم أتي عام 1942م ليترشح البنا في الانتخابات البرلمانية، ولكن ظهرت هنا لغة المساومة وظهر تطبيق قاعدة الغاية تبرر الوسيلة في فكرهم حيث طلب النحاس باشا منه التنازل عن الترشح لكون البلد في حالة حرب وبالفعل تنازل عن الترشح مقابل تسهيلات ومصالح سمحت له بالسير في طريق الدعوة إلى عام 1948 م.ثم عاد في عام 1944م لترشيح نفسه مرة أخري في الانتخابات البرلمانية وعاد طلب التنازل من جديد ولكن هذه المرة من قبل أحمد ماهر بحجة أن البلاد في حالة حرب أيضا ولكن هذه المرة لم يستجيب البنا وقرر خوض الانتخابات وتوافد الإخوان من جميع الأقطار على الانتخابات ولكن البنا قد خسر وتم بعدها قتل أحمد ماهر وأتهم الإخوان في ذلك ولكنهم تبرءوا من ذلك وتحمل الجريمة شاب يُدعى «محمود العيسوي» كان ينتمي إلى الحزب الوطني آنذاك ولكنه قيل انه من الإخوان.وجاء عام 1945م ووعد بلفور مما دفع الإخوان إلى القيام بمظاهرة كبيرة حاشدة قال البعض أن هذا التظاهر كان عبارة عن هز لكيان الحكومة آنذاك واثبات قوة الجماعة.ثم في عام 1946م اتجه الإخوان إلى إلقاء العديد من القنابل داخل أقسام القاهرة، ثم في عام 1947م اخذ البنا يهتم بالجانب العلمي بإنشاء مجلات علمية.وفي عام 1948م بعد زيادة وقوع الجرائم صدر القرار الرئاسي الذي يحمل رقم 63 لعام 1948م بحل جماعة الإخوان المسلمين ومصادرة ممتلكاتها ومن هنا أصبحت تلقب باسم الجماعة المنحلة ما دفع العديد من قيادات التنظيم السري إلى تكفير الحكومة والقول بان دم النقراشي باشا حلال وظل الوضع كذلك ما بين انقسامات داخليه في الإخوان بسبب ما قبل إن حسن البنا تحدث مع الحكومة على ترك العمل السياسي للحزب الوطني والتفرغ للعمل الدعوي إلى أن تم في يوم 19– 2– 1949م إطلاق الرصاص على البنا أمام دار الشبان المسلمين بالقاهرة ومات وتم اتهام حكومة السعديين بذلك ولكن قال الإخوان إن الأمر مدبر من قبل جماعات أجنبية ضد الإسلام.


البنا والسكري ومعركة التأسيس

أحمد أفندي السكري

ما الذي يدفع صديق مقرب لينقلب على صديقه؟ هل المصالح الشخصية من الممكن أن تقذف بعلاقة دامت عقودا إلى بحور القطيعة؟ وإن تحولت لقطيعة هل تكون قطيعة مجرحة؟ما حدث بين البنا وأحمد أفندي السكري يجيب على كل هذه الأسئلة بالإثبات، كان أحمد أفندي السكري نائب حسن البنا من المحمودية محافظة البحيرة بلد البنا، وقد كان صديق حميم للبنا منذ جمعية الإخوان الحصافية، ثم أسس السكري فيما بعد جمعية الحصافية الخيرية وكان يترأسها هو وكان البنا آنذاك سكرتير لها.تولي السكري منذ إنشاء جماعة الإخوان المسلمون منصب الوكيل العام للجماعة عن المحمودية وكان من ضمن المؤسسين الأوائل للجماعة.بدأت المشاكل بين البنا والسكري أثر قضية صهر البنا عبد الحكيم عابدين المقلب بـ راسبوتين الجماعة، وتدور مشكلة عابدين في قضية شرف، حيث أشارت العديد من التقارير إلى كون عابدين كان يقوم بالتحرش بنساء الإخوان، وقامت أول محاكمة داخلية في تاريخ الإخوان وأثبتت اللجنة الموكلة بذلك صحة ما قيل في حق عابدين.لكن البنا كان له رأي مختلف ومخالف حيث ألقى بتقرير اللجنة وأصر على براءة عابدين وعاقب متهمينه بالفصل بناء على القرار رقم 5 لسنة 1947، الأمر الذي دفع بالسكري إلى القول في مقاله كيف انزلق الشيخ حسن البنا نصيا: «وهاهي البراهين الدامغة التي تثبت ما أرتكبه من آثام أعترف بها وأدان نفسه، واعترفت أنت بها وأدنته، وواجب مكتب الإرشاد فصله، وبعد ذلك أبقيته – لسر لا نعلمه – وضحيت برجال الدعوة الأخير».منذ ذلك الحين وتحولت المعركة بين البنا والسكري من مجرد خلاف داخلي إلى اتهامات من الطرفين على الملأ وفي الصحف، كتب فيها السكري سلسلة مقالات عددها 24 مقال بعنوان ” كيف انزلق الشيخ البنا بدعوة الإخوان ” في الفترة من 12/11 / 1947م إلى 7 / 5 / 1948م.في مقالة بعنوان «الشيخ الكذاب» قال السكري:

«(صاحب المقام الرفيع مصطفي النحاس باشا، أمر بتعيين احمد السكرى محررا بجريدة صوت الأمة براتب شهري قدره ستون جنيها تدفع من خزانة الوفد لا من مال الجريدة…!!.).

