إذ تتوالى المراثي و يغشى الحزن النفوس على العالم الكبير الذي وافته المنية مساء أمس، ظهر جليًا أن شخصيات العلماء حين تتحول إلى رموز تصبح عرضة لصراعات لا تتماشى مع طبيعة منتوجها العقلاني الذى يتطلع إلى الموضوعية بكل ما أوتي من جهد وقدرة على السعي.

على هذا الأساس تصبح إعادة توجيه دفة الحوار وتوجيهها إلى «علم» أحمد زويل أمرًا واجبًا لإعادة شخصيته إلى نصابها، فبالنسبة للرجل الذي أراد أن يموت بصفته عالمًا – لا سياسيًا ولا واعظًا – ليس هناك ما هو أنسب من الحديث عن المعرفة وقيمة العلم تأبينًا له وتقديرًا.


النظرات الأولى لقلب المادة

ما يحدث أسرع بمائة بليون مرة من لمح البصر ظل مخفيًا، وهنا كانت نقطة التحول في علم الأطياف Spectroscopy التي صنعها أحمد زويل وفريقه.

تقوم الكيمياء على الدراسة التفصيلية للمادة وتركيبها ومراحل تحولها من صورة إلى أخرى. مع التطور العلمي وقدرة البشر على الاهتداء لحقيقة أن المواد الكبيرة تتكون من وحداث بنائية تسمى ذرات تبلغ من الصغر ما لا يمكن تصوره أو رؤيته بالعين المجردة، أصبحت مطاردة التقنيات التي تمكّننا من النظر أعمق وأعمق بمثابة حجر الفلاسفة بالنسبة للكيميائيين والفيزيائيين. كان الجميع يريد أن يرى صورة مباشرة لتلك الأجسام فائقة الصغر التي أخبرنا عنها دالتون وأثبت أينشتين وجودها. في عام 1931 تمت إزاحة الستار لأول مرة عن نوع جديد من الميكروسكوبات تتخطى قدرات الميكروسكوب الضوئي بمئات الأضعاف سمي الميكروسكوب الإلكتروني TEM. بعدها بعقود جاء عام 1981 حاملاً الخطوة التالية نحو العمق حيث تم بناء الميكروسكوب الماسح النفقي STM الذي لم يعطنا صورة لأسطح كتل الذرات فحسب، بل مكننا من تحريكها. بالطبع اقتسم روسكا، بيننج وروهرر جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1986 عن هذه التقنيات.

في العام ذاته، عندما ذهبت نوبل الكيمياء إلى بولانيي، لي، وهيرشباخ لأبحاثهم حول الخطوات المكونة للتفاعلات الكيميائية، كان بمقدور الجميع أن يرى أنه لم يزل هناك ما لم نتمكن من رؤيته، وأن الستار ما زال يحجب عنا بعض أسرار المادة. ببساطة، كانت معلومات العلماء آنذاك تنحصر في مراحل «ما قبل وما بعد» التفاعل الكيميائي، أما ما يحدث أسرع بمائة بليون مرة من لمح البصر، فقد ظل مخفيًا، هنا كانت نقطة التحول في علم الأطياف Spectroscopy التي صنعها أحمد زويل وفريقه.


ثورة علم الأطياف

يقوم علم الأطياف على دراسة العلاقة بين المادة وبين الضوء (الإشعاع الكهرومغناطيسي). ولأن كل مادة تتفاعل مع هذا الإشعاع بطريقة خاصة من حيث امتصاصها أو تشتيتها له، فقد كان من المنطقي أن يتم استخدام الطيف كبصمة مميزة لكل مادة بالرغم من تداخل تأثير التعقيدات الخاصة بالسلوك الكلاسيكي والكمي للمواد. نتج عن هذه التعقيدات نشوء العديد من التقنيات التي تعطي كل منها معلومات معينة عن المادة، وبجمع هذه المعلومات يتم تكوين صورة متكاملة للمادة الخاضعة للبحث. في خضم هذه التقنيات تتلاقى تكنولوجيا الليزر وتكنولوجيا الأشعة الجزيئية لتبزغ شمس علم جديد يختص بالظواهر فائقة السرعة Ultrafast phenomena مثل التفاعل الكيميائي «أثناء» حدوثه.

تعبر الظواهر فائقة السرعة عن التفاعل الكيميائي ولكن بطريقة خاصة نوعًا ما، نحن هنا لا نتحدث عن التفاعل الذي نعبر عنه من خلال معادلة بسيطة. في الواقع، تتألف كل معادلة كيميائية من عدد من الخطوات المكونة لها والتي يتخللها العديد مما يطلق عليه «المركبات الوسطية Transition states» عالية الطاقة التي يتم تكوينها بسرعة خارقة واستهلاكها أيضًا بسرعة خارقة في الخطوة التالية وهكذا حتى نهاية التفاعل وتكوين الناتج النهائي الثابت؛ أي أنها مركبات تختلف عن المتفاعلات ولا تظهر مع النواتج ويحتاج تسجيل وجودها الكثير من العناء . قبل زويل، كانت هذه المعلومات مثبتة نظريًا ورياضيًا وبطرق قياس غير مباشرة إلا أن أحدًا لم يتمكن من رؤيتها مباشرة بواسطة أي من تقنيات التصوير والمسح المتوافرة اآنذاك. وبقي الأمر عبارة عن قياسات معتمدة على معادلة أرهينيوس الشهيرة وطاقة التنشيط وثيرموديناميكا التفاعلات المختصة ببداية ونهاية التفاعل، أما الكيمياء الحركية Kinetics فقد كانت عالقة في حسابات عامة لمعدلات التفاعل.