ولست أريد أن أفيض في الرد على هذه الفرية المضحكة، غير أنى أحب أن ألفت نظر الشيخ حسن البنا أنه قد أسدى إلى – بنشره هذا الخبر الكاذب – جميلا أشكره عليه كل الشكر، ذلك أنه قد كشف ” رسميا ” للملأ عن نوع السلاح الذي يرد به على هجماتي له، ودمغي إياه بالحقائق الواقعية الثابتة، فلم يجد أمامه غير سلاح الكذب السافر، والبهتان الواضح».
ولعل أبرز ما قيل في تلك الفترة أن السكري المؤسس الفعلى لجماعة الإخوان المسلمين في المحمودية عام 1920م وأن الإمام حسن البنا سرق الفكرة منه.

البنا أول من حاد عن منهج البنا

حاد عن منهج البنا، تلك العبارة هي المبرر الوحيد الذي يدفع أعضاء الجماعة المنشقون إلى انتقادها ولكن السؤال الادق هل طبق البنا منهج البنا؟قبيل كتاب دعاة لا قضاة الذي أطلقه الهضيبي الأب لم يكن للجماعة إرث فكريا يذكر غير تلك الخطابات والرسائل الرنانة التي كان يخرج بها البنا علينا، والتي وصف فيها الجماعة قائلا «دعوة سلفية، وطريقة سنيّة، وحقيقة صوفية، وهيئة سياسية، وجماعة رياضية، ورابطة علمية ثقافية، وشركة اقتصادية، وفكرة اجتماعية».ربانية وعالمية الدعوة، وإسلامية وشمولية الفكرة، البعد عن التفريق واعتماد التجميع وإغلاق أبواب الاختلاف، التدرج في الوصول للهدف، والعمل بالشورى.تلك أبرز معالم منهاج البنا المؤسس للجماعة، والتي على أساسها يقيم البعض كل من ارتقى لمنصب المرشد العام للجماعة، اليوم نحن لا ندرس المرشدين التالين للبنا بقدر ما ندرس البنا نفسه.حقيقة الأمر ليس خالف البنا كل ما وضعه من قواعد فمن ناحية الشورى كان البنا أول مخالف لها وذلك بحصوله في التاسع من يوليو من العام 1947م على تفويض من أعضاء الهيئة التأسيسية بالإخوان بحقه في فصل من يشاء وقتما يشاء.من ناحية التدرج في تطبيق الهدف والبعد عن التفريق، كان البنا أيضا أول المخالفين لذلك أولا بتفويض يوليو وثانيا بالتستر على عبد الحكيم عابدين وثالثها بتغليب العمل السياسي على الدعوي وذلك بالانخراط في العمل السياسي الحزبي وتكوين اللجنة السياسية ومهادنة صدقي باشا، والأخذ بكلام الفئة الانتهازية بالإخوان المسلمين آنذاك.

هل تعيش الجماعة؟

أحمد أفندي السكري
الجماعة زائلة، ذلك أمر مشكوك فيه ومستبعد شيئا ما لسببين رئيسيين، أولهما أن الأنظمة دائما ما تريد مبررا للقمع وليس هناك ما هو أفضل من الجماعة وأخطائها لتبرير ذلك والشهود عدة، وثانيهما أن الجماعة لديها من الاختلافات الداخلية ما يسمح لفريق أن يستمر على حساب الطرف الأخر وهذا ما حدث مؤخرا على سبيل المثال في إخوان الأردن. معركة البقاء مستمرة لكون الأنظمة الحاكمة في مناطق تواجد الإخوان خاصة مصر مقر الجماعة الأم أنظمة ذات خلفية عسكرية، فدائما ما يكون لدينا نظام شمولي متصارع مع جماعة شمولية، والأنظمة الشمولية مطلق والمطلق لا يقبل الثنائية وعليه سيحول كل طرف من الطرفين دائما القضاء على الأخر، وفي مرحلة القضاء يتحالف كل طرف مع الأخر ليتخلص من الأطراف الأخرى وبعد ذلك يتفرغ للأخر، وهنا يأتي دور القاعدة الشعبية والطرفان لهما على الأرض ما هو كافي للإبقاء عليه وإن كان بنسب متفاوتة من وقت لأخر، فتارة يتغلب النظام على الإخوان ولكن لا يقضي عليهم وتارة العكس.
المراجع
  1. انظر :عبد الله جمعة، الإخوان المسلمون تاريخ يتحدث عن نفسه
  2. انظر : نعمان بن عبد الكريم الوتر، الخطوط العريضة لجماعة الإخوان المسلمين وخلافتهم المرتقبة نقلا عن جابر رزق، حسن البنا بأقلام تلاميذه ومعاصريه.
  3. انظر : محمود عبد الحليم، الإخوان المسلمين أحداث صنعت التاريخ ج1
  4. انظر : نعمان بن عبد الكريم الوتر مرجع سابق.
  5. انظر : جريدة الشرق الوسط، هنية يحي الشعب السوري البطل من فوق منبر الأزهر