يرجع ذلك إلى حقيقة أن هذه التفاعلات – عملية كسر الروابط وتكوين غيرها – تحدث في فترة لا تتعدى نطاق الجزء من مليون مليار – أي فيمتو – من الثانية؛ ولذا فإنه عند تصنيف تقنيات التصوير المتعلقة بالمواد على مستوى الجزيئات، يمكن تقسيم التصوير إلى تصوير سريع (في نطاق النانو ثانية أو أبطأ ) وهو تصوير لا يعطينا أي فكرة عن حركة أنوية الذرات أو عن المركبات الوسطية أو عن حركة الجزيء أو الذرة المفردة، وتصوير فائق السرعة (في نطاق البيكوثانية أو الفيمتوثانية) وهو الذي يمكننا من رؤية كل ما سبق.

لتصوير مثل هذا الحدث – أي تفاعل كيميائي أثناء حدوثه وكسر وتكوين روابطه – استخدم زويل نبضات الليزر للتحكم في سلوك المواد وتصويرها أثناء تحولها والتقاط صور مباشرة لهذه المركبات الوسطية المراوغة. كانت فكرة زويل هي تحويل المادة إلى شعاع كما هو متبع في تقنيات الأشعة الجزيئية و جعل هذه الأشعة تتصادم بنبضة من الأشعة الليزرية. يحمل الليزر كمًّا من الطاقة يسمح بإثارة الجزيئات التي تمتص فوتوناته؛ أي بانتقالها من مستوى طاقة أقل إلى مستوي طاقة أعلى. بعد الإثارة، تصبح الجزيئات عرضة بشكل أكبر للتفاعل وتكسير روابطها وتكوين روابط أخرى مع بعضها البعض. هنا قام زويل بإرسال نبضة أشعة ثانية أضعف بفارق زمني يقاس بالفيمتو ثانية، هذه النبضة هي ما يشبه وميض Flash الكاميرا والذي يقوم بما يشبه تجميد الأحداث وبتسجيل الاختلاف الذي حدث منذ فيمتوثانية للمركبات المتفاعلة.


الرائعة النهائية

لتصوير الحدث الكيميائي، استخدم زويل نبضات الليزر للتحكم في سلوك المواد وتصويرها أثناء تحولها والتقاط صور مباشرة لهذه المركبات الوسطية المراوغة.
قام زويل بتصميم ميكروسكوبه رباعي الأبعاد UEM الذي يعتمد في التصوير على إلكترون واحد بدلاً من شعاع من الإلكترونات كما في الميكروسكوب الإلكتروني TEM.

بهذه الطريقة وبتطويرها أصبحت هناك نافذة يمكننا أن نطل منها على المركبات أثناء تحولها كيميائيًا من مادة إلى أخرى بعد أن كان الأمر مستحيلاً، من هذا يمكننا رؤية صدق مقولة زويل «كل الكيمياء هي فيمتوكيمياء»؛ لأن الواقع هو أن كل التفاعلات الكيميائية تحدث في نطاق الفيمتو من الزمن، أما نطاق الميكرو والثواني فهو دائمًا مجرد وصول متأخر للحفلة لا يكفي إلا للتطبيق أو النظريات العامة وليس الفهم الجذري. بذلك ولد العلم الذي سينشر فيه زويل وآخرون مئات الأبحاث التي ستصنع حقبة جديدة في مجال وصف ديناميكا التفاعل الكيميائي، كيمياء الفيمتوثانية.

لاحقًا في مركز الأحياء الفيزيائية للعلوم والتكنولوجيا فائقة السرعة بمعهد كاليفورنيا للتكنولوجيا Caltech، قام زويل بتصميم ميكروسكوبه رباعي الأبعاد UEM الذي يعتمد في التصوير على إلكترون واحد بدلاً من شعاع من الإلكترونات كما في الميكروسكوب الإلكتروني TEM. كانت المعضلة بالنسبة للميكروسكوب الإلكتروني تكمن في كونه يقوم بتسجيل الأحداث في الزمن وليس المكان؛ أي أنه قادر على إنتاج صور ثابتة منفصلة من خلال تشتت الشعاع الإلكتروني الساقط على العينة. ليقوم بإدخال عنصر المكان، أقدم زويل على استغلال خاصية الاتساق Coherence الموجي (ترابط أطوار الموجات المنتشرة) لتقوم حزم متعددة تتكون كل منها من إلكترون يتم قياس مساره ليتكون في النهاية فيلم قصير يعبر عن أدق التفاصيل المتعلقة بالعينة التي يتم تحليلها من شكلها الخارجي لهيكلها وحركتها وتفاعلاتها في وقت الحدوث ذاته.

بعد أكثر من ستمئة بحث منشور في هذه التقنيات، وبالنظر إلى المشاركات العديدة في الكتب المؤسسة لعلم الفيمتو كيمياء، نجد أن زويل تمكن بعبقرية بالغة وتفانٍ شديد من نقل منظور البشرية لكل ما هو سريع للغاية وصغير للغاية إلى مستوى مختلف جذريًا. بهذا استطاع العالم الفذ أن يخلد اسمه ليس فقط في تاريخ العلم بل في مستقبله أيضًا.

المراجع
  1. Peter Hannaford-Femtosecond Laser Spectroscopy-Springer (2004)
  2. Ahmed H. Zewail, John M. Thomas : 4d Electron Microscopy – Imaging in Space and Time-Imperial College Press (2009)
  3. Walter S. Struve-Fundamentals of Molecular Spectroscopy -Wiley-Interscience (1989)
  4. Frans C. De Schryver, Steven De Feyter, Gerd Schweitzer, Ahmed H. Zewail-Femtochemistry_ With the Nobel Lecture of A. Zewail -Wiley-VCH (2001